أسم الكتاب//نفحات القرآن الجزء الاول\\
أعداد وأخراج موقع دموع الورد الأسلامي_بواسطة السيد احمد الحسيني [1] نفحات القرآن الجزء الاول تأليف الشيخ ناصر مكارم الشيرازي [2] [3] الاهداء: إلى الذين يعشقون القرآن إلى الذين يريدون أن يشربوا من عين الحياة الصافية أكثر إلى الذين يريدون أن يعرفوا القرآن ويفهموه أكثر [4] بمساعدة العلماء الأفاضل وحجج الاسلام السادة: محمد رضا الآشتياني محمد جعفر الامامي عبدالرسول الحسني محمد الاسدي حسين الطوسي سيد شمس الدين الروحاني محمد محمدي الاشتهاري [5] المقدمة: 1 ـ الانماط المختلفة للتفسير. 2 ـ ما هو التفسير الموضوعي؟ 3 ـ ما هي المشكلات التي يمكن حلُّها بالتفسير الموضوعي؟ (فائدة التفسير الموضوعي). 4 ـ تاريخ التفسير الموضوعي. 5 ـ المنهج الصحيح في التفسير الموضوعي. 6 ـ المشاكل التي تعترض التفسير الموضوعي. 7 ـ لماذا لم يتكامل هذا الون من التفسير الموضوعي. * * * الاناط المختلفة للتفسير: عندما يجري الحديث عن تفسير القرآن الكريم تَنشدُّ الانظار نحو التفسير المتعارف (التفسير الترتيبي) حيث يجري بحث آيات القرآن الكريم بالترتيب ويتمّ توضيح مضمونها وماهيتها، وهو الاسلوب بتأليف مئات أو آلاف الكتب تحت عنوان "تفسير القرآن الكريم" في هذا المجال. والطبع فقد كان هناك نوع آخر من التفسير الرائج إلى حدّ ما والذي يهدف [6] إلى تفسير "مفردات القرآن" أي أنّه يبحث كلمات القرآن كلُّ على حدة وبالتسلسل على نحو الفباء على هيئة مُعْجم، ومن أبرز نماذج ذلك كتاب "مفردات الراغب" و"وجوه القرآن" و"تفسير غريب القرآن" للطريحي، وأخيراً كتاب "التحقيق في كلمات القرآن الكريم" و"نثر طوبى أو دائرة معارف القرآن الكريم". بينما توجد هنالك أنواع اُخرى من تفسير القرآن منها "التفسير الموضوعي" الذي يحقق ويبحث آيات القرآن الكريم على اساس مختلف المواضيع المتعلقة باصول الاسلام وفروعه والقضايا الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والأخلاقية. والنوع الآخر من التفسير الذي نطلق عليه "التفسير االإرتباطي" أو التسلسلي، حيث نتناول فيه مواضيع القرآن المختلفة من حيث ارتباطها ببعضها. فعلى سبيل المثال، بعد بحث موضوع "الإيمان"، و"التقوى" و"العمل الصالح" كلٌّ على حدة في التفسير الموضوعي يُتطرّق إلى التفسير هذه المواضيع الثلاث من حيث ارتباطها ببعضها من خلال الإعتماد على الآيات والملاحظات الواردة في ذلك ويوضّح علاقتها ببعضها، ومن المسلَّم به أنّ حقائق جديدة سوف تنكشف لنا عن كيفية ارتباط هذه المواضيع ببعضها تكون بالغة القيمة والفائدة. نحن نعلم أنّ الاسلوب الصحيح في دراسته كتاب "التكوين" أي عالم الخلق وكائنات عالم الوجود هو في مطالعتها من حيث ارتباطها مع بعضها، ففي الحقيقة عن أنّ الشمس والقمر والارض والانسان والمجتمعات البشرية هي مواضيع لا تنفصل عن بعض وهي تشكِّل في مجموعها كياناً واحداً متلازماً، والاسلوب الصائب في دراستها هو أنّ نبحثها من حيث ارتباطها مع بعضها. وهكذا الأمر في كتاب "التدوين" أي القرآن الكريم، فهنالك علاقات دقيقة ولطيفة فيما بين مواضيع القرآن الكريم، ولابدّ من تفسيرها من حيث ارتباطها مع بعضها. [7] النوع الآخر من التفسير هو "التفسير العام" أو"الرؤية الكونية للقرآن" وهنا يتناول المفسّر جميع مضمون القرآن فيما يتعلق بعالم الوجود، وبتعبير أكثر وضوحاً: يربط كتاب "التكوين" مع كتاب "التدوين" وينظر إليهما معاً، ويفسّرهما من حيث ارتباطها ببعضها. وعليه يُلاحظُ اجمالاً بأنَّ هناك خمسة انماط من تفسير القرآن: 1 ـ تفسير مفردات القرآن. 2 ـ التفسير الترتيبي 3 ـ التفسير الموضوعي. 4 ـ التفسير الارتباطي. 5 ـ التفسير العام، أو النظرة الكونية للقرآن. والمشهور بيننا من بين هذه الأنواع الخمسة هو النوع الأوّل والثّاني، وإلى حد ما النوع الثالث، أي أنّ التفسير الموضوعي لا زال يسير في مراحله الأولية، على أمل أن يقطع مراحله التكاملية تدريجياً من خلال الإهتمام الذي أولاه علماء الاسلام به مؤخراً ومن خلال المزيد من الجد والمثابرة، وأن يحتل مكانه اللائق من المستقبل القريب. أمّا النوع الرابع والخامس من تفسير القرآم فلم يحظيان باهتمام المففسّرين بعد، وهذا العمل يقع على عاتق الجيل الحاضر واجيال المستقبل بأن يتطرقوا إليه بعد تكامل التفسير الموضوعي بما فيه المفاية، ويقولون بؤداء حقّهِ بالمقدار الممكن. ما هو التفسير الموضوعي؟ قبل الاجابة على هذا السؤال لابدّ من طرح سؤال آخر وهو: لماذا لم يُجمع القرآن باسلوب موضوعي بحيث يشبه الكتب المتداولة؟ بل أنّه يختلف معها جميعاً. والجواب هو: إنّ المؤلف أو المؤلفين يأخذون بنظر الاعتبار مختلف المواضيع المتشابهة في بوتقة واحدة من أجل اعداد الكتب المتداولة، فمثلاً في [8] علم الطب يؤخذ بنظر الاعتبار "مختلف الامراض التي ترتبط بمسألة سلامة الانسان" ثمّ تُقسم المسائل المتعلقة بهذه المواضيع على فصول وابواب (امراص القلب، الامراض العصبية، امراض الجهاز الهضمي، امراض الجهاز التنفس، الامراض الجلدية وسائر الامراض). ومن ثمّ يبحثون كلَّ فصل وكلَّ باب من خلال الاعتماد على المقدّمات ونتائجها وبهذا النحو يتمّ تأليف كتاب باسم كتاب "الطب". بيد أنَّ القرآن ليس كذلك، فهذا الكتاب نزل على مدى 23 سنة وفقاً للحاجات والظروف الإجتماعية المختلفة والوقائع المتباينة، والمراحل التربوية المتفاوتة، وسائر حياة المجتمع الاسلامي، وفي نفس الوقت لم يتعلق بزمان ومكان معين! فخلال يوم كامل تدور كافة بحوث القرآن حول محور مقارعة الوثنين والشرك وتعليم التوحيد بكل فروعه، والسّور والآيات النّازلة في هذه المرحلة كلّها في المبدأ والمعاد: (كالسور التي نزلت في مكّة خلال السنوات الثالث عشرة الاولى من البعثة). وفي يو آخر تكون البحوث ساخنة وقوية حول الجهاد ومواجهة الأعداء الداخليين والخارجيين والمنافقين. ويومٌ تقع غزوة الاحزاب فتنزل سورة الاحزاب، وما لا يقل عن 17 آية منها تتحدث عن هذه المعركة والتجارب والقضايا التربوية فيها ووقائعها. وفي يوم آخر جرت واقعة صلح الحديبية فتنزل سورة الفتح: وبعدها فتح مكّة وغزوة حنين فتنزل سورة الاخلاص وآيات اُخرى. والخلاصة، فتزامناً مع انتشار الاسلام والتحرك العالم للمجتمع الاسلامي كانت تنزل الآيات المناسبة وتصدر الأوامر الملازمة، وهذا ما كان يكمّل المسيرة التكاملية للانسان. [9] استناداً الى ما قيل اعلاه، يتضح المغزى من التفسير الموضوعي ألا وهو تجميع الاحداث والمجالات وترتيبها للتجلى وجهة نظر القرآن الكريم بشأن ذلك الموضوع وأبعاده. فمثلا، تُستجمع الآيات المتعلقة ببراهين معرفة الله كالفطرة، وبرهان النظم وبرهان الوجوب والامكان وباقي البراهين، وحيث أن القرآن يفسّر بعضُه بعضاً تتضح أبعاد هذا الموضوع(1). وهكذا الآيات المتعلقة بالجنّة أو النار، والصراط صحيفة الاعمال، والآيات المتعلقة بالقضايا الاخلاقية والتقوى وحسن الخلق والشجاعة، و... والآيات المتعلقة باحكام الصلاة والصوم والزكاة والخمس والأنفال، والآيات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية وجهاد الاعداء وجهاد النفس و... من المسلّم به انّ هذه الآيات التي نزلت في مناسبات مختلفة، عندماتُجمع كلُّ طائفة على حدة وتنظم وتُفسَّر معاً ستنكشف عنها حقائق جديدة ومن هنا تتضح أهمية التفسير الموضوعي حيث سيأتي الكلام فيه في البحث الآتي إن شاء الله. ما هي المشكلات التي يُمكن حلُّها بالتفسير الموضوعي؟ إنّ الاجابة على هذا السؤال واضحة للغاية من خلال ملاحظة ما مرَّ ذكره آنفاً، ولكن للمزيد من التوضيح ينبغي الالتفات الى هذا الأمر وهو: ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - لقد رويت عبارة "القرآن يفسّر بعضه بعضاً" عن ابن عباس وليس من المستبعد أن يكون قد اخذها عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وامير المؤمنين(عليه السلام) نتيجة لعلاقته القوية معهما في مسائل القرآن، كما ورد مضمونها في نهج البلاغة حيث يقول: "وَذَكرت انّ الكتاب يصدّقُ بعضُه بعضاً" (نهج البلاغة الخطبة 18) وقد أورد بعض العلماء في كتبهم جملة "القرآن يفسر بعضه بعضاً" على أنّها حديثٌ، كما في صفحه 106 من كتاب (تنزيه التنزيل) للمرحوم الشهرستاني اذ وردت هذه العبارة باعتبارها رواية بدون أن ترد عليها مؤاخذة، كما تُلاحظ في نهج البلاغة اشارة اخرى الى هذا الأمر، حينما يقول بشأن القرآن الكريم: "وينطقُ بعضه ببعض ويشهد بعضُه على بعض" (نهج البلاغة الخطبة 133). [10] إنّ الكثير من آيات القرآن الكريم تأخذ بُعداً واحداً من ابعاد موضوع ما، فمثلا فيما يخص مسألة "الشفاعة" فقد ورد في بعض الآيات اصل امكان الشفاعة. وفي البعض الآخر "شروط الشفاعة" (سبأ 23، ومريم 78). وفي بعضها شروط "المشفَّع لهم" (الانبياء 28، غافر 18). وفي بعض تُنفى الشفاعة عن الجميع ما عدا الله تعالى (الزمر 44). وفي بعض آخر ثبتت الشفاعة لغير الله (المدثر 48). نجد انَّ حالة من الغموض تحيط بامور الشفاعة بدءً من حقيقة الشفاعة وحتى سائر الشروط والخصائص، ولكن عندما نأخذ آيات الشفاعة من القرآن ونضعها الى جانب بعضها ونفسّرها في ظلِّ بعضها البعض يرتفع هذا الغموش وتُحلُ المشكلة على أحسن وجه. وكذلك الآيات المتعلقة بأبعاد الجهاد. أو الغرض من أحكام الاسلام، أو الآيات المتعلقة بالبرزخ، أو مسألة علم الله، وكذلك موضوع علم الغيب، وهل أنّ العلم بالغيب ممكنٌ لما سوى الله أم لا؟ فلو وُضعت آيات كل موضوع في جانب فمن الممككن اداء حق الموضوع وتُحلُّ الاشكالات الموجودة عن طريق التفسير التفسير الموضوعي. واساساً فانّ الآيات المتعلقة بـ "المحكم" و"المتشابه" التي توعز بتفسير الآيات "المتشابهات" على ضوء "المحكمات" هي في حدِّ ذاتهانمطٌ من التفسير الموضوعي. على أية حال، فمن خلال تفسير الآيات المتعلقة بموضوع ما على اضواء بعضها البعض تنبثق عنها ومضات جديدة، الومضات التي تكمن فيها معارف القرآن والحلول لكثير من المعضلات العقائدية واحكام الاسلام. من هذا الباب يُمكن تشبيه آيات القرآن بالكلمات المتفرقة، حيث نَّ لكلٍّ منها مفهوماً ذاتيّاً، ولكن حينما تُرتَّبُ سويّةً فهي تُعطي مفاهيم جديدة. [11] أو تشبيهها بالعناصر الحياتية مثل "الاوكسجين" والهيدروجين" التي حينما تُركَّبُ مع بعضها ينتج عنها الماء الذي هو عنصر حياتي آخر. خلاصة القول فلا يمكن حلّ الكثير من اسرار القرآن إلاّ عن هذا الطريق، ولا يُمكن النفوذ الى عمقها إلاّ من خلال هذا السبيل، ونعتقد بأن هذا القدر كاف لتوضيح أهميّة التفسير الموضوعي. وباختصار يمكن تلخيص فائدة التفسير الموضوعي في النقاط التالية: 1 ـ ازالة الاشكالات التي تبرز في بعض الآيات للوهلة الولى، وحلّ المتشابه في القرآن. 2 ـ الاطّلاع على ظروف ومزايا واسباب ونتائج المواضيع والامور المختلفة المطروحة في القرآن الكريم. 3 ـ الحصول على تفسير جامع بشأن مواضيع مثل "التوحيد" و"معرفة الله" و"المعاد" و"العبادات" و"الجهاد" و"الحكومة الاسلامية" ومواضيع مهمّة اُخرى. 4 ـ الحصول على اسرار وايحاءات جديدة من القرآن من خلال الحاق الآيات ببعضها. تاريخ التفسير الموضوعي بوادر التفسير الموضوعي موجودة في نفس القرآن وكما قلنا فان أمر القرآن بتفسير الآيات المتشابهة بواسطة الآيات المحكمة هو نوع من التفسير الموضوعي. وفي كلام ائمة الهدى(عليهم السلام) امثلة كبيرة تعلّمنا اسلوب جمع الايات المرتبطة بموضوع معين وترتيبها ثم الاستفادة منها، ولاجل اثبات هذا الأمر نكتفي بذكر عدد من الامثلة: [12] 1 ـ في الرواية المعروفة(1) بعنوان وصية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وموعظته لعبدالله بن مسعود المذكورة في بحار الأنوار ـ وهي رواية طويلة وكثيرة المضامين، وفيها امثلة كثيرة بنحو ممكن القول أن الرواية تدور حول محور التفسير الموضوعي ـ عندما يتكلم (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذم الدنيا يقول: يا ابن مسعود إن الاحمق من طلبَ دنيا زائلة. ثم يستدل على هوانِ الدنيا وزخارف هذا العالم بالآيات التالية: (أَنَّما الحَيوةُ الدُنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزينَةٌ وَتَفَـاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتكـاثُرٌ في الاَمْوالِ وَالاَوْلادِ...) الحديد / 20) (وَلَوْ لاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّة وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ وَلبُيُوتِهِم أبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِثُونَ) (الزخرف / 33 و 34) (مَنْ كانَ يُريدُ العاجِلَة عَجَّلْنا لَهُ فِيْها ما نَشاءُ لِمَنْ نُريدُ ثُمَّ جَعَلنا لَه جَهَنَّم يَصْليها مَذْمُوماً مَدْحوراً) الاسراء / 18) * * * وفي محل آخر يتكلم حول (القول بغير علم)، ويقول(صلى الله عليه وآله وسلم): يا ابن مسعود لا تقل شيئاً بغير علم ولا تتفوه بشيء ما لم تسمعه وتراه، ثم يذكر آيات عديدة حول هذا الموضوع: قال تعالى: (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ اِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ اُولئِكَ كانَ عَنْه مَسْؤولا)(الاسراء / 36). وقال تعالى: (سَتُكْتَبُ شَهـادَتُهُم وَيُسْئَلُونَ) (الزخرف / 19). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - بحار الانوار المجلد 74 الصفحة 94. [13] وقال تعالى: (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْل اِلاّ لَدَيهِ رَقيبٌ عَتيدٌ) (ق / 18). وقال تعالى: (وَنَحْنُ اَقْرَبُ اِلَيْه مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ) (ق / 16). وكذلك ذكرت الرواية ابحاثاً حول الذكر والإنفاق في سبيل الله، ومكارم الاخلاق وغيرها اعتماداً على جمع الآيات وتبويبها. 2 ـ جاء في حديث اخر عن امير المؤمنين علي(عليه السلام) تقسيم لمعنى "الكفر في القرآن المجيد". إنّ الكفر في القرآن على خمسة انحاء: الاوّل: الكفر بمعنى الجحود والانكار، وهو على قسمين: الاول: إنكار اصل وجود الله والجنّة والنار والقيامة كما يحكي القرآن عن لسانهم (وَما يَهْلِكُنا إلاّ الدَّهْر) (الجاثيه / 24). والثاني: الكفر المقارن للمعرفة واليقين كما جاء في القرآن: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها اَنْفسُهُم ظُلْماً وَعُلوّاً) (النمل / 14). الثالث: الكفر بمعنى المعصية وترك الطاعة كما أخبر الله سبحانه عن قوم من بني اسرائيل يؤمنون ببعض الكتاب ويكذبون ببعض اذ يقول سبحانه: (أفتُؤمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وَتَكْفُرونَ بِبَعْض) (العنكبوت / 25). الرابع: الكفر بمعنى البراءة والتنصُّل كما قال سبحانه عن لسان ابراهيم(عليه السلام)لعبدة الاصنام (كفرنا بكم) (الممتحنة 3)، وقال سبحانه أيضاً (ويَوْمَ القيامَةِ لاََزيدنَّكُم وَلَئنِ كَفَرتُم إنَّ عَذابي لَشَديد) (ابراهيم / 7). الخامس: الكفر بمعنى عدم شكر النعمة كما قال سبحانه: (لَئِنْ شَكَرْتُم لاََزِيدَنَّكُم وَلَئِنْ كَفَرتُم اِنَّ عَذابي لَشَديدٌ) (ابراهيم / 7). ثم يجمع(عليه السلام) الآيات الواردة في الشرك واقسامه في القرآن فيقسمها الى الشرك في العقيدة، والشرك في العمل، والشرك في الطاعة، وشرك الرياء ويوضح [14] كلا منها بذكر الايات القرآنية(1). وكما تلاحظ فإن الامام(عليه السلام) بتقسيمه لآيات الكفر والشرك يلقي نظرة كلية على هذا الموضوع، ويوضح بان لهذين المصطلحين مفهوماً واسعاً شاملا، فالكفر يشمل كل تغطية للحق سواء كان في العقائد أو في المواهب الالهية، والشرك يتضمن كل جعل لقرين مع الله سبحانه سواءً كان في العقائد أو في العمل أو الطاعة للقوانين. ويتضح جيداً بهذا العرض الجميل للتفسير الموضوعي في المثالين المذكورين لكلمات الامام(عليه السلام) الدور الكبير لهذا التفسير في توسيع رؤية الانسان والفهم العميق للآيات القرآنية. والنموذج البديع الآخر ما ورد في كلام الامام موسى بن جعفر(عليه السلام) لهشام بن الحكم. فالإمام(عليه السلام) وفي مقام بيان منزلة العقل يذكر الآيات المرتبطة بـ "اولي الالباب" ويجمعها كلها ويقول لهشام: "أنظر كيف ان الله سبحانه وصف اولي الأَلباب على أحسن وجه وزينهم بافضل لباس"، ثم يذكر سبع آيات من القرآن المجيد تتكلم عن منزله اولي الالباب وهي (البقره / 269 ـ ال عمران 7 ـ ال عمران 9 ـ ص 29 ـ المؤمن 54)(2). فالقيام بجمع هذه الآيات والنظر اليها جنباً الى جنب يعطي للانسان رؤية عميقة يستطيع معها فهم معنى اولى الألباب ومقامهم ومنزلتهم، وهذا عمل لا يتمّ إلاّ عن طريق التفسير الموضوعي. هذه نماذج من اصول التفسير الموضوعي في كلمات قادة الاسلام العظام، النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وائمة الهدى(عليهم السلام)، وهناك نماذج عديدةٌ اُخرى لم نذكرها جنباً للاطالة. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - بحار الانوار: ج69، ص 100 ـ 120 (خلاصة الحديث). 2 - اصول الكافي الجزء 1 الصفحة 15 كتاب العقل والجهل. [15] * * * التفسير الموضوعي في كلمات العلماء السابقين إن التفسير الموضوعي لم يذكر إلاّ في فترات محدودة وحول موضوعات خاصة، إلاّ أنّه ورد كثيراً على السنة العلماء السابقين، ولكن يجب الاعتراف باننا لا نعرف أحداً منهم تناول التفسير الموضوعي على جميع المحاور. ومن الروّاد الاوائل في هذا المضمار العلامة المجلسي(قدس سره) حيث نراه قد تصدى لجمع كل الآيات المرتبطة بالموضوع عند دخوله في كل فصل من فصول بحار الانوار، ثم يلقي عليها نظرة شاملة وينقل احياناً آراء المفسرين، ويسعى لتوضيح ما يذكره من الآيات. فنرى مثلا في المجلد (67) عندما يتكلم حول "القلب" والسمع" والبصر" ومعنى كلٍّ منها في القرآن الكريم، يجمع عشرات الآيات ثم يذكر رواية من الكافي ثم يقوم بذكر بيان جامع لها، فيستغرق بحثه في هذا المجال عشر صفحات تقريباً(1). وفي المجلد (58) في فصل حقيقة الرؤيا وتعبيرها يذكر أولا أكثر من عشر آيات من القرآن حول هذا الموضوع ثم يبحث في تفسيرها عدة صفحات(2). وفي المجلد 22 في الباب الاول يبحث عن ما جرى لليهود والنصارى والمشركين بعد الهجرة، فيذكر عشرات الآيات من مختلف السور حول هذا الموضوع ثم يقوم بتفسيرها(3). وقد اتبع هذا المحقق العظيم نفس الاسلوب في الفصول الاُخرى من الكتاب. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - بحار الانوار الجزء 67 الصفحة 27 الى 43. 2 - بحار الانوار الجزء 58 الصفحة 151 الى 158. 3 - نفس المصدر الجزء 22 الصفحة 1 الى 62. [16] ومن الامثلة الاُخرى للتفسير الموضوعي في كلمات المتقدمين، الكتب المؤلفة تحت عنوان آيات الاحكام. ففي هذه الكتب ذكرت الآيات المرتبطة بالاحكام الفقهية، مثل الآيات المرتبطة باجزاء وشروط الصلاة وأقسام وشروط الصوم، والحج والنكاح والطلاق واحكام الحدود والديات والقضاء وغيرها، حيث جمع الآيات وتمّ بحثها على نحو موضوعي وجنباً الى جنب. ويبدو أن اول كتاب في هذا المجال هو كتاب (احكام القرآن) تأليف (محمد بن صاحب الكلبي)، وهو من اصحاب الامام الباقر(عليه السلام) والامام الصادق(عليه السلام)والمتوفي سنة (146) هـ فهو سابق حتى للشافعي الامام المعروف المتوفي سنة (204) هـ بتأليف كتاب بهذا النحو. وبعده تصدى العديد من الفقهاء والعلماء لتأليف الكتب في مجال آيات الاحكام (تارة بهذا الاسم وتارة باسماء اُخر) وقد ذكر المرحوم المحدث الطهراني في كتاب "الذريعة" ثلاثين كتاباً من هذه السلسلة(1)، واشهرها بين العلماء والفقهاء المعاصرين كتاب آيات الاحكام للمحقق الاردبيلي المسمى بـ "زبدة البيان"، وآيات الاحكام للفاضل المقداد المسمى بـ (كنز العرفان). وجاء في الكتاب الاخير أن مِن المشهور بين العلماء أنّه يوجد خمسمائة آية في القرآن المجيد حول الاحكام الفقهية، وهذا مع حساب الآيات المتكررة في هذا المجال وإلاّ فالعدد أقل من ذلك(2). وكذلك كتب مثل "اعجاز القرآن في العلوم المعاصرة" وفيه الآيات المرتبطة بالاكتشافات العلمية المعاصرة، والتي تعد من المعجزات العلمية للقرآن، وكتاب "المجتمع والتاريخ" أو "الحقوق في القرآن المجيد"، وكلها تعبير عن السعي المستمر في مجال التفسير الموضوعي. كما ألفت كتب حول قصص القرآن تم فيها توضيح قصص الانبياء بواسطة ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الذريعة الى تصانيف الشيعة الجزء 1 الصفحة 40 ـ 44. 2 - كنز العرفان الجزء 1 الصفحة 5. [17] جميع آيات القرآن. ولكن مع هذا يجب الاعتراف بأن كل هذه الكتب ناظرة للتفسير الموضوعي في فرع معين وزاوية محددة، وليست بصدد تفسير جامع وشامل لكل موضوعات القرآن. وفي الفترة الاخيرة بذلت محاولات ومساع للتفسير الموضوعي الواسع للقرآن وتستحق كل التقدير. ومن جملة هذه الكتب يمكن ذكر كتاب "مفاهيم القرآن" وقد صادر عدد من مجلداته بالفارسية والعربية وهو كتاب قيِّم. ولكن مع هذه المساعي التي تستحق التقدير يجب الاعتراف بأَنَّ مسألة التفسير الموضوعي للقرآن لا زالت في مرحلة الطفولة، وتحتاج الى سنين كي تحتل مكانها ومنزلتها المناسبة لها كالتفسير الترتيبي، وهذا لا يتم إلاّ بالسعي المستمر الدائب للعلماء والمفسرين، وبالاستفادة من تجارب الماضين وتنميتها وايصالها الى درجة الكمال المطلوب. وما تراه في هذا الكتاب هو حلقة من هذه السلسة التي نأمل لها ان تنضمَّ الى الحلقات المعتبره الاُخرى. والمهم ان يتجنب اصحاب النظر والمعرفة الاعمال المكررة في هذا المجال، وان يبادر كل منهم الى الابداع والتجديد حتى يمكن تحت ظل هذه الابداعات ان نطوي هذا الطريق الطويل. * * * الاسلوب الصحيح في التفسير الموضوعي: يوجد اسلوبان للتفسير الموضوعي: الاسلوب الاول : الذي اختاره بعض المفسرين في عملهم، هو انّهم يتناولون المواضيع المختلفة كالموضوعات العقائدية (التوحيد والمعاد و..) والموضوعات الأخلاقية (التقوى حسن الخلق و...)، وبعد ذكر بحوث فلسفية وكلامية او اخلاقية [18] يذكرون بعض الآيات القرآنية المرتبطة بالموضوع بعنوان الشاهد. الأسلوب الثاني: وهو الذي يتمّ فيه قبل كل شيء جمع الآيات الواردة حول الموضوع من جميع انحاء القرآن، وقبل ايّ حكم أو ابداء نظر يتم جمع الآيات وتفسيرها جنباً الى جنب، وبجمعها وبملاحظة ترابطها نحصل منها على الصورة الكاملة. وهنا لا يملك المفسّر شيئاً من عنده مطلقاً، ويسير كالظل خلف آيات القرآن فيفهم كل شيء من القرآن ويكون كل همّه كشف محتوى الآيات، واذا استعان بكلمات الآخرين بل حتى بالاحاديث فهو في المرحلة الثانية وبنحو منفصل. ونحن اخترنا هذا الاسلوب في (نفحات القرآن) وقد جمعنا كل الآيات الواردة في كل موضوع وجعلناها في مقدمة كل بحث. وجعلنا كل مسائل البحث تسير تحت ظل الآيات، ونعتقد أن هذا هو السبيل الأمثل لايصالنا الى حقائق القرآن. وهذان الاسلوبان متبعان في التفسير المعتاد (التفسير الترتيبي حسب السور والآيات) فجماعة يحملون آيات القرآن على آرائهم وجماعة اُخرى يجعلون آراءهم تابعة لآيات القرآن ومن الواضح ان الاسلوب التفسيري الصحيح هو الثاني. القرآن (نور وكتاب مبين) فهو يبين كل الحقائق المرتبطة بسيادة الانسان (قد جاءَكُمْ من الله نور وكتاب مبينٌ)(1). * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - المائدة 15. 12:42 م 14/06/1425 [19] مشكلات التفسير الموضوعي: يواجه المفسّر في طريقه ثلاث مشكلات مهمّة على الأقل. 1 ـ ليس التفسير الموضوعي بان تجعل فهارس الآيات امامك وتجمع الآيات التي يرد فيها ذكر لكلمات المواضيع التي تريد البحث فيها، مثل الجهاد والتقوى لان الكثير من الآيات تتكلم حول هذه المواضيع بدون أن تُذكر فيها كلمة التقوى أو الجهاد وامثال هذا كثير. ولا بأس هنا ان نذكر مثالا واحداً، نحن نعلم أن الله سبحانه "رحمن" و"رحيم" و"أرحم الراحمين" وهذا المعنى منعكس في الكثير من آيات القرآن، ولكن توجد آيات تبيّن هذه الحقيقة بدون استعمال مادة "رحم" منها الآية (61) من سورة النحل (وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِم ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دابَّة)(1). ونفس هذا المعنى مع اختلاف يسير ذكر في الآية (45) من سورة فاطر (وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِم ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دابَّة) هاتان الايتان تشيران الى رحمة الله ولطفه المطلق على عباده من غير أن تُستعمل مادة (رحم) في الايتين. 2 ـ المشكلة الاُخرى في التفسير الموضوعي مشكلة جمع الآيات وأخذ النتيجة منها، فهذه العملية تحتاج الى دقة وظرافة وذوق ووعي كامل واحاطة تامّة بالآيات القرآنية والتفاسير، وعندما تكون الآيات المرتبطة بموضوع ما كثيرة ويكون لكل منها بعدٌ خاصٌ بها فان الجمع سيكون أكثر تعقيداً. مضافاً الى ذلك فانَّ التفسير الموضوعي لا يزال بخطو خطواته الاولى ولم يُبذل فيه سعي وعمل كثير. وهذا يجعل أمر البادئين بهذا العمل صعباً ومعقداً ويختلف كثيراً عن التفسير المعتاد المتّبع منذ نزول القرآن. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - لابد من الاشارة ان الآية الاولى تشير الى ظلم الناس وفي الآية الثانية جاء بدل الظلم الاكتساب، ومن جمع الآيتين معا يظهر ان الكثير من الاعمال التي تصدر من الناس ليست خالية من نحو مِن انحاء الظلم. [20] 3 ـ المشكلة الكبيرة الثالثة أن موضوعات القرآن الكريم هذا الكتاب الالهي العظيم لا حدّ لها ولا حساب ففيه المسائل العقائدية والعملية، وفيه المسائل الاخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، واداب العشرة واحكام الحرب والسلم وتاريخ الانبياء واُمور الكون و.. وفي كل واحدة من هذه الاُمور موضوعات كثيرة بحثها القرآن. ومناقشة كل هذه المسائل تحتاج الى وقت طويل وصدر واسع. واحياناً تبحث الآية الواحدة في التفسير الموضوعي ابحاثاً عديدة من جهات مختلفة، وفي كل بُعد من ابعادها يجب بحث فصل خاص به، في حين تفسر الآية في التفسير الترتيبي تفسيراً واحداً فقط. * * * لماذا لم ينْمُ هذا الموضوع من التفسير نمواً كافياً؟ يبدو أن جواب هذا السؤال قد اتّضح من الابحاث السابقة، فالمشكلات الكثيرة في طريق التفسير الموضوعي، قد منعت من نموّهِ خاصة، وان التفسير الموضوعي يحتاج الى معاجم دقيقة وجامعة بحيث يمكن استخراج الآية منها بسهولة ولم تكن توجد في السابق، ولكنه اليوم بحمد الله في متناول الايدي. ومن الطريف ما جاء في مقدمة المعجم القرآني المعروف بـ "المعجم المفهرس لألفاظِ القرآن الكريم" حيث قال: (ان المتقدمين اهتموا كثيراً بالعلوم العلوم القرآنية ولكن لم يهتموا باعداد معجم دقيق لتعيين آيات القرآن، والسبب في ذلك انّ اغلبهم كان من حفظة القرآن)! ولا نعلم مدى صحة هذا الرأى، وافتراض كون الانسان حافظاً للقرآن لا يجعله مستغنياً عن المعجم، الذي هو وسيلة لابدّ منها من أجل التفسير الموضوعي (وان كانت بوحدها ليست كافية)، وهذا العمل لم يتم في السابق إلاّ بنحو ناقص [21] ودون الهدف أحياناً. ولابدّ من الاشارة الى مسألة هنا وهي ان جمعاً من العلماء الغربيين والاجانب المحبين للقرآن المجيد بذلوا أتعاباً من أجل اعداد معاجم لهذا الكتاب السماوي ومن نماذجها المعتبرة كتاب "نجوم الفرقان في اطراف القرآن" اعداد المستشرق الالماني "فلو گل" وتأليفات اُخرى بواسطة المسلمين مثل "مفتاح كنوز القرآن" وكتاب "فتح الرحمن". وبناءً على تصريح مقدمة "المعجم المفهرس لالفاظ القرآن الكريم" فان هؤلاء هم الذين امكنوا المؤلف على اعداد هذا المعجم الغني البديع وجعلهِ في متناول ايدي علماء الاسلام. وآخر ما نقوله هنا هو انه على الرغم من جمع المشكلات والمعوقات الموجودة في طريق التفسير الموضوعي، فان بركاته ومعطياته كثيرة بنفس النسبة وخاصة العلماء والمحققين، حيث تتكشف لهم في ضوئه الحقائق التي تزيدهم ايماناً وقوة ونشاطاً لمواصلة العمل وتؤجج في قلوبهم نار الشوق والمحبة حيث ان مَثَل الآية القرآنية عندما تتحدث حول موضوع ما لوحدها، كمثل النقطة التي اذا اجتمعت مع نقاط اُخرى ورتبت كونت شكلا جذاباً وصورة بديعة لم تكن موجودة من قبل، وهذا أمر مهمّ جداً ويبعث على النشاط والاشتياق، وكما ذكرنا فان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وائمة أهل البيت(عليهم السلام)، ارشدونا منذ البداية الى التفسير الموضوعي ووردت في كلامهم نماذج مختلفة جميلة وجذابة وقد أشرنا الى البعض منها. * * * وحيث ننتهي من هذه المقدمة نجد أنفسنا أمام هذا العمل الهائل المستصعب [22] ولا ريب في أننا لا نستطيع اعتماداً على أنفسنا ان نحمل هذه الأمانة ونوصلها الى الهدف إلاّ بلطف الله وعونه وعنايته، ونحن هنا بكامل وجودنا ننصب إليه وجوهنا ونمد إليه أيدينا قائلين. إلهنا! خذ بايدينا في هذا الطريق، اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم، احفظنا في هذا الطريق الكثير المزالق من السقوط في وادي الضلالة، وتفضل علينا بالتوفيق لإتمام هذا العمل على النحو الاحسن. آمين يا رب العالمين * * * [23] [24] [25] [26] كل عمل باسم الله تمهيد: علّمنا القرآن الكريم في بداية كل سورة (عدا سورة التوبة) وفي آيات كثيرة اُخرى أن نبدأ عملنا باسم الله وأن نعطّر أجواء قلوبنا وأرواحنا بطيب اسمه. باسم "الله" وهو الجامع للصفات الكمالية. باسم "الرحمن" و"الرحيم". بسمه الذي على كل شيء قدير. بسمه الذي بكل شيء عليم. إن هذا الاسم المقدّس ينوّر القلب ويهب لروح الصفاء والقوة والنشاط. ذِكر رحمته الخاصّة والعامّة تبعث في الإنسان عالماً من الأمل. ذكر قدرته وجبروته يبعث في الانسان الجرأة لمواجهة المصاعب. ذكر علمه واحاطته بكلِّ إنسان وبكل شيء يُطمئِنُ الانسان بأنّه ليس لوحده. فاذا بدأنا عملنا بهذه الروح فإنه سيصل الى غايتهِ بلا شك، وكل سعي وجهاد يبذل وفق هذا المنهج نتيجته النصر والفلاح. لذلك فقد رأينا أن أفضل ما نبدأ به بحثنا في هذا الكتاب هو موضوع (بداية كل عمل باسم الله). فنبدأ أولا بمناقشة الآيات المرتبطة بهذا المعنى، ثم نقوم بعملية التفسير [27] والجمع، وفي المرحلة الأخيرة نذكر بحوثاً مكملة تحت عنوان "توضيحات" وسنواصل اتباع هذا الاسلوب بالترتيبالمذكور الى آخر الكتاب ان شاء الله. * * * الآيات: 1 ـ ( بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمْ) (كل سور القرآن عدا سورة براءة) 2 ـ ( إقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق / 1) 3 ـ ( وَقالَ اركَبُوا فِيها بِسمِ الله مَجريها وَمُرْسها اِنَّ ربّي لَغَفُورٌ رَحيم) (هود 41) 4 ـ ( قالَتْ يا أيُّها الْمَلأُ اِنَّي اُلْقِيَ اليَّ كِتابٌ كَريمٌ * اِنّهُ مِن سُلَيمانَ وَاِنَّه بِسمِ الله الرَّحمن الرَّحيم * اَلاّ تَعْلُوا عَلىَّ وَأتُوني مُسلِمين) (النمل 29 ـ 30 ـ 31) * * * [28] شرح المفردات: الاسم: يعتقد الكثير من علماء اللغة ان هذه الكلمة في الاصل مشتقة من مادة "سمو" (على وزن علو) بمعنى الارتفاع وحيث ان التسمية سبب للمعرفة والظهور وعلو المنزلة لكل شيء استخدمت كلمة اسم في هذا المعنى(1). (الرحمن) و (الرحيم) كلمتان مشتقتان من ماده "رحمة" والمعروف انّ (الرحمن) يعني ذو الرحمة العامة الشاملة للجميع و(الرحيم) يوصف بها ذو الرحمة الخاصة وعلى هذا فان رحمانية الله جعلت فيضه ونعمته شاملة للعدو والصديق والمؤمن والكافر، ولكن رحيميته أوجبت للمؤمنين مواهب خاصة في الدنيا والآخرة في حين انّ هذه المواهب محرّمة على الغافلين والبعيدين عن الله. والشاهد على هذا الاختلاف ما يلي: 1 ـ "الرحمن" صيغة مبالغة والرحيم صفة مشبهة، وصيغة المبالغة تقيد معنى التأكيد بنحو أكثر وتدل على سعة هذه الرحمة ولكن البعض يرى ان كليهما صفة مشبهة أو أن كليهما صفة مبالغة، ولكن مع ذلك صرحوا بانّ الرحمن تفيد معنى المبالغة الكثيرة(2). 2 ـ وقال البعض أن الرحيم صفة مشبهة وتُفيد الإستمرار والثبات لذلك هي مختصة بالمؤمنين، لكن الرحمن صيغة مبالغة ولا تدل على المعنى المذكور. 3 ـ (الرحمن) اسم خاص بالله ولا يطلق على غيره، في حين أن الرحيم يقال له ولغيره، وهذا دليل على أن مفهوم الرحمن يدل على رحمة اوسع. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - البعض يرى ان الاسم من مادة (وَسْم) بمعنى (العلامة) ولكن يبدو ان هذا غير تام لان جمعه على هيئة اسماء وتصغيره بـ (سُمّي) و(سمّيه) يدل على عدم وجود (الواو) في اصله والبعض يعتبره مشتقاً من كلمة (شما) وهي اصطلاح عبري وعند التعريب صارت بهيئة اسم وسماء (التحقيق في كلمات القرآن الكريم) ولكن هذا مستبعد أيضاً ولا شاهد عليه. والشاهد الآخر على عدم كون الاسم مشتقاً من مادة (وسم) ان الهمزة في اسم تسقط عند وصل الكلام ولو كانت من مادة (وسم) فالهمزة بدلا عن الواو ولا ينبغي ان تسقط. 2 - راجع تفسير مجمع البيان وروح المعاني والميزان الجزء 1 الصفحات 20 و 55 و 16 على التوالي. [29] 4 ـ هناك قاعدة معروفة في الادب العربي وهي زيادة المباني تدل على زيادة المعاني، يعني أن الكلمة التي حروفها أكثر فان مفهومها يكون أكبر وحيث ان (رحمن) خمسة أحرف و(رحيم) أربعة أحرف فمفهوم (رحمن) اوسع(1). 5 ـ كما أن البعض استفاد هذا المعنى من آيات القرآن حيث أنَّ (الرَّحمن). ذكر غالباً بنحو مطلق، في حين ان (رحيم) ذكر مقيداً في كثير من الموارد مثلا قوله تعالى: (اِنَّ الله بِالنّاسِ لَرَؤوفٌ رَحيمٌ) (البقره / 143). وقوله تعالى: (إنَّ الله كانَ بِكُم رَحِيماً)(النساء / 29) امّا الرحمن فذكر من غير قيود فهو يدل على عموم رحمته. 6 ـ وتشهد بعض الروايات على هذا الاختلاف، ففي حديث عميق عن الامام الصادق (عليه السلام) نقرأ: (الرحمن اسمٌ خاص بصفة عامة والرحيم اسم عام بصفة خاصة)(2). ولكن مع هذا لا يمكن ان ننفي استخدام الكلمتين في معنى واحد، كما ورد في دعاء الامام الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة: (يا رحمن الدنيا والاخرة ورحيمهما) ويمكن ان يعد هذا استثناءً فلا ينافي الاختلاف المذكور. "مجراها" و "مرساها". كلتا الكلمتين اسم زمان او اسم مكان بمعنى مكان الحركة وزمانها، أو مكان التوقف وزمانه (3). الاولى مشتقة من مادة (جريان) والثانية من مادة (رسو) على وزن (رَسم) بمعنى الثبات والاستقرار لذلك يقال للجبال (الرواسي) جمع (راسية) لأنها ثابتة ومستقرة. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير شبر الصفحة 38 وروح المعاني الجزء 1 الصفحة 56. 2 - مجمع البيان، المجلد 1 الصفحة 21. 3 - قال بعض المفسرين انها اسم زمان فقط كما (مجمع البيان) والبعض اعتبرها اسم مكان فقط كما في (الميزان) والبعض اعتبرها اسم زمان ومكان كما في (تفسير شبّر). [30] جمع الآيات وتفسيرها لماذا نبدأ فقط باسم الله؟ في الآية الاولى (بسم الله الرحمن الرحيم) التي تصدرت كل سور القرآن (ما عدا سورة براءة) يعني نعلمكم ان تبدأوا عملكم باسم الله الرحمن الرحيم وتستعينوا به في اداء عملكم وتنفيذ خططكم(1). إن أعمالنا مهما تكن فهي فانية زائلة وصغيرة محدودة، أما عندما نربطها بتلك الذات القدسية الباقية الخالدة التي لا حد لها ولا نهاية، فانها ستصطبغ بصبغته وتستلهم من عظمته وازليته. قوتنا مهما تكن فهي ضعيفة لكن عندما ترتبط تلك القطرات بالبحار العظيمة للقدرة الالهية فانه ستجد العظمة وتكتسب روحاً جديدة وهذا كله رمز بسم الله في بداية كل عمل. * * * في الآية الثانية كلام عن خطاب جبرئيل الأمين في بداية البعثة للنبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما احتضن النبي وضمه وقال (إقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ). وبهذا فقد بدأ جبرئيل منهاج رسالته عند بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باسم الله. * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - البعض يعتقد أن هناك جملة محذوفة وهي (ابتديء)، والبعض قال هي (استعينُ)، نعم في صورة كون الجملة عن الله سبحانه (كما في جميع السور عدا الحمد) فحينئذ يتعيّن المعنى الاول ولكن في خصوص سورة الحمد حيث ان الجمله تعبير عن لسان العباد فيكون فيها المعنى الأول أو الثاني أو كلاهما وعلى هذا فان (ب) في بسم الله اما بمعنى الاستعانه او بمعنى الأبتداء ( تأمل جيداً). [31] الآية الثالثة تتحدث عن قصه نوح عندما حلت لحظة الطوفان والعقاب الالهي الشديد على قومه الكفرة والطغاة، وعندما استعدت السفينة للحركة وصدر الأمر لاصحاب نوح الذين لم يتجاوز عددهم الثمانين بان يركبوا في الفلك قال (بسم الله مجريها ومرسها) ثم استعان بمغفرة الله ورحمته وقال (إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيم). * * * وفي الآية الاخيرة كلام عن كتاب سليمان الى ملكة سبأ بعد ان أخبره الهدهد عن قوم سبأ وعبادتهم للاصنام. وعندما تناولت ملكة سبأ الكتاب جمعت اعوانها وافراد البلاط وقالت (يا أَيُّها الملأُ إنَّي أُلْقِيَ إلىَّ كِتابٌ إنّه مِنْ سُلَيْمانَ وإنّهُ بِسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ألاّ تَعلُوا عليَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ). * * * من مجموع الآيات الأربع المذكورة ندرك جيداً أن ابتداء كل عمل يجب ان يكون بـ (بسم الله)، سواء كان في التعليم والهداية مثل سور القرآن أو كان دعاءً من العباد مع الذات القدسية مثل سورة الحمد، أو بداية البعثة والرسالة وأول نداء للوحي مثل بداية سورة العلق، أو أنه بداية الحركة للنجاة من الخطار والطوفان وبداية توقف السفينة والنزول منها للابتداء بالمنهج الجديد كما في قصة نوح، أو ابتداء الكتاب المرسل من أجل الدعوة للتسليم الى الحق كما في كتاب سليمان لملكة سبأ. وخلاصة الكلام ان العمل سواء كان من الله سبحانه أو من الخلق أو من [32] جبرئيل او من الانبياء مثل نوح وسليمان أو من عامة الأفراد، يجب ان يبدأ بـ (بسم الله) ويرتبط بالذات المقدَّسة ويستمد منه القوه والعلم والدراك. وهذا هو معنى الحديث المعروف للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (كل امر ذي بال لم يذكر فيه اسم الله فهو ابتر)(1). والأمر الذي ينبغي ملاحظته ان الصفات التي ذكرت بعد بسم الله في الآيات المذكورة تناسب العمل الذي بدأ بـ (باسم الله) ففي قصة نوح جاء ذكر (غفور رحيم) وهو اشارة الى شمول الرحمة الالهية لاصحاب نوح، وفي قصة نزول أول آية جاء ذكر صفة الربوبية والخالقية ونحن نعلم ان مسألة الوحي بداية لعمل تربوي وعلى هذا فان التربية التشريعية تقترن بالتربية التكوينية. وبهذا نعلمُ ان الاستفادة من ذكر الصفات المناسبة تعليم للجميع حول كيفية ابتداء اعمالهم بـ (بسم الله). * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - سفينة البحار الجزء 1 مادة (سما). [33] توضيحات: 1 ـ الاهمية الخاصة لـ "بسم الله" نلمس في الروايات الاسلامية أهمية كبيرة لهذه الآية المباركة وأنّها في درجة (الاسم الاعظم الالهي)، كما روي عن الامام الصادق(عليه السلام) من أنّه قال: (بسم الله الرحمن الرحيم أقرب الى اسم الله الاعظم من ناظر العين الى بياضها)(1). وفي حديث آخر عن الامام الرضا(عليه السلام): (أقرب من سواد العين الى بياضها)(2). إنّ لـ (بسم الله) أهمية بالغة الى درجة بحيث ان بعض الروايات ذكرت ان في تركها تعريض النفس للعقاب الالهي، كما ورد في رواية ان عبدالله بن يحيى دخل في مجلس أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان امامه سريره فامره الامام ان يجلس عليه فتحطم السرير فجأة ووقع عبدالله على الارض وجرح رأسه وخرج منه الدم فأمر أمير المؤمنين (عليه السلام) بماء فغلسوا الدم ثم وضع الأمير يده على الجرح فاحس عبد الله بألم شديد في أوّل الأمر ثم بريء جرحه فقال الامام(عليه السلام): (الحمد لله الذي يغسل ذنوب شيعتنا ويطهرها بالحوادث المؤلمة). فقال عبد الله: يا امير المؤمنين لقد نبهتي، أخبرني أي ذنب ارتكبته حتى اصاب بهذا الحادث المؤلم كي لا عود الى ذنبي فان ذلك يسعدني. فقال(عليه السلام): عندما جلست على السرير لم تقل: (بسم الله الرحمن الرحيم) الم تعلم ان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال عن لسان ربِّه: (ان كل عمل ذي بالم لم يبدأ فيه بسم الله فهو ابتر ولا ثمرة فيه). فقال عبد الله: فديتك لا ادعها بعد هذا ابداً. فقال الامام(عليه السلام): اذا ستكون سعيداً(3). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - 2 ـ "تفسير البرهان" الجزء 1 الصفحة 41 الحديث 2 و 9. 3 - بحار الانوار الجزء 73 الصفحة 305 مع التلخيص. [34] ولكن مع الواضح ان الاسم الاعظم أو بسم الله الذي هو اقرب ما يكون إليه ليس المقصود منه جريان الفاظه على اللسان، فالتلفظ لوحده لا يحل العقد المستعصية ولا يفتح ابواب الخيرات والبركات ولا ينتظم به شتات الأمور، بل المراد هو التخلق به. يعني ان مفهوم بسم الله يجب ان يرتكز في روح الانسان وباطنه، وعندما يتلفظ بها بلسانه يشعر ان كامل دقائق وجوده قد دخل في الحِمى الإلهيّة وصار من اعماق وجوده يستمد من ذاته المقدسة. وينبغي الانتباه الى ان التأكيد على الابتداء بـ "بسم الله" ليس فقط في الكلام وانما في الكتابة أيضاً كما في كتاب سليمان (عليه السلام) الى بلقيس. في حديث الامام الصادق (عليه السلام) : (لا تدع البسملة ولو كتبت شعراً) ثم ذكر الامام (عليه السلام) انهم كانوا يبدأون رسائلهم قبل الاسلام بعبارة (بسمك اللهم). ولما نزلت الآية الكريمة (إنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وإنَّه بِسمِ اللهِ الرّحمنِ الرحيمِ). بدأوا رسائلهم بعبارة (بسم الله). وفي حديث آخر نقرأ ان الإمام الهادي (عليه السلام) وصى احد وكلائه وهو داود الصرّمي الذي قال: أمرني ((عليه السلام)) بحوائج كثيرة فقال لي: قل كيف تقول؟، فلم أحفظ مثل ما قالي لي، فمدّ الدواة وكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) اذكر انشاء الله والأمر بيد الله، فتبسمت، فقال: مالك قلت خير فقال: أخبرني، قلت: جعلت فداك ذكرت حديثاً حدثني به رجل من أصحابنا عن جدك الرضا((عليه السلام)) اذا مرّ بحاجة كتب: (بسم الله الرحمن الرحيم) اذكر انشاء الله فتبسمت، فقال لي: يا داود لو قلت ان تارك التسمية كتارك الصلاة لكنت صادقاً(1). إنَّ اهمية بسم الله تبدو بدرجه عظيمة بحيث نقرأ في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)انه قال: (اذا قال المعلّم للصبي بسم الله الرحمن الرحيم (ويكرر الطفل ذلك) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - سفينة البحار مادة (سما): ج1 ، ص 663. [35] كتب الله براءة للصبي وبراء لابوه وبراءة للمعلِّم)(1). ونختم هذا الكلام، بمقالة مشهورة بين جماعة من المفسرين وهي: إنَّ معاني كل الكتب الالهية مجموعة في القرآن. ومعاني كل القرآن مجموعة في سورة الحمد. ومعاني كل سورة الحمد في بسم الله. ومعاني بسم الله مجموعة في الباء(2). وتمركز جميع مفاهيم القرآن والكتب الالهية في باء بسم الله يمكن ان يكون من ناحية كون كل المخلوقات في عالم التكوين، وكل التعليمات في عالم التشريع تستمد وجودها من الذات المقدسة حيث أنّها علة العلل لجميع العوالم، ونعلم ان باء بسم الله للاستعانة وطلب النصرة من الله وهذه مسألة جديرة بالدقة والتأمل. * * * 2 ـ هل ان بسم الله جزء لكلِّ سورة؟ لم يعد المفسرون وعلماء العلوم القرآنية (بسم الله) من آيات السور عند حسابهم للآيات القرآنيه إلاّ في سورة الحمد، التي اجمع الفقهاء واتفقوا على انّ بسم الله جزء منها ولذلك فقد ذكروا انّ آياتها سبع ومنها بسم الله. وكذلك فإنَّ احد الاسماء المعروفة لهذه السورة فـ "السبع" لأنها سبع آيات و "مثاني" ، لانها نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مرتين نظراً لاهميتها. ولكن مع هذا فان كتابة بسم الله في جميع المصاحف القديمة والجديدة ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير البرهان الجزء 1 الصفحة 43 حديث 32. 2 - تفسير روح المعاني الجزء 1 الصفحة 37. [36] دليل قاطع على جزئيتها للسور. روى عن عبد الله بن عمر انه كان اذا بدأ الصلاة بعد التكبير قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وكان يقول اذا لم تقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فلماذا كتب في القرآن؟!(1). واورد السيوطي في المجلد الاول في تفسيره الدر المنثور وهو عالم معروف من أهل السنة روايات كثيرة حول جزئية بسم الله لسورة الحمد. وهناك روايات كثيرة من طرق ائمة الهدى واهل البيت (عليهم السلام) وردت في جزئية بسم الله لسورة الحمد ولبقية سور القرآن الكريم، لذلك فان علماء الشيعة متفقون ومجمعون على جزئيتها في جميع الموارد(2). ونذكر مثالا على الاحاديث الواردة من طرق أهل السنة ما ورد عن "جابر بن عبد الله" من ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له "اذا قمت للصلاة فكيف تقرأ؟" فقال جابر: أقول الحمد لله رب العالمين (أي بدون بسم الله) فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قل "بسم الله الرحمن الرحيم"(3). ومن اجل رفع سوء الفهم والتوهم أصرَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يجهر بـ (بسم الله) في كثير من الصلوات تقول عائشة : ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (4). وفي حديث آخر يقول أحد أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : كنت اصلّي خلف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وكان يجهر ببسم الله في صلوات المغرب والعشاء والصبح وصلوة ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - سنن البيهقي الجزء 2 الصفحة 43 ـ 47. 2 - راجع كتب الخلاف للشيخ الطوسي الجزء 1 الصفحة 102 مسألة 82 وسنن البيهقي الجزء 2 الصفحة 44 ـ 45 ـ 46 والدر المنثور الجزء 1 الصفحة 7 ـ 8 والبيان في تفسيران القرآن الصفحة 552. 3 - الدر المنثور: ج1 ص 8. 4 - الدر المنثور الجزء 1 الصفحة 8. [37] الجمعة خاصة(1). والملفت للنظر ما رواه البيهقي من ان معاوية صلى باهل المدنية فتلا بسم الله الرحمن الرحيم في اول سورة الحمد ، ولكن لم يقرأ بسم الله للسورة التي بعدها ولم يكبر حتى ذهب للركوع، فعندما سلّم للصلاة اعترض عليه جماعة من المهاجرين وقالوا: اسرقت من الصلاة أم نسيت ؟ فكان معاوية بعد ذلك يقرأ بسم الله للسورة بعد الحمد أيضاً(2). ولكن مع ذلك فان جماعة من علماء السنة لا زالوا يتركون بسم الله في الصلاة وحتى في سورة الحمد أو يقرأونها اخفاتاً! وهذا أمر عجيب، وينبغي ان نذكر ان الفخر الرازي ذكر في تفسير تسعة عشر دليلا على اثبات ان بسم الله الرحمن الرحيم جزء من سورة الحمد واكثرها روايات عن النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) . والآلوسي المفسر المعروف وان ناقش هذه الادلة في تفسيره ( روح البيان)، ولكنه يصرح ان بسم الله آية مستقلة في القرآن وان كانت ليست جزءً من سورة الحمد(3)! فهو يعترف بان بسم الله جزء من القرآن، لكن لا نعلم لماذا يصر على أنها آية مستقلة وليست جزءً من سورة الحمد؟ ومهما كان فلا يخفى ان بسم الله موجودة في جميع المصاحف طوال التاريخ الاسلامي في بداية جميع السور إلاّ سورة البراءة، ومن المسلم ان هذا بامر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يمكن ان نقبل ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر ان يكتب في القرآن شيء ليس منه، وعلى هذا فلا حجّة لنا اذا فصلنا "بسم الله" من السور لان هذا نوع من ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نفس المصدر. 2 - ذكر "الحاكم" هذه الرواية في "المستدرك" الجزء 1 ص 233 واعتدَّ بسندها، وورد نفس هذا المضمون بتفاوت ضئيل في "الدر المنثور" الجزء 1 الصفحة 8 وتفسير "روح المعاني" الجزء 1 الصفحة 39. 3 - روح المعاني الجزء 1 الصفحة 37. [38] انواع التحريف للقرآن الكريم. ولهذا يقول الامام الباقر (عليه السلام) في مثل هؤلاء: "سرقوا أكرم أية في كتاب الله : بسم الله الرحمن الرحيم"(1). ويضيف الامام الصادق (عليه السلام) : "مالهم قاتلهم الله عمدوا الى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنها بدعة اذا أظهروها وهي بسم الله الرحمن الرحيم"(2)! ولهذا فقد وردنا من الائمة (عليهم السلام) الاصرار على الجهر ببسم الله خاصة وفي جميع الصلوات الليلية والنهارية لاجل القضاء على هذه البدعة الموروثة. وخلاصة الكلام انّ أهمية بسم الله بين آيات القرآن أوضح من أن تحتاج الى البحث ولذلك يجب ان تعطي أهمية كبيرة، ومن المؤسف أن بعض الافراد الفاقدين للذوق السليم وخشية من أن تقع كتاباتهم بايدي الافراد غير متوضئين أو تدوسه عليها الاقدام أو تقع في الازقة والاسواق يمتنعون عن كتابة بسم الله في رسائلهم وكتاباتهم، ويضعون محلها عدداً من النقاط غافلين عن أنّ سيئة ترك بسم الله أشدّ بكثير من هذه المساويء. نحن مأمورون بأن نكتبها، وان نسعى من أجْلِ المحافظة عليها واحترامها، واذا لم يراع الآخرون الحرمة اللازمة فلسنا مسؤولين عن أعمالهم ، ولا ينبغي لنا ان نترك بسم الله لهذا العذر لان الضرر الذي يصيبنا سيكون أكبر. لذلك ينقل لنا التاريخ ان اول سكة ضربت في الاسلام كانت في زمان "عبد المك بن مروان " وبأمر من الامام الباقر عليه السلام وكتب على احد وجهيها " لا اله الا الله" وعلى الوجه الآخر " محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " ، ومن الواضح ان هذه السكة تقع في يد عامة الناس حتى غير المسلمين الذين كانوا يعيشون في محيط الاسلام، فلم تكن مراعاة هذا الأمر مانعة من ضرب السكة والشعارات الاسلامية ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير البرهان الجزء 1 الصفحة 42 حديث 15. 2 - نفس المصدر حديث 26. [39] الحية ولا ينبغي لها ان تكون(1). * * * لماذ لم تُذكر بسم الله في بداية سورة براءة؟ الجواب على هذا السؤال ورد صريحاً في حديث روي عن امير المؤمنين(عليه السلام): (لم تُنَزَل بسم الله الرحمن الرحيم على رأس "سورة براءة" لان بسم الله للأمان والرحمة ، ونزلت براءة لرفع الأمان وبالسيف")(2) يعني رفع الأمان عن الكفار الناكثين للعهود. ويعتقد جماعة بان هذه السورة تتمة لسورة الانفال لان سورة الانفال تتكلم عن العهود ولهذا لم يذكر بينهما "بسم الله". وهذا المعنى ذكر في رواية عن الامام الصادق (عليه السلام) : " الانفال والبرائة واحدة"(3). واحتُمل أيضاً ان الله سبحانه ومن أجل ان يبيّن حقيقة انّ بسم الله جزء في جميع سور القرآن لم يذكر بسم الله في بداية هذه السورة. والجمع بين هذه الاقوال الثلاثة ممكن. وهناك آيات متعدّدة حول بسم الله في القرآن وخصوصاً في مورد ذبح الحيوانات ، والكلام عنها ينبغي ان يكون في محل آخر. * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تاريخ التمدن الاسلامي ( جرجي زيدان ) الجزء 1 الصفحة143. 2 - مجمع البيان الجزء 5 الصفحة 2 وهذا الحديث ذكره الفخر الرازي عن ابن عباس عن علي(عليه السلام) مع اختلاف يسير وقال (عليه السلام) هناك : لان بسم الله الرحمن الرحيم أمان وهذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود وليس فيها أمان (الجزء 15 الصفحة 216). 3 - مجمع البيان الجزء 5 الصفحة 1. [40] 4 ـ لا تقرنوا اسم الله باسم غيره ؟ حيث ان القادر المطلق والرحيم الحقيقي هو الذات المقدسة لله سبحانه. وما عالم الوجود إلاّ مائدة من موائد احسانه ، وكل ما لدنيا منه فيجب طلب المدد والعون منه والابتداء باسمه ، والآيات المتعلقة " بسم الله " والروايات الواردة في هذا المجال كلها تؤكد على هذا المعنى. ولهذا فان الذين يقرنون مع اسم الله اسم غيره كالطواغيت الذين يضعون اسماء السلاطين المتجبرين والمتكبرين الى جنب اسمه سبحانه ويفتتحون بها ويشرعون بها . أو الاشخاص الذين يبدأون اعمالهم باسم ( الله ) و" الشعب " ، كل هؤلاء في الحقيقة مصابون بنوع من الشرك. وحتى اسم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينبغي أن يُقرن الى جنب اسم الله في هذا المجال فلا يقال بسم الله ونبيّه. ففي حديث عن تفسير الامام الحسن العسكري((عليه السلام)): ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كان جالساً يوماً مع امير المؤمنين على (عليه السلام) فسمعا شخصاً يقول " ماشاء الله وشاء محمد" وآخر يقول " ماشاء الله وشاء علي ". فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " لا تقرنوا محمداً ولا علياً بالله عز وجل ". ثم اضاف : " ولكن اذا اردتم فقولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ، ما شاء الله ثم شاء علي " ، يعني اعلموا ان مشيئة الله قاهرة وغالبة على كل شيء فليس لها في الوجود من مساو أو نظير أو قرين . وما محمد في دين الله وامام قدرة الله إلاّ كطير يحلِّق في فضاء هذا الكون الواسع وكذلك علي (1). * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - اثبات الهداة الجزء 7 الصفحة 482 حديث 79 ( مع قليل من التلخيص ) . [41] نظرية المعرفة [42] [43] تمهيد: إنَّ اول مسألة يواجهها الانسان في بحوثه العلمية هي مسألة المعرفة. واول اسئلة تنقدح في ذهن الانسان هي: 1 ـ هل هناك عالَم موجود خارج وجودنا أم أن ما نراه ليس إلاّ كالرؤى والاحلام التي نراها في منامنا وان العالم الخارجي ما هو إلاّ وهم وخيال؟ 2 ـ اذا كان هناك عالم في الخارج فهل لنا طريق الى ادراكه ومعرفته ؟ 3 ـ اذا وجد عالم في الخارج وامكننا معرفته، فما هي الطرق التي يجب ان نسلكها للوصول الى معرفته وما هي مصادر معرفته ؟ أمن طريق الاستدلالات العقلية؟ أم من طريق التجربة والعلوم التجريبية الطبيعية ؟ أم عن طريق الوحى أم من طرق اُخرى؟ وأيّ هذه الطرق أكثر اعتماداً؟ 4 ـ اضف الى ذلك ما هي الوسائل التي نستطيع بها معرفة العالم ؟ 5 ـ وبعد قبول المسائل المذكورة يطرح هذا السؤال وهو: ما هي الأمور التي تؤدي الى تقوية وتوسيع مجالات وآفاق المعرفة عند الانسان، وتجعل [44] روحه وقلبه أكثر استعداداً لتلقي المعارف ؟ وما هي الموانع والعقبات التى تقف حائلا بين الانسان والمعارف الحقيقية لعالم الوجود، وتجره الى الحيرة والضلال ؟ * * * * هل هناك عالم خارج اذهاننا؟ حول هذه المسألة الأُولى انقسم الفلاسفة الى قسمين: 1 ـ " الواقعيون" ( رئاليسم ). 2 ـ " المشككون أو المثاليون أو التصوريون" ( ايدياليسم ). والقسم الثاني في الواقع هم فرع من السوفسطائيين المنكرين للحقائق بل ان البعض يعتقد ان السوفسطائيين هم نفسهم المثاليون الذين يعترفون بوجود انفسهم واذهانهم ويعتبرون ما سواه وهماً وخيالا، وإلاّ فكيف يمكن لعاقل ان ينكر كل شيء حتى وجود نفسه إلاّ ان يكون مصاباً بمرض نفسي. وعلى أي حال فان أفضل الطرق لادراك الوجود الخارجي هو ايكال الأمر الى الوجدان، الوجدان العام لكل الناس ولجميع العقلاء، بل حتى وجدان المثاليين أنفسهم شاهد على هذا المدّعى. لان كل الناس عندما يشعرون بالعطش يذهبون نحو الماء، فالعطش والماء وتأثير الماء في رفع العطش اُمور يدرك وجودها حتى الاطفال والحيوانات، والسوفسطائيون أيضاً لا يختلفون في عملهم مع الآخرين. أو عندما يريد الانسان ان يعبر شارعاً مزدحماً يقف الى جانب الشارع قبل كل شيء وينظر يميناً وشمالا، وينتظر حتى يخلو الشارع من السيّارات فيعبر الشارع مع الاحتياط، خشية ان تدهسه سيارة فيصاب بأذىً او جراح. هذا العمل يتساوى فيه الواقعيون والمثاليون فالكل يعترف بوجود الشارع [45] والسيارات وخطر الدهس والاصطدام والأمور الاخرى، وكلهم يعبرون الشارع مع الحيطةِ والتحفظ. وهكذا عندما يمرض الانسان ويرى الآثار المختلفة للمرض في نفسه، فيراجع الطبيب فيأمره الطبيب بان يجري له التحليل وبعد ذلك يكتب له الطبيب وصفة الدواء، ويحدد له الغذاء المناسب واوقات تناول الدواء والغذاء ومقاديره، فيرى المريض نفسه مكلفاً بان يمتثل هذه الأوامر كي يستعيد سلامتهُ . وفي كل ذلك لا فرق بين الواقعيين والمثاليين، فالكل يستجيبُون للمرض بواسطة ادراكهم الوجداني ويعترفون بالعشرات من الحقائق العينية، من آثار المرض الى وجود الطب والطبيب والمختبرات والدواء والغذاء. وبهذا الدليل نقول "ان المثاليين في العمل واقعيون" ! وان المشككين عندما يردونَ ميدان الحياة يتناسون كلامهم ويرون أنفسهم امام الواقع العيني فيتعاملون معه وفق ما يقتضيه. وقد أيّد القرآن الكريم في آياته الكريمة صحة هذا المعنى فكلّ آيات القرآن تخبر عن الحقائق والواقع العيني الخارجي، من سماوات وأرض والملائكة والناس وعالم الطبيعة وما وراءه والدنيا والاخرة. وان هذا الأمر في القرآن بدرجة من الوضوح والجلاء بحيث لا يحتاج الى بحث أكثر، لذلك ننهي هذه المسألة وننتقل الى مسألة امكان المعرفة (1). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نؤكد هنا مرة اُخرى بان هدفنا في جميع مباحث هذا الكتاب ليس متابعة الاراء الفلسفية أو التاريخية أو... بل هدفنا في الاصل التفسير الموضوعي يعني متابعة البحث من نظر القرآن ومدى انعكاس الموضوع في الآيات المختلفة ... واذا وجدت ضرورة للبحوث الفلسفية وغيرها فسنفرد لها بحوثاً منفصلة بعنوان توضيحات في الخاتمة. [46] القرآن ووجوب المعرفة 40 ملاحظة قرآنية حول أهمية العلم والمعرفة [47] [48] القرآن ووجوب المعرفة تمهيد: لم يعتبر القرآن الكريم مسألة معرفة الانسان أمراً ممكناً فحسب بل اعتبرها من أهم الواجبات. فالقرآن يدعو الى معرفة اسرار عالم الوجود وحل رموز الكون والمخلوقات، ويستخدم القرآن في دعوته لأتباعه ـ للتزود بالعلم ـ الاساليب الصريحة والظاهرة والكنائية . والبحث في التعابير القرآنية في هذا المجال يفتح امام اعيننا افقاً جديداً، ويرينا ان أمر المعرفة من الواجبات المؤكدة وبمستوى عال جداً. والطريف: أنَّ هذه الدعوة قد تمت في زمان ومكان كانت قد غطت الافق فيه سحب الجهل الظلماء، حقّاً إن عمق وسعة هذه التعابير يدل قبل كل شيء على عظمة القرآن وصدق المبعوث به. ومن أجل هذا الأمر نذهب الى آيات القران ونبحث عن التعابير المختلفة في هذا المجال. [49] هذه الدعوة لها وجوه متنوعة بشكل كامل، ونحن جمعنا ( اربعين أنموذجاً) من الآيات المختلفة وكل واحد منها ينظر الى هذه المسألة المصيرية من زاوية خاصة. وفي الضمن ذكرنا في الحواشي الروايات المعتبرة المتناسبة مع الآيات، ليتضح التنسيق والانطباق الكامل بين الكتاب والسنة . * * * 1 ـ وجوب تحصيل العلم: وردت في ( 27) آية من القرآن المجيد دعوة صريحة للتزود بالعلم، وبالاستفادة من جملة " اعلموا" وكما في الامثلة التالية: 1 ـ (فَاعْلَمُوا اَنَّ اللهَ عَزيزٌ حَكيمٌ) (البقره / 209) 2 ـ (وَاعْلَمُوا اَنَّ اللهَ بِكُلِ شَيء عَليمٌ) (البقرة / 231) 3 ـ (وَاعْلَمُوا اَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ) (البقره / 233) 4 ـ (اِعْلَمُوا اَنَّ اللهَ يُحْيي الاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) (الحديد / 17) 5 ـ (وَاعْلَمُوا اَنَكُمْ اِلَيْهِ تُحْشَرونَ) (البقرة / 203) 6 ـ (فَاعْلَمُوا اَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبين) (المائده / 92) [50] 7 ـ (وَاعْلَمُوا اَنَّما غَنِمتُم مِنْ شَيء فَاَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) (الانفال / 41) 8 ـ (اِعْلَمُوا اَنَّما الْحَياةُ الدُّنيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ) (الحديد / 20) * * * الآيات الاولى والثانية والثالثة تنظر الى الذات الالهية المقدسة والى صفاته الاعم من "صفات الذات" و"صفات الفعل". الآية الرابعة تتكلم عن خلق الحياة. الآية الخامسة تتحدث عن القيامة والبعث. الآية السادسه تتكلم عن النبوة وسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . الآية السابعة تبحث عن الاحكام العملية الاسلامية. والآية الثامنة ترينا الوجه الحقيقي للدنيا وتظهر لنا تفاهتها كاسلوب للدعوة الى الزهد والتقوى والنجاة من حُبّ الدنيا وما يترب عليه من ذنوب. وبهذا نعلم ان كل ما يرتبط بالعقائد والاعمال ومنهج الحياة قد ورد مشفوعاً بكلمة ( اعلموا) وهي تتضمن دعوة للتسلّح بالوعي والمعرفة في كلّ هذه المجالات(1). * * * 2 ـ تكرار اللوم والتوبيخ على ترك التفكر: تارة يقول سبحانه: (اَفَلا تَتَفَكَّرُونَ) (الانعام / 50). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - ورد أيضاً التأكيد الكثير في الروايات الاسلامية على طلب العلم، والحديث المعروف (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ) المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شاهد واضح على هذا المعنى (1) بحار الانوار الجزء 6 الصفحة 117، والامام الصادق (عليه السلام): (طلب العلم فريضة على كل حال) 40 الجزء 2 الصفحة 172. [51] وتارة يقول بعد بيان الآيات الالهية المختلفة الاعم من التكوينية والتشريعية: (لَعَلَهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(لَعَلَهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (البقره / 219) و( الاعراف / 176). واحياناً يقول: ( اَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا) (الروم / 8). كل هذه الآيات تدل على وجوب التفكر، ووجوب التفكر بدل على امكان المعرفة(1). * * * 3 ـ التأكيد على لزوم التعليم والتعلم : جاء في سورة التوبة: ( فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيتَفَقَّهُوا فِيْ الدِّيْنِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) هذه الآية الكريمة لا توجب تعلّم الدين الالهي فحسب بل توجب تعليمه ونشره بعد تعلمه أيضاً. والتعبير بـ (نفر) التي تطلق على الخروج الى الجهاد في الآيات القرآنية الاُخرى يدل على ان افراد الأُمة الاسلامية في غير الحالات الضرورية لا يجوز لهم الخروج بأجمعهم الى ساحة القتال، بل ينبغي على مجموعة منهم أنْ تبقى في المدينة لتتعلم الاحكام الالهية وتعلّمها للآخرين بعد رجوعهم. والتفسير الآخر للآية هو: ان المسلمين يجب ان ينقسموا قسمين: قسم يبقى في المدينة ليحافظ عليها ، وقسم يذهب الى ميدان الجهاد ليُشاهدَ آثار العظمة ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - جاء في حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (اغدُ عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محبّاً ولا تكن الخامس) المحجة الجزء 1 الصفحة 22 . [52] الالهية والمعجزات والامداد الغيبي والنصر الالهي، ثم وبعد رجوعهم يُخبروا وسائر الناس بذلك. وهناك احتمال ثالث في تفسير الآية وهو ضرورة نفير بعض سكان ضواحي المدينة إليها ليتفقهوا في أحكام الدين وتبليغها للآخرين عند الرجوع، ومكث البعض الآخر في تلك المناطق لحفظ نظام الحياة هناك(1). ولكلِّ تفسير ميزة لا توجد في التفسير الآخر(2). ولكنْ بغضّ النظر عن الإختلاف في التفاسير، فان ما نسعى لاثباته ـ وهو وجوب التعلم والتعليم ـ ثابت بلا منازع، وتأكيد القرآنِ على هذين الواجبين دليل واضح على امكان وضرورة المعرفة(3). * * * 4 ـ العلمُ والمعرفة هما الهدف من خلق العالم: (اَللهُ الَّذي خَلَقَ سَبْعَ سَموات وَمِنَ الاَْرْضِ مِثْلَهُنّ يَتَنَزَّلُ الاَْمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا اَنَ الله عَلى كُلِّ شَىْء قَديرٌ وَاَنَّ الله قَدْ اَحاطَ بِكُلِ شيء عِلْماً) ( الطلاق / 12) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الفخر الرازي الجزء 16 الصفحة 225 ، والميزان الجزء 9 الصفحة 427 ، ومجمع البيان الجزء 5 الصفحة 83. 2 - في التفسير الأول مرجع الضمير في جملة (ليتفقهوا) و(لينذروا) اسم محذوف والتقدير هو "وتبقى طائفة"، وهذا فيه حذف ، والحذف يعتبر خلاف الظاهر . بينما (نفر) جاء بمعنى الجهاد هنا ، هذه نقطة قوة التفسير الاول . في التفسير الثاني مرجع الضمير مذكور وهو (طائفة)، لكنّ الثاني ضعيف في لأنّ ميدان الجهاد ليس محلا للتعلم إلاّ بالتوجبه الذي ذكر. وفي التفسير الثالث يقدر المحذوف. لكنه يتفق مع الروايات التي تفسر النفير (بالهجرة للتفقه في الدين). "ذكر في تفسير الثقلين (9) روايات في هذا المجال ". 3 - يقول الامام الصادق (عليه السلام): "لوددتُ أن اصحابي ضربتُ رؤوسهم باسياط حتى يتفقهوا" (الكافي الجزء 1 الصفحة 8). [53] لقد شرحنا المراد من السماوات السبع والارضين ما فيه الكفاية في التفسير "الامثل" (1). وكيفما كان فان الآية تبين بوضوح حقيقة أن احد اهداف الخلق هو العلم والمعرفة، وتعريف الانسان بعلم الله وقدرته وصفاته وذاته. وهذه الآية صريحة في بيان أكانِ المعرفة الى حد بعيد(2). * * * 5 ـ الهدف من بعثة الانبياء هو التعليم والتربية: إن القران الكريم ذكر هذه المسألة بشأنِ الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) عدة مرات، من جملتها ما جاء في سورة البقرة: (كَما اَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا ويُزِكيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقره / 151) وقد جاء هذا المعنى في كلّ من الآيات (129) من سورة البقرة و(164) من سورة آل عمران و(2) من سورة الجمعة. فاذا كانت المعرفة غير ممكنة،: فكيف امكن ان تشكل المعرفة أحد الأهداف المهمة لبعثة الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)(3). * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - بالنسبة للسموات السبع يرجع الى الجزء الاول ذيل الآية (29) من سورة البقرة وبالنسبة للارضين السبع الى الجزء (24) ذيل الآية (12) من سورة الطلاق. 2 - جاء في حديث أن الامام الحسين بن علي (عليه السلام) خاطب أصحابه قائلا: "ايّها الناس ان الله جل ذكره ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه، فاذا عرفوه عبدوه، فاذا عبدوه إستغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه" (بحار الانوار الجزء 50 الصفحة 312). 3 - يقول امير المؤمنين (عليه السلام): "كفى بالعلم شرفاً ان يدَّعيه من لا يحسنه ويفرح اذا نسب إليه وكفى بالجهل ذمّاً أنْ يبرأ منه مَن هو فيه" (بحار الانوار الجزء 1 الصفحة 185). [54] 6 ـ التفكّر والتدبّر هو الهدف من نزول القرآن: (كِتابٌ اَنْزَلْناهُ اِلَيْكَ مُبارَكٌ * لِيدَبّروُا آياتِهِ وَلِيَتَذَكرَ اوُلُوا الاَْلْباب) (ص / 29). (اَفَلا يَتَدَبَّروُنَ الْقُرآنَ اَمْ عَلى قُلوب اَقْفالُها)(1) مادتها (دُبُر) وتعني ظهر الشيء، ومن ثم استعملت بمعنى التفكّر والتفكير بعواقب الامور، وذلك لان عواقب الامور ونتائجها تتضح بالتكفير. إن الآية الاولى اوضحت ان التدبر هو هدف نزول القرآن كي لا يقتنع الناس بقراءة الآيات ككلمات مقدسة فحسب وينسوا الهدف الاخير منها. والآية الثانية اعتبرت ترك التدبر دليلا على انقفال القلوب وتعطيل الحس. وعلى أيٍّ فان هاتين الآيتين دعوة عامة للتدبر، دعوة تثبت بوضوح امكانية المعرفة(2). * * * 7 المعرفة هي الهدف من المعراج: (سُبْحانَ الَّذِي اَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اِلى الْمَسْجِدِ الاَْقْصى الَّذِي بَارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا اِنَّهُ هُوَ السَّميعُ الْبَصير) (الاسراء / 1) ونفس معنى الآية هذه ورد في سورة النجم، حيث تحدثت عن المعراج بأسلوب آخر، والآية هي: (لَقَدْ رَآى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - سورة محمد: الآية 24. 2 - يقول الامام الكاظم (عليه السلام) لهشام بن الحكم: "ما بعث الله أنبياءه الى عباده إلاّ ليعقلوا عن الله فأحسنهم إستجابة أحسنهم معرفة". (أصول الكافي الجزء 1 الصفحة 16). [55] تبين هاتانِ الايتان ـ على الاقل ـ أحد الأهداف المهمة لمعراج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهي قضية رؤية آيات الحق الكبرى، الرؤية التي تعتبر أهم مصادر المعرفة(1). 8 ـ الدعوةُ للإسلام بدأت بالدعوة للعلم: (اِقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذي خَلَقَ * خَلَقَ الاِْنْسانَ مِنْ عَلَق * اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَْكْرَمْ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الاِْنْسانَ ما لَمْ يَعْلَم) (العلق / 1 ـ 5) إنّ هذه الآيات التي تعتبر اولى أنوار الوحي التي شعّت في قلب الرسول الطاهر (صلى الله عليه وآله وسلم) في جبل الثور في جنب غار "حراء"، بدأت بقضية المعرفة وختمت بها. إستهلّت الايات بتحبيذ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على القراءة التي هي احدى وسائل المعرفة، وختمت بالبحث عن المعلِّم الاعظم للكون اي الله الذي يُعتبر الانسان تلميذه المُبْتَدِىء. أليست هذه كلها دلائل واضحة على امكانية المعرفة؟! * * * 9 ـ العلم نور وضياء: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الاَْعْمى وَالْبَصير اَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُلُماتِ وَالنُّورِ) (الرعد / 16) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - للتفصيل راجع التفسير الامثل الجزء 12 الصفحة 16. [56] (وَما يَسْتَوِي الاَْعْمى وَالْبَصِيرُ * وَلاَ الظُلُماتُ وَلاَ النُورُ * وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ) (فاطر / 19 ـ 20) انّ هذه الآيات جعلت الظلمات في عداد العمى، والنور في عداد البصر، وهي اشارة الى أن العلم نور وضياء، والجهل يساوي العمى وهي من أجمل التعابير للتشجيع على المعرفة(1). * * * 10 ـ إدراك أسرار الوجود خاصّ بالعلماء: (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّمواتِ وَالاَْرْضِ وَاخْتِلافِ اَلْسِنَتِكُمْ وَاَلْوانِكُمْ اِنَّ فِي ذلِكَ لآيات لِلْعالمِينَ) (الروم ـ 22) (وَتِلْكَ الاَْمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها اِلاَّ الْعالِمُونَ) (العكبوت / 43) في الآية الأولى عُدَّ ادراك اسرار كتاب التكوين خاصاً بالعلماء وفي الثانية عُدَّ فهم كتاب التدوين خاصاً بهم كذلك. وهذا تشجيع لطلب العلم والمعرفة من جهة، ودليل على مسألة المعرفة من جهة أخرى. * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "العلم نور يقذفه الله في قلب من يريد أن يهديه". (الوافي الجزء 1 الصفحة 7). [57] 11 ـ الله أول معلّم: (وَعَلَّمَ آدَمَ الاَْسْماءَ كُلَّها) (البقره / 31) (اَلْرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرآنَ خَلَقَ الاِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ) الرحمن / 1 ـ 4) (اَلَّذِي عَلَّمَ بالْقَلَمِ) (العلق / 4) (عَلَّمَ الانسانَ مالَم يَعْلم) (العلق / 5) إن معلم الكون العظيم تارة يعلم آدم الأسماء، وتارة اخرى يعلم نوع البشر ما يحتاجه ومالم يعلمهُ (بواسطة التكوين والتشريع). وتارة يوعز للانسان بتناول القلم لِتَعلّمِ الكتابة، وتارةً اخرى يجري على لسانه حرفاً أو حرفين ويعلمه الكلام. وهذا يكشف عن احدى صفاته عزوجل هي تعليم العباد، التعليم الذي هو وسيلة للمعرفة. * * * 12 ـ بالعلم يتميَّز الإنسان عن الموجودات الأُخرى: (قالَ يا آدَمُ اَنْبِئهمْ باَسْمائِهِمْ فَلَمّا اَنْبَأَهُمْ بِاَسْمائِهِمْ قالَ اَلَمْ اَقُلْ لَكُمْ اِنّي اَعْلَمُ غَيْبَ السَّمواتِ وَالاَْرْضِ وَاَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (البقرة / 33) إن هذا الخطاب الذي ورد في الآية وجّه للملائكة بعد أن امرهم بأن يسجدوا ويخضعوا لخليفة الله (آدم) عندما خلقه، لكي يوقروه بعد علمهم بمكانته وتفوقه عليهم. وقد فهم الملائكة أهلية آدم (عليه السلام) لخلافة الله سبحانه وتعالى في الارض بعد أن وجدوا فيه القابلية والاستعداد لتقبل العلم والمعرفة بأقصى [58] درجاتهما، كما أعربوا عن شديد أسفهم وندمهم حيال ما ساورهم من تردد أو استفسار عن أهليته للخلافة الالهية في بادىء الأمر(1). * * * 13 ـ درجاتُ القرب من الله تتناسبُ مع درجات المعرفة: (يَرْفَعِ اللهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذينَ اُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجات) (المجادلة / 11) بدأت الآية بالحديث عن الاصول الاخلاقية في اداب المجلس، ثم عن درجات العلماء والمؤمنين بعنوان النتيجة والجزاء لعملهم بهذه الاصول الاخلاقية. "الدرجات" جمع "درجة" وهي تستعمل للسلم عند لحاظه متصاعداً الى الاعلى. في قبال "الدركات" جمع "دركة" التي تستعمل لنفس السلم عند لحاظة متنازلا الى الاسفل كسلم السرداب (الطابق الأسفل). إن استعمال "درجات" نكرةً ايحاءٌ الى عظمة تلك الدرجات، واستعمالها جمعاً لا مفرداً يمكنه ان يكون اشارةً الى اختلاف درجات العلماء. بالطبع ان الرفع هنا لم يقصد به الرفع المكاني، بل الرفع من جهة القرب الى الساحة الربانية. استنتج العلامة الطباطبائي في تفسير (الميزان) ان المؤمنين قسمان: قسم (المؤمنون العالمون) وقسم "المؤمنون غير العالمين)، والمؤمنون العالمون افضل درجة من المؤمنين غير العالمين ثم استدل بالآية (هَلْ يَسْتَوِي الَّذينَ يَعْلَمُونَ والَّذينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر / 9). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "اكثر الناس قيمة اكثرهم علماً وأقل الناس قيمة أقلهم علماً". [59] ويحتمل ان الآية تشير الى علاقة الايمان بالعلم(1). وسنشير الى هذه الآية تفصيلا انشاء الله(2). * * * 14 ـ الأنبياء(عليهم السلام) يُطالبون بعلم أكثر: (وَقُلْ رَبِّ زِدْني عِلْماً) (طه / 144) إن الآية هذه التي تجعل الرسول مخاطباً بها، تقول: إن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) رغم مقامه العلمي العظيم كان مأموراً بطلب العلم اكثر، وهذا يكشف عن ان الانسان لا تتحدد دراسته بمرحلة من المراحل، بل إن طريق العلم مستمر وليس له نقطة انتهاء. (قالَ لَهُ مُوسى هَلْ اَتَّبِعُكَ عَلى اَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً) (الكهف / 66) فموسى (عليه السلام) بالرغم من أنه اولي العزم وبالرغم من انشراح صدره بمقتضى الآية: (رَبِّ اشْرَحْ لي صَدْرِي) (طه / 25) وبمقتضى الآية (ولَمّا بَلَغَ اَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً) (القصص / 14)، وبالرغم من هذا المقام العلمي الرفيع، كان مطالباً بأن يخضع أمام "الخضر" ويتعلم منه كالتلميذ. وعلى أي حال، فان هذه الآيات أدلة واضحة على امكانية وضرورة المعرفة، والسعي المستمر في طريق التعلم والمعرفة(3). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الميزان الجزء 19 الصفحة 216. 2 - جاء في حديث الامام الصادق (عليه السلام): "إن الثواب بقدر العقل". (بحار الانوار الجزء 1 الصفحة 84). 3 - يقول امير المؤمنين (عليه السلام): "العلم ميراث الانبياء والمال ميراث الفراعنة". (بحار الانوار الجزء 1 الصفحة 185). [60] * * * 15 ـ المعرفة مفتاح نجاة الإنسان: (قُلْ اِنَّما أعِظُكُمْ بِواحِدَة اَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) (سبأ / 46) إن خطاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الآية موجه لأعدائه المنغمسين في الكفر والشرك، ومختلف انواع الفساد الاخلاقي. وقد بيّن لهم ان مفتاح نجاتهم من هذا المستنقع الخطر هو التفكّر والتفكير الذي هو طريق وسبيل للمعرفة. ولهذا السبب بالضبط ينبغي البحث عن جذور أي ثورة وأي تحول أساسي في المجتمعات البشرية في ثوراتهم الفكرية والثقافية. فلو كانت المعرفة غير ممكنة فلماذا التفكر؟ الخصوص بعد حصر الموعظة بالتكفر وذلك باستعمال "إنما"، وهنا يثبت أن مفتاح النجاة هو المعرفة فقط! لكن هذا التفكر ـ جماعياً كان أو فردياً ـ ينبغي أن يكون متزامناً مع القيام لله وفي سبيله، ولهذا يقول (اَنْ تَقومُوا لله) اي بعيداً عن التعصب والعناد، والهوى النفساني الذي سيأتي شرحه في موانع المعرفة انشاء الله. وقد أكد النبي يوسف (عليه السلام) على هذا الموضوع، وقال عند جلوسه على عرش السلطة في مصر: (رَبِّ قَدْ اَتَيْتَني مِنَ الْمُلْكِ وَعَلّمْتَني مِنْ تأويلِ الاَحادِيثِ فاطِرَ السّمواتِ وَالاَْرْضِ اَنْتَ وَليّي فِي الدُنْيا وَالآخِرَةِ تَوَفَّني مُسْلِماً وَاَلْحِقْني بِالصالِحينَ) (يوسف / 101) [61] اللطيف هنا هو أن علم تعبير المنام من العلوم قليلة الأهمية، وبالرغم من ذلك فان قصة يوسف (عليه السلام) في القرآن تكشف بوضوح عن أن علمه أدّى إلى إنقاذه من سجن عزيز مصر، كما أدى الى إنقاذ مصر من القحط الخطر، لأن العزير رأى مناماً عجيباً عجز المفسرون عن تاويله، إلاّ أن أحد السجناء الذين قد أُطلق سراحهم وسبق ليوسف انْ فَسَّرَ رؤياه في السجن كان حاضراً في البلاط آنذاك فقال: إني أعرف من يفسّر الرؤيا جيداً، وعندما فسّر يوسف (عليه السلام) له ما رآهُ في منامه الذي يتعلق بالامور الاقتصادية لسبع سنوات مقبلة، أطلق سراحه وتهيَّأت مقدمات حكومته من جهة، ومن جهة اخرى استطاع أن يضع برنامجاً دقيقاً بدقة لانقاذ اهل مصر من القحط خلال سنوات القحط المقبلة. إن الآية السابقة التي تحدثت عن علم تأويل الاحاديث (في المنام) بعد حديثها عن ملك يوسف (حكومته)، يمكن انها تشير الى العلاقة بين هذين الاثنين. وكيفما كان فان هذه الآية توحي بان مفتاح النجاة هو العلم والمعرفة. وحتى ابسط العلوم يمكن ان يكون سبباً لانقاذ دولة(1). * * * 16 ـ العلم فخر بجميع أشكاله: (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمـانَ عِلْماً وَقالاَ اَلْحَمْدُ لله الَّذي فَضَّلَنا عَلى كَثِير مِنْ عِبادِهِ الْمُؤمِنين * وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا اَيُّها النّاسُ عُلِمْنا مَنْطِقَ الطّيْرِ وَاُوتينا مِنْ كُلِ شيء اِنَّ هَذا لَهُو الْفَضْلُ الْمُبينُ) (النمل / 15 و 16) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول الامام علي (عليه السلام) مخاطِباً كميل: "يا كميل ما من حركة إلاّ وأنت محتاج فيها الى معرفة" (تحف العقول، الصفحة 19). [62] بالرغم من ملك وعظمة "سليمان" و"داود" اللذين لم يكن لهما مثيل بل ويحتمل عدم قيام حكومة كحكومتهما على مرّ التاريخ كما في الآية (35) من سورة (ص) (وَهَبْ لي مُلْكاً لا يَنْبَغي لاَِحَد مِنْ بَعْدي) خصوصاً وأن حكومتهما لم تخص الانس، بل شملت الجنّ والحيوانات وحتى القوى الطبيعية كالريح وغيره، مع هذا كله فالله عندما يَهَبُ نعمه الى الوالد وولده يبدأ بنعمة العلم والمعرفة، لذا كانا يشكرانه لما فضّلها على كثير من عباده (يحتمل ان يكون الشكر بهذا الاسلوب "على كثير من عباده" لا غير لانه كان هناك من أُتُوا علماً أوفر مما أوتيَ سليمان وداود)، والجدير بالذكر هو أنّ (سليمان) بالرغم من ملكه العظيم "وكل من شك في ذلك ضحكت على عقله الطيور والاسماك"، رغم هذا، فانه كان يفتخر بعلوم قليلة الاهمية مثل معرفته بلغة الطيور قبل افتخاره بملكه وحكومته ومواهبه الإلهية الاخرى. إنّ هذه التعابير الجميلة تُبيّنُ عظمة مقام العلم بجميع أبعاده، وهو بنفسه دليل واضح على امكانية وضرورة المعرفة.(1) 17 ـ المعرفة شرط أساسي للادارة والقيادة. عندما اقترح على يوسف التصدي لمقام مهمٍّ في حكومة مصر، قال: (اِجْعَلْنى عَلى خزائِنِ الاَْرْضِ اِنّي حَفيظٌ عَليمٌ) (يوسف / 55) عندم اعلن بنو اسرائيل عن استعدادهم لمقارعة الملك الظالم آنذاك "جالوت" الذي شردهم، طالبوا نبيّهم بأن يعين قائداً لهم كي يجاهدوا "جالوت" الظالم، تحت رايته قال لهم النبي: (اِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا اَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - جاء في حديث للامام الصادق (عليه السلام): "العلم أصل كل حال سني ومنتهى كل منزلة رفيعة" المحجة (البيضاء الجزء 1 الصفحة 68). [63] اَحَقُّ بِالْمُلكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ اِنَّ الله اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادهُ بَسطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَالله يؤتي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَالله واسِعٌ عَليمٌ) (البقرة / 247) والجدير بالذكر إن "طالوت" الذي نصب للنهوض بمهمة قيادة بني اسرائيل لمقارعة الملك المقتدر والظالم، كان قروياً مجهولا يعيش في احدى القرى الساحلية وكان يرعى مواشي أبيه ويزرع! لكنّه كان ذا قلب واع، وجسم مقتدر، ومعرفة دقيقة بالاُمور وعميقة جداً، ولهذا عندما رآه النبي "اشموئيل" عينّه قائداً على بني اسرائيل ولم يعبأْ باعتراضاتهم على تعينِه، تلك الاعتراضات الناشئة عن معايير وهمية في انتخاب القائد كامتلاك الثروة والاموال الطائلة والسمعة والتقاليد الموروثة من الآباء، حيث كانوا يعترضون بأنه مع ما عندنا من اشخاص ذوي سمعة وثروة، لم يكن طالوت بأجدر منهم لهذا المقام، فكان يجيبهم النبي: إن هذا انتخاب الهيّ، والكل يجب أن يسلّم إليه. انَّ هاتين الآيتين تدلان بوضوح على أن المعرفة هي من عناصر القيادة والادارة، وتؤكدان ما قلناه عن المعرفة حتى الآن(1). * * * 18 ـ العلم منبع الايمان: (وَيَرَى الَّذينَ اُوتُوا الْعِلْمَ اَلذي اُنْزِلَ اِلَيْكَ مِنْ رَبِكَ هُوَ الْحَقُّ وَيَهْدي اِلى صِراطِ الْعِزيزِ الْحَميد) (سبأ / 6) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول الامام الصادق (عليه السلام): "الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك". [64] (اِنَّ الذين اُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ اِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخرُّونَ للاَذْقانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا اِنْ كانَ وَعْدُ رَبِنا لَمَفعولا) (الاسراء / 107 ـ 108) (فَاُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى) (طه / 70) (وَلَيَعْلَمَ الَّذينَ اُوتُوا الْعِلْمَ اَنهُ الْحَقُ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤمِنوا بِهِ فَتُخْبتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) (الحج / 54) (والراسَخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِنا وَما يَذّكّرُ اِلاّ اُولُوا الاَلْباب) (آل عمران / 7) إَّ الآية الاخيرة تلقي الأضواء على العلاقة الوثيقة بين العلم والايمان، وتصرّح بأن الأوعى والأعلم هو الأرسخ في الايمان والتسليم(1). إنَّ هذه الآيات تشهد بوضوح أن المعرفة هي إحدى السّبل المؤدية الى الايمان، والايمان الذي ينبع منها سيكون راسخاً جداً ومتجذراً الى مستوىً بحيث نقرأ في قصة السحرة في عصر فرعون، أن ايمانهم بموسى (عليه السلام) كان بسبب معرفتهم بأنّ ما جاء به موسى (عليه السلام) لم يكن سحراً، فما كان من فرعون إلاّ أنْ هدّدهم بشدّة قائلا لهم: أتؤمنون به قبل أن آذن لكم؟! (الطغاة يريدون التحكم حتى بعقول الناس وايمانهم القلبي وفهمهم ولا يتصرف أحدٌ بأي شيء إلا باذن منهم، ومن ضمن ما جاء من تهديد فرعون لهم أنهُ قال: سأقطع ايديكم وارجلكم من خلاف ولأُصْلبنكم في جذوع النخل. لكنهم كانوا بدرجة من الصمود بحيث كانوا يقولون له: ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - ما ذكرناه حقيقة لا تنكر سواء قلنا بأن كلمة "الراسخون" معطوفة على "الله"، أو قلنا بأنها مبتدأ وخبرها الجملة اللاحقة، لأنه على كلا الفرضين، الضمير في "يقولون" يرجع الى "الراسخون في العلم" وبه تتّضح العلاقة بين الايمان والعلم في الآية. [65] (لَنْ نُؤثِرَكَ عَلى ما جاءنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذينَ فَطَرْنا فأقْضِ ما أنْتَ قاض) (طه / 72) وفعلاً فقد نفّذ فرعون وعيده الذي قطعهُ على نفسه بالإنتقام من السحرة المؤمنين، واستشهدوا من أجل المعتقد الذي ذابوا فيهِ عشقاً ونالوا مبتغاهم الاسمى وهو الشهادة. يقول المفسر الكبير المرحوم الطبرسي إنهم: "كانوا في أول النهار كفاراً سحرة وفي آخر النهار شُهَداء بَرَزَةٌ". إنَّ ثمرات العلم له تنحصر بالايمان فحسب بل تشمل الإستقامة والصمود أيضاً.(1) و(2) * * * 19 ـ العلم منشأ تقوى الله وخشيته: (اِنَّما يَخْشى الله مِن عِبـادِهِ الْعُلَماءُ) (فاطر / 28) يقول الراغب في مفرداته "الخشية هي الخوف الذي يكون متزامناً مع التعظيم، وغالباً ما ينشأ عن العلم". (وَاتَقُونِ يا اُولِي الاَْلْبابِ) (آل عمران / 197) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يعتقد البض أن "العلم" والايمان" شيءٌ واحد. فاذا كنا نعلم بان هناك خالقاً لهذا العالم وهو قادر وعالم، فنفس هذا العلم ايمان به، لكن المحققين يقولون يفصل الايمان عن العلم، لأن الايمان يمكن أي يكون ثمرة من ثمار العلم (وليس الثمرة الضرورة والدائمية) لكنه ليس عين العلم والايمان التسليم القلبي والقبول والاعتراف الرسمي، بينما كثيراً ما يحصل أن يعتقد الانسان بشيء ولم يسلم به، كما يحكي القرآن عن البعض في سورة النمل الآية (41) (وَجَحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً). 2 - يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "العِلمُ حياة الاسلام وعماد الايمان". (كنز العمال الجزء 10 الصفحة 181). [66] إذ لم تكن هناك علقة بين "العلم" و"التقوى" لم يخاطب الله "اولو الالباب" داعيهم للقوى في الآية، وهذا الخطاب دليل على هذه العلقة المباركة. (فَاتَقُوا الله يا اُولِي الاْلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائده / 100) (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلناسِ لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ) (البقرة / 187) إنَّ هذا التعبير في الآية الاخيرة يدل بوضوح على أن الله يبين الآيات كمقدمة لإثارة عقول وقلوب الناس، والإثارة سبيل الى التقوى. بالطبع ليس كلما وجد العلم حصلت التقوى، لأن هناك علماء غير عاملين. لكن المتيقن منهم أنّهم يعتبرون العلم مقدمة وأرضية خصبة للتقوى، ويعتبر من المصادر الأساسية للتقوى. وَالتقوى غالباً ما تنبع عن العلم، العلم الذي كان منشأ للايمان سيكون منشأً للتقوى كذلك. والعكس بالعكس، فالجهل غالباً ما يؤدى الى عدم التقوى والورع(1). * * * 20 ـ العلم منشأ الزهد: (وَقالَ الَّذينَ اُوتوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ الله خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقّاها اِلاّ الصابِرُونَ) (القصص / 80) لمّحت هذه الآية التي جاءت في أواخر سورة القصص الى قصة (قارون) ونقلت نصيحة علماء بني اسرائيل للناس، الذين تمنوا امتلاك ثروة قارون عند استعراضه لثروته. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول امير المؤمنين (عليه السلام) "أعظم الناس علماً أشدّهم خوفاً من الله". (غرر الحكم الحكمة 326). [67] فعندما شاهد العلماء الورعون تَعَلُّقَ الناس بالدنيا وحبهم الشديد لها وارتباطهم الوثيق بها خاطبوهم قائلين: ويلكم يا عبدة الدنيا! لا تخدعكم الثروة، فالجزاء الالهي خير لكم في الدنيا والآخرة إن كنتم مؤمنين وأعمالكم صالحة، لكن لا ينالُ هذا الثواب الالهي إلا الصابرون غير الراكعين امام الظلم والاغراءات المادية. إن عبارة (اُوتوا العلم) تدل وضوح على وجود علقة بين (الورع والزهد) من جهة والعلم والمعرفة) من جهة اخرى، وأن العارين بوه الدنيا وخسة الثورة المادية وخلود الآخرة، لم يُخدعوا ولم يتمنوا ثروة قارون(1). * * * 21 ـ التطور المادي وليد العلم: (قالَ اِنَما اُوتيتُهُ عَلى عِلْم عِنْدي) (القصص 78) هذا الحديث قاله قارون الغني والمغرور والأناني عندما نصحه علماء قوم موسى، أَنِ استمثر ثروتك في مجال مصالح الناس ولا تنسَ نصيبك من الدنيا، وأحسن لعباد الله كما أحسنَ الله لك ولا تتخذ ثروتك وسيلة للفساد. لكنه أجاب قائلا: إني جمعت هذه الثروة بفضل علمي ومعرفتي. والذي ينبغي ذكره هنا هو أنّ الله لم ينفِ ادّعاءهُ هذا. بل يقول تعالى: (اَوَلَمْ يَعْلَمْ اَنَّ الله قَدْ اَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ اَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَاَكْثَرُ جَمْعاً) (القصص / 78). إنَّ هذا التأييد الضمني يكشف أن لقارون علماً تمكن بواسطته أن يجمع ثروة عظيمة (سواء كان ذلك العلم هو علم الكيمياء ـ كما يدعي بعض المفسرين او ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول الامام الصادق (عليه السلام): "إنَّ ممّا خاطب الله به موسى بن عمران قال: إنّ عبادي الصالحين زهدوا فيها بقدر علمهم بي". (بحار الانوار الجز 18 الصفحة 339). [68] كان معرفته لقواعد وفنون التجارة والأعمال). إنَّ المسلَّم به هو أن ادعاء قارون لم يصلح حجة لمنع انتفاع الناس بثروته. وذلك لأن الانسان مهما كانت لديه من مؤهلات وقابليات، لا يمكنه لوحده ان يكسب ثروة بهذا الحجم فلابدّ أنه قد استفاد من الآخرين في سبيل تحصيلها، لذا فهو مَدينٌ للمجتمع ولتعاونهم معه. وعلى أي حال، فان ما تبينه هذه الآية هو وجود علاقة بين "العلم المادي" والتطور المادي". وهذا ما نشاهده بوضوح في عصرنا الحاضر، حيث ان اقواماً تزعَّموا التطور في مجال التمدن وذلك بفضل علومهم وتقنيتهم وصناعاتهم(1). * * * 22 ـ العلم منبع القدرة أو (العلم قدرة): (قالَ الَّذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اَنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ اَنْ يَرْتَدَّ اِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقَراً عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي) (النمل / 40) تتعلق هذه الآية بقصة سليمان وملكة سبأ، فعندما اراد سليمان أن يأتي بعرشها، اقترح عفريتٌ من زعماء الجنّ بأن يأتي به قبل نهوضه من مجلسه. لكن الرجل الذي كان عنده علم من الكتاب (وزير سليمان آصف بن برخيا)، والذي كان علمه يمكنه من القيام باعمال غير طبيعية قال لسليمان: إني استطيع أن آتي به قبل أن يرتد إليك طرفك وفعل ما قال، فشكر سليمان ربه على الفضل الذي آتاه إياه من الأنصار والاعوان والاصدقاء. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول الامام علي (عليه السلام): "لا غنى أخصب من العقل ولا فقر أحط من الحمق". (اصول الكافي الجزء 1 الصفحة 29). [69] وهذه الآية وإن جاءت في مورد خاص، لكنها تكشف عن العلاقة الموجودة بين العلم والقدرة بوضوح، وترغب وتحرض على كسب العلم(1). * * * 23 ـ التزكية تنشأ عن العلم: (رَبَّنا وابْعَثْ فيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكيهِمْ اِنّكَ اَنْتَ الْعَزيزُ الْحَكيم) (البقرة / 129) إنَّ هذا التعبير الذي هو بمثابة دعاء دَعا به "ابراهيم" و"اسماعيل" في ضمن أدعية دعيا بها الله، يكشف بوضوح عن العلاقة القائمة بين "العلم والحكمة" من جهة، و"التزكية والتربية" من جهة اخرى وقد تقدم العلم هنا على التزكية. لكن في الآيتين التاليتين واللتين تناولتا منهج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد البعثة، تقدمت التزكية على العلم فيهما، حيث يقول الله تعالى هناك: (لَقَدْ مَنَّ الله عََى الْمُؤْمِنينَ اِذْ بَعَثَ فيهِمْ رَسُولا مِنْ اَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَاِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلال مُبين) (آل عمران / 164) كما أن الآية الثانية من سورة الجمعة تشبه الآية المتقدّمة مضموناً. الظاهر أن الاختلاف في التعبير حين يقدم العلم على التزكية تارة والتركية على العلم تارة اخرى ناشىءٌ من التأثير المتبادل بين هذين الاثنين، فان العلم منشأُ التربية الاخلاقية، والتربية الاخلاقية تصلح لأن تكون في ـ بعض مراحلها ـ ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول الامام الصادق (عليه السلام): "العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس". (اصول الكافي الجزء 1 الصفحة 290). [70] منشأ للعلم. وعلى هذا، فكل منهما يهىء الأرضية للآخر، وهذا هو معنى التأثير المتبادل للعلم والتزكية (وسيأتي شرح هذا الموضوع في بحث مؤهلات المعرفة انشاء الله)(1). * * * 24 ـ الصبر والتحمل ينبع عن العلم: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى مالَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً) (الكهف / 68) هذا الحديث نطق به العالم الرباني (الخضر) مخاطباً به موسى بن عمران، عندما سأله أن يعلمه من علومه، فاجابه الخضر: إنك لم تَحُط بأسراري وألغاز أعمالي. ولن تصبر عليها لعدم معرفتك. وهذا التعبير يبين بوضوح ان عدم العلم والمعرفة يؤدي بالانسان الى نفاد صبرِه. بالطبع إن الصبر قد يكون منشأ تزايد العلم والمعرفة، وعليه فهذان الإثنان بينهما تأثير متبادل كما يصرح بذلك القرآن في عدد من الآيات: (اِنَ في ذلِكَ لآيات لِكِلِ صَبّارِ شَكُور) (ابراهيم / 5)، (لقمان / 31)، (سبأ / 19)، الشورى / 33) ومن الواضح أن طريق العلم والمعرفة طريق ملتوِ ومليءٌ بالمنغّصات، ولا يمكن أن يدرك العلم إلا بالصبر والتأنّي. وإن العلماء والمخترعين والمكتشفين لم يصلوا الى ما وصلوا إليه إلاّ بالتأني والصبر. * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول امير المؤمنين في حديث له حول العلم: "ومن ثمراته التقوى، واجتناب الهوى ومجانبة الذنوب". (بحار الانوار الجزء 78 الصفحة 6). [71] 25 ـ العلم والمعرفة خير كثير: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ اُوتيَ خَيْراً كَثيراً) (البقرة / 269) وكلمة "الحكمة" مشتّقة من مادة "حَكْم" على وزن (خَتْم) وتعني الصدّ والمنع بهدف الاصلاح ولهذا يقال لزمام الحيوان "حَكَمَة" على وزن (شَجَرة)، وبما أن العلم والمعرفة يحول دون اتخاذ الانسان سلوكاً مشيناً قيل لها "حكمة". كما أن "العقل" يعني الامساك والحفظ، ولهذا قيل للحبل الذي تُربط به رِجلا الجمل "عقال". فالعقل قيل له عقلا لانه يردع الانسان عن الانحراف عن جادة الصواب. وعلى أي حال، فانه لا تعبير وصف به العلم أجمل مما عبر به القرآن الكريم حيث قال (خيراً كثيراً)، وهذا التعبير يشمل جميع النِعَم والمواهب الإلهية المادية منها والمعنوية. إنَّ المستخلص من خمسة وعشرين عنواناً ذكر حتى الآن حقيقة بيّنه واضحة وهي: إن القرآن وبالاستعانة بعبارات شيقة ولطائف البيان يحثّ الانسان على العلم والمعرفة ويعدّهما أفضل موهبة ونعمة إلهية، ويستفاد من التعبيرات السابقة بالدلالة الالتزامية أن طريق العلم مفتوح للجميع، ولا شيء أنفع منه. وهذا هو الشيء الذي نحن بصدده(1). والآن ننتقل الى عناوين اُخرى تدور حول محور "الجهل" وبملاحظة آثاره السلبية والمهلكة، نشق طريقنا نحو العلم والمعرفة ومردوداته الايجابية والحيوية. * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول الامام علي (عليه السلام): "لا كنز أنفع من العلم". (بحار الانوار الجزء 1 الصفحة 183). [72] 26 ـ اصحاب السعير هم الجاهلون: (وَلَقَدْ ذَرَأنا لِجَهَنَّمَ كَثيراً مِنَ الْجِنِّ والاِْنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ اَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها اُولئِكَ كَالاَْنْعامِ بَلْ هُمْ اَضَلُّ اُولئِكَ هُم الْغافِلُونَ) (الاعراف / 179) إنَّ كلمة "ذرأ" مأخوذة من مادة ذَرْء على وزن (زَرْع) وتعني الخلق. لكن المستخلص من "مقاييس اللغة" أن أصلها يعني "نثر البذور". ويحتمل لهذا السبب ذكر الراغب في "مفرداته" أن معناها الاصلي هو "الاظهار والايضاح". بينما قال البعض كما في "التحقيق في كلمات القرآن": إنَّ معناها الأصلي هو "النثر والنشر". فاذا أُريد منها الخلق فيكون معنى الآية: إنَّ اولئك الذين هو وهبوا السمع والبصر والفؤاد ... (وسائل المعرفة) ولم يستفيدوا منها لا مصير لهم غير جهنم. وإذا كانت "ذرأ" بمعنى النشر والنثر، فالآيةُ تُشير الى أن اشخاصاً كهؤلاء سينثرون في جهنم. وعلى اي حال فهذه الحقيقة تكشف عن ان عاقبة الجهل وتعطيل وسائل المعرفة ليست سوى نار جهنم. (وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ اَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي اَصْحابِ السَّعيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهم فَسُحْقاً لاَِصْحابِ السَّعير) (الملك / 10 و 11) نعم إنَّ ذنبهم العظيم هو تعطيلهم لعقلهم عن النهوض بمهامه، ولم يصغوا لحديث الحق وبهذا أغلقوا أبواب المعرفة والعلم، وفتحوا أبواب جهنم على أنفسهم. إن سياق الآية الثانية التي تنسب الإثم إلى أصحاب السعير وهم يعترفون [73] بأن مصيرهم ما كان هذا لو أنهم استغلوا عقولهم، وهذا الاعتراف الكاشف عن الندم، دليل على أن سلوكهم لهذا الطريق كان باختيارهم. وإذا زعم بعض المفسّرين كالفخر الرازي عند تفسيره للآية الاولى أنها دليل على الجبر، فان الثانية تنفي مزاعمه وتصلح لأن تكون مفسرةً للاولى لأن "القرآن يفسر بعضه بعضاً". وعلى اي حال فان العلاقة بين "جهنم" و"الجهل" مسلمة في القرآن وتتضح في الابحاث القادمة اكثر(1). * * * 27 ـ الجهل مصدر انحطاط البشر: (اِنَّ شَرَّ الدَّوآبّ عِنْدَ الله الصُّمُّ البُكمُ الَّذينَ لا يَعْقِلُونَ) (الانفال / 22) إنَّ هذه الآية والتي قبلها تُشيران الى موضوع واحد لكن الأهير تشير له صراحة والسابقة لها تلميحاً، والموضوع هو: إن الانسان متى ما ترك الاستعانة بوسائل المعرفة التي منحها الله له فانه سينحط ويسقط الى مستوى يجعله أضل من جميع الدواب التي على وجه الارض. ولَم لا يكون كذلك مَن بامكانه ان بصل الى أعلى عليين في جوار ربّ العالمين، وأن يصل الى مقام "لا يرى به إلاّ الله"، ولكن بتركه جمع المواهب والمِنَح الإلهية فإنّه سيسقط الى أسفل سافلين. إضافةً إلى هذا، فان الانسان الذي لا يسير في جادة الخير والهداية، فانه سيستخدم تلقائياً جميع المواهب والقابليات الإلهية في سبيل الشر، وسيرتكب جرائم مفجعة ويخترع وسائل رهيبة لم يدنُ الى مستوى وحشيته أيٌّ من الحيوانات المفترسة. كما نشاهد نماذجه في عصرنا الحاضر عند أُناس بعيدين عن ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - في حديث للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول فيه: "إن الله أوحى إليَّ أنَّه مَن سلك مسلكاً يطلب فيه العلم سهلت له طريقاً الى الجنة". (بحار الانوار الجزء 1 الصفحة 173). [74] الله والبشرية(1). * * * 28 ـ اجهل عمى: (اَفَمَنْ يَعْلَمُ اَنَّما اُنْزِلَ اِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ اَعْمى اِنَّما يَتَذَكَّرُ اُولُوا الاَْلْباب) (الرعد / 19) لقد جُعل العلماء الواعون في هذه الآية في الطرف المقابل للعُميان! والتقابل هذا يكشف عن ان العمى والجهل سواء. وقد جاء هذا المعنى في آيات اخرى باسلوب آخر: (ما يَسْتَوِي الاَْعْمى وَالْبَصيرُ وَلا الظُّلُماتُ وَلاَ النُّورُ وَلا الظَّلُّ وَلاَ الحَرُورُ وَما يَسْتَوِي الاَْحْياءُ وَلاَ الاَْمْواتُ)(2) (فاطر 19 / ـ 22) * * * 29 ـ الحياة مع الجهل هي أرذل العمر: (وَمِنْكمْ مَنْ يُرَدُّ اِلى اَرْذَلِ الْعُمرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْم شَيْئاً) (الحج / 5). وقد جاء في سورة النمل الآية (70) نفس ما جاء في هذه الآية من معنىً مع اختلاف ضئيل. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول امير المؤمنين(عليه السلام): "الجهل مطية شموس من ركبها زلَّ ومن صحبها ضلَّ".(غرر الحكم الجزء 1 الصفحة 85). 2 - يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "من لم يصبر على ذلّ التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً (بحار الانوار الجزء 1 الصفحة 177). [75] إنَّ كلمة "أرذل" مشتقة من مادة "رذل" وتعني الموجود الضال، كما في كثير من معاجم اللغة مثل "المقاييس" و"صحاح اللغة" و"المفردات" وغيرها وبتعبير آخر الشيء الذي لا يُعتنى به او لا قيمة له. وعليه فالمراد من "أرذل العمر" أيام وساعات من العمر التي تقلّ قيمةً عن بقية أيام العمر. وقد نعت القرآن الأيام الأخيرة من الشيخوخة التي تتزامن مع نسيان العلوم وفقدانها نعتها بـ "ارذل العمر". وعليه فأفضل أيام العمر وساعاته هي الايام والساعات التي تتزامن مع العلم والمعرفة(1). 30 ـ الكفر ينشأ عن الجهل: (وَجاوَزْنا بِبَني اِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتوا عَلى قَوْم يَعْكفُونَ عَلى اَصْنام لَهُمْ قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا اِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ اِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (الأعراف / 138) إنَّ ما يثير الإعجاب هو أن شعباً شاهد الاعجاز في غرقِ الفراعنة، انقاذه من أمواج النيل، والعظمة الإلهية بأُم عينيه وبالرغم من ذلك كله يقترح على موسى أن يجعل لهم صنماً يعبدونه. لكن موسى أجابهم إنَّ جهلكم دعاكم الى عبادة الأصنام. وفي الحقيقة إن عبادة الأصنام دائماً تنشأ عن جهل، وإلاّ فكيف يمكن للانسان أن يعبد ما يصنع بنفسه؟ وكيف له ان يطلب حل المعضلات والمشاكل الكبرى من قطعة من خَشب او معدن؟! إنَّ تاريخ عبادة الاصنام يكشف ان هذا العمل القبيح نَما تحت ظلِّ من الخرافات والأوهام، وكلما تقدمت الشعوب في مجال العلوم والتقنية كلما تراجع الشرك وعبادة الأصنام وازدادت أنوار التوحيد ضياءً: ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول الإمام علي: "الجهل في الانسان أضرّ من الاكلة في الابدان" (غرر الحكم). [76] إنَّ النبي العظيم "هود" كان يصرح لقوم "عاد" بهذا الأمر إلاّ انه عندما شاهد فيهم الإصرار على عبادة الاصنام وطلبهم نزول العذاب عليهم قال: (اِنَّما الْعِلْمُ عِنْدَ الله وَأبَلِّغُكُم ما اُرسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي اَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ) (الاحقاف / 23) إنَّ التعبير بـ "تجهلون" اي بصيغة المضارع الذي عادة ما يدل على الاستمرار، يوضح أن "الجهل المستمر" كان منبع الشرك وعبادة الأصنام، وفي الحقيقة إنَّ تعاضد ثلاثة أنواع من الجهل ولدت هذه الحالة الإجتماعية، وهي: الجهل بالله وبانه لا كفور ولا مثيل له. والجهل بمقام الانسان وأنه أشرف المخلوقات. والجهل بالطبيعة وأنه لا قيمة للجمادات في قبال موجود كالانسان. يا ترى! كيف سمح الانسان لنفسه أنْ يجعل قسم من قطعة الحجر المقتطعة من الجبل في درجات السلّم في منزلة يسحقها اقدامه، ويجعل القسم الآخر صنماً يركع ويسجد له ويطلب منها حل مشكلاته الكبرى؟. أليس هذا جهلا(1)؟ * * * 31 ـ الجهل السبب الاساسي للخسران: (يا اَيُّهَا النَّبِيُّ حَرّضِ الْمُؤْمِنينَ عَلى الْقِتالِ اِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِأَتَيْنِ وَاِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مأَةٌ يَغْلِبُوا اَلْفاً مِنَالَّذينَ كَفَرُوا بِاَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُون) (الانفال / 65) الظاهر أن الآية ناظرة الى معركة "بدر" وعدم تساوي عدد المشركين ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول امير المؤمنين (عليه السلام): "الجاهل لا يرتدع، وبالمواعظ لا ينتفع". (غرر الحكم الجزء 1 الصفحة 68). ويقول الامام الصادق(عليه السلام): "ليس بين الايمان والكفر إلا قلّة العقل". (اصول الكافي الجزء 1 الصفحة 28). [77] والمؤمنين فيها. وهي تنفي اسطورة توازن القوى. كإيعاز إسلامي إلهي تأمر الآية بعدم التراجع في المعركة حتى لو كان عدد جنود الاسلام عُشْرَ جنود العدوّ! لكن الذي يسدُّ النقص الكمي في القوات الاسلامية ـ كما تصرح الآية ـ هو شيئان: الاول هو الصبر والاستقامة والثبات عند المؤمنين. والثاني هو جهل وحماقة الاعداء. وهذا يدل بوضوح على أن الاستقامة والصبر منع النصر، وأن الجهل هو سبب الخسران. الجهل بالقابليات والطاقات المودعة في ذات الانسان. الجهل بقدرة الله عزّ وجلّ وعظمته. الجهل بتقنيات وقواعد المعركة، وانواع اُخرى من الجهالة(1). * * * 32 ـ الجهل منبع لاشاعة الفساد: (أَئِنَّكُمْ لَتَأتُون الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَآءِ بَلْ اَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (النمل / 55) إنهم قوم يجهلون الله وهدف الخلق وقوانينه، ويجهلون الآثار السيئة لهذا الاثم والعار (الشذوذ الجنسي). إن هذا الحديث الذي نطق به النبي العظيم "لوط" يشير بوضوح الى أن ميل اولئك القوم الى هذا العمل البشع والقبيح (اللواط) نشأ عن الجهل وعدم المعرفة. والنبي يوسف (عليه السلام) يُشير الى هذا المعنى باسلوب آخر: (قالَ رَبِّ السِّجْنُ اَحَبُّ اِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَني اِلَيْهِ وَإلاّ تَصْرِفْ عَنّي كَيْدَهُنَّ ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "من عمل على غير علم كان ما يُفسدُ أكثر ممّا يصلح". (مشكاة الانوار الصفحة 135). [78] اَصْبُ اِلَيْهِنَّ وَاَكُنْ مِنَ الْجاهِلينَ) (يوسف / 33) إنَّ ذكر النساء بصيغة الجمع لا المفرد يدل على ان نساء مصر كُنَّ يُردنَ أن يُخرجنَ يوسف عن جادة العفاف وليس امرأة عزيز مصر(زليخا) فقط ويوسف(عليه السلام)كان مستعداً لتقبل السجن برحابة صدر على الابتلاء بحبِّ نساء مصر له. إنَّ الجملة الاخيرة من الآية السابقة تُشير الى أنَّ العشق الملوّث بالإثم والانحرافات الجنسية (على الاقل في كثير من الموارد) ناشيءٌ عن الجهل، الجهل بالقيم المجبول عليها الانسان، الجهل بالآثار القيمة للعفاف والطهارة والنزاهة، والجهل بمردودات الاثم، وأخيراً الجهل بالأوامر والنواهي الالهية. وكما نرى في قصة يوسف بوضوح أن السبب الأساسي في ارتكاب الجريمة من قِبَلِ إخوانه هو الجهل وعدم معرفتهم: (قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَاَخِيهِ اِذْ اَنْتُمْ جاهِلُونَ) (يوسف / 89). نعم أنتم الذين عذبتم أخاكم أولا، ثم ألقيتموه في الجب عن جهل ثانياً! أنتم الذين كذبتم على أبيكم ذلك الشيخ العجوز وأَدْمَيْتُمْ قلبه بفصل ابنه عنه، وفي النهاية بيعه بعدة دراهم بخسة كما يُباع الرق ولم تفوا بعهدكم الذي عاهدتم به أباكم تجاه الأخ الآخر "بنيامين" عندما اتُّهِمَ بالسرقة فتركتموه وحيداً. وجهلكم وحده هو منشأ جميع هذه المسائل(1). * * * 33 ـ الجهل أساس التعصب والعناد: (اِذْ جَعَلَ الَّذينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةَ فَاَنْزَلَ اللهُ سَكينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنينَ) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "فقيه واحد أشدُّ على إبليس من ألف عابد". (بحار الأنوار الجزء 1 الصفحة 177). [79] الفتح / 26) إنَّ كلمة "حمية" مشتقة من مادة "حَمْي" على وزن "حَمْد"، وكما يذكر الراغب في "مفرداته" أن معناها الأولي هو الحرارة الناشئة من أشياء مثل النار والشمس والقوة الباطنية في جسم الانسان (الحرارة الذاتية والباطنية للأشياء)، ولهذا يقال لارتفاع درجة حرارة المرى (حُمّى) على وزن (كُبْرى)، وبما أنَّ التعصب والغضب يولدان حرارة وحرقة في باطن الانسان قيل "حمية". وقد جاء في كتاب "التحقيق في كلمات القرآن الكريم" أنّ "الحمية" هي شدة الحرارة والعلاقة والتعصب في الدفاع عن النفس(1). إنَّ هذه الآية نزلت في حوادث صلح الحديبية وتوضيح القضية: أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)قصد مكة للحج في السنة السادسة من الهجرة، إلاّ أن المُشركين منعوا المسلمين من دخول مكّة تعصباً لجاهليتهم، مع أنَّ السماح بزيارة مكة للجميع كان من قوانينهم وسننهم المسلم بها، فهم بهذا انتهكوا حرمة الحرم الإلهي، ونقضوا سنتهم، إضافة الى أنهم وضعوا حائلا ضخماً بينهم وبين الحقائق. إضافة "الحمية" الى "الجاهلية" من قبيل إضافة "السبب" الى "مسببه"، التعصب والعناد والغضب ينشأُ عن الجهل دائماً، لأن الجهل لا يسمحُ للانسان أن يرى عواقب أعماله، ولا يسمحُ له قبول أن رؤيته قد تكون خاطئة، وأنَّ هناك علماً أوسع واكبر من علمه، ولهذا نرى أن شدة عناد وتعصّب الأقوام الجاهلة اكثر منها في الأقوام الاخرى. كما أنه لهذا لسبب نفسه نجد أن الانبياء والرسل عندما يبعثون الى قوم بالرسالات والأَنوار الإلهية الساطعة، يواجهون مقاومة عنيفة، ويتهمون بمختلف التهم، وقد اورد القرآن الكريم نموذجاً من ذلك في سورة(ص)، الآيات (4 الى7). (وَعَجِبُواْ أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِنهُمْ وَقالَ الكَفِرونَ هَذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - "هي شدة الحرارة، والعلاقة والتعصب في الدفاع عن نفسه والتعفّف والترفع". (مادة حمى). [80] الآلِهَةَ إِلَهاً واحِداً إنَّ هَذا لَشيءٌ عُجَابٌ * وَاِنطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُواْ وَاصْبِرُواْ عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذَا لَشَيءٌ يُرَادُ* مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الاْخِرَةِ إِنْ هذَا إلاَّ إلاَّ اخْتِلاقٌ) حديثهم يمطر عناداً، العناد الناشيءُ عن الجهل والغرور(1). * * * 34 ـ الجهل منشأ التبرير: (وَقالَ الَّذينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا الله أَوْ تَاْتينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الاْياتِ لِقَوْم يُوقِنُونَ) (البقرة / 118) تتكرّر مسألة في تاريخ الانبياء وهي هروب الجاهلين من الايمان والاذعان والتسليم الى الحق، واحتجاجهم بانواع من الحجج الواهية في قبال الحجج والمعاجز السماوية الواضحة، فَتارةً يقولون لِمَ بَعثَ اللهُ بشراً رسولا؟ لِمَ لَمْ يأت مَلَك محله؟ وتارة يقولون: لِمَ لم ينزل علينا كتاباً نقرؤه؟ وتارة يقولون: لن نؤمن ما لَمْ نرَ اللهَ والملائكة جهرة. وتارة اخرى يقولون: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعاً أو تكون لنا جنّة من نخيل وعنب وتفجر الانهار خلالها تفجيرا، كما في سورة (الإسراء) في الآيات (90 الى 93). كما أن هناك أمثلة ونماذج اخرى ذكرت في القرآن الكريم. في الحقيقة ان ذوي العلم يكتفون بدليل منطقي واحد، واذا تعددت الأدلة ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول امير المؤمنين (عليه السلام): "العلم أصل كل خير والجهل أصل كُل شر". (غرر الحكم الصفحة 20 و21). [81] عندهم ازدادوا رسوخاً وايماناً. لكن المتعصبين والجاهلين المعاندين غير مستعدين لرفع يدهم عن عقائدهم وخرافاتهم، فيتمسكون كل يوم بحجّة في سبيل التملص من الحقيقة. واذا ما دُحِضَتْ حجتهم تركوها وتمسكوا بحجة اخرى، ذلك لان هدفهم ليس طلب الحقيقة بل التملص منها(1). * * * 35 ـ الجهل هو سبب التقليد الأعمى: (اِذْ قالَ لاَِبيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثيلُ الَّتي اَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ * قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابدينَ * قالَ لَقَدْ كُنْتُم اَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ في ضَلال مُبين) (الأنبياء / 52 ـ 54) إنَّ كلمة "التماثيل" جمع "التمثال" والتي تعني الموجود الذي له وجه، وتطلق على التماثيل المنحوتة والرسوم. وكلمة "عاكفون" مشتقة من مادة "عكوف" وتعني التوجه المستمر نحو شيء والمتزامن مع التعظيم، واصطلاح "اعتكاف" يطلق على العبادة الخاصة المعروفة التي تقام في المسجد وهي مشتقة من نفس المادة. نعم، إنَّ عبدة الأصنام لم يكن لهم دليل منطقيٌّ على عملهم القبيح هذا، وغالباً ما كانوا يقتنعون بتقليدهم الأعمى، ولهذا نعتهم ابراهيم (عليه السلام) بأنهم وآباءهم في ضلال مبين وواضح. ولهذا فان ابراهيم (عليه السلام) في بقية محاكمته التاريخية لعبدة الأصنام في بابل يقول: (أفتعبدونَ من دون الله ما لا ينفعكُم شيئاً ولا يضركم؟!) ثم يضيف (اُفٍّ ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول امير المؤمنين(عليه السلام): "الجاهل صغير وإن كان شيخاً كبيراً والعالم كبير وإن كان حدثاً". (بحار الانوار الجزء 1 الصفحة 183). [82] لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله اَفَلا تَعْقِلُونَ) (الانبياء / 66 ـ 67). يعني أن هذا التقليد الأعمى ناشيءٌ عن عدم التعقل والتأمل ووليد الجهل. ودليله واضح، فان ذوي العلم مستقلون فكرياً، واستقلالهم الفكري هذا لا يسمحُ لهم بالتقليد، بينما الجاهلون مرتبطون بهذا وذاك فكرياً، ويتبعون الاخرين عشوائياً. * * * 36 ـ الجهل يُسبّبُ الخلاف والفرقة: (لا يُقاتِلُونَكُمْ جَميعاً اِلاّ فِي قُرىً مُحَصَّنَة اَوْ مِنْ وَراءِ جُدُر بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَديدٌ تَحْسَبُهُم جميعاً وَقُلُوبُهُم شَتّى ذلِكَ بِاَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (الحشر / 14) إنَّ كلمة "قرى" جمع "قرية" ومعناها المحال المعمورة اعم من القرى والارياف او المدن. وقد تطلق على مجموعة يسكنون في مكان ما، و"قرىً محصَّنة" تعني المناطق الآمنة من العدو بسوار او ابراج او خنادق او غيرها. إنَّ هذه الآية تتحدث عن طائفة "بني النضير" (إحدى ثلاث طوائف يهودية تقطنُ المدينة) وترفع الغطاء عن فزعهم وخوفهم الباطني واختلافهم وفرقتهم، فتصرح الآية للمسلمين: إنكم تحسبونهم جميعاً ومتحدين لكنّ الواقع بينهم ومضمر فيهم وهذا بسبب جهلهم وعدم معرفتهم. إن الاختلاف ينشأ عن الجهل، والاتحاد ينشأ عن المعرفة دائماً. الجاهلون لا يجهلون الأخطار الجسيمة للفرقة فقط، ولا يجهلون فوائد الاتحاد وبركاتِهِ فقط، بل يجهلون اُسس التعايش السلمي، واُسلوب التعاون وشروط النشاطات المشتركة، وهذه المسألة أدت بهم الى الاختلاف والفرقة. إن المتعصبين والمعاندين والمتكبرين والحاقدين والسفهاء، لا يمكنهم [83] الاتحاد مع الآخرين، لأن كلا من هذه الصفات مانع كبير امام الوحدة، ونعلم أن منشأ جميع هذه الرذائل هو الجهل(1). * * * 37 ـ الجهل هو سبب إساءة الظن بالآخرين: (ثُمَّ اَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفةٌ قَدْ اَهَمَّتْهُمْ اَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِالله غَيْرِ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ) (آل عمران / 154) تحدثت هذه الآية عن الليلة المضطربة والملتهبة بعد معركة أُحُد، حيث احتمل بعض المسلمين هجوم قريش في تلك الليلة مرّة اُخرى لتدمير آخر ما تبقى من مقاومة المسلمين بعد ما أُنهكوا في المعركة نهاراً. في ذلك الحين أنزل الله على المسلمين نعاساً مهدئاً لهم، إلاّ أن ضعيفي الإيمان قد غاصوا في افكار رهيبة فما استطاعوا النوم آنذاك، فكانوا يتساءلون: يا ترى هل أن وعود الرسول حقّةٌ؟ هل أننا سننتصر في النهاية مع ما حصل لنا في أحد؟ هل سننجو من هذه المهلكة؟ أو أن كل ما قيل لنا كان كذباً؟ وامثال هذه الوساوس وإساءة الظن الجاهلي. لكن الحوادث التي حصلت فيما بعد بينت لهم خطأهم الفاحش، وأن جميع الوعود الالهية حقة، ولو كانوا قد انقطعوا عن عصر الجاهلية تماماً لَما أساءوا الظن بالله ورسوله. والتعبير في الآية يوحي بأن الجهل هو أحد أسباب إساءة الظن، وأن عدم قدرتهم على التحليل الصحيح للحوادث جعلهم يسيؤون الظن، وأنهم لو كانت لهم القدرة الكافية على تحليل الحوادث وفهمها لما وقعوا في شباك سوء الظن. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول الامام علي (عليه السلام): "لو سكت الجاهل ما اختلف الناس". (بحار الانوار الجزء 78 الصفحة 81). [84] * * * 38 ـ فقدان الأدب ينشأ عن الجهل: (اِنَّ الَّذينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءَ الحُجراتِ اَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ). (الحجرات / 4) كان البعض يضايق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كانوا يقفون عند باب بيته منادين عالياً: "يا محمد!" "يا محمد!" فكان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يتألم من سلوكهم هذا، ولكنه كان يكظم غيظه وذلك لما كان يتصف به من خُلُق عظيم إلى أن نزلت هذه الآية، فعلمتهم أدب الحديث مع الرسول ومحاطبتِهِ (في سورة الحجرات). والتعبير بـ "أكثرهم لا يعقلون" إشارة جميلة الى أن سوء الأدب غالباً ما ينشأ عن الجهل فكلما فُقِد العلم حل سوء الأدب مكانه، وكلما تواجد العلم تواجد الأدب معه. (وَاِذ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اِنَّ الله يَامُرُكُمْ اَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتتخِذنا هُزُواً قالَ اَعُوذُ بِالله اَنْ اَكُونَ مِنَ الْجاهِلينَ) (البقرة / 67) إنَّ الآية تتعلق بقضة قتل حدثت في بني اسرائيل كادت ان تجر الى معارك كبيرة بين قبائل بني اسرائيل لجهلهم بالقاتل: فأمر الله أن يذبحوا بقرة ويضعوا قسماً منها على المقتول كي ينطق ويُعرفهم قاتله. وبما أن هذه القضية كانت معجزة ومدهشة للغاية بالنسبة لبني اسرائيل، فقد قالوا لموسى ابتداءً: أتتخذنا هزواً؟ فاجاب موسى (عليه السلام): أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين أي ان الاستهزاء من معالم الجهل ودليل على العجب والتكبر والغرور، فان ذوي هذه الصفات يتخذون الآخرين هزواً كي يحقّروهم ونعلم أن التكبر والعجب ينشآن عن الجهل حتى أن [85] كثيراً من الجاهلين يستهزئون بالعلماء.(1) * * * 39 ـ الجهل سبب الندم والمشاكل الإجتماعية: (يا اَيُّها الَّذينَ آمَنُوا اِن جائَكُمْ فاسِقٌ بنبا فَتَبَيَّنُوا اَنْ تُصِيْبُوا قَوْماً بِجَهالَة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمينَ) (الحجرات / 6) إنَّ هذه الآية كقاعدة أساسية تأمر المسلمين بأنْ يتبيّنوا ويتأكّدوا من ثقة الرواة ناقلي الأخبار ويحققوا في الخبر الذي وصلهم من فاسق أو شخص لا يُعتمد عليه لا يتعجّلوا باتخاذ الإجراءات على ضوء ما نُقِلَ لهم من خبر، لأنه قد يوجب لهم كثيراً من الندم والمشاكل والمصائب الاجتماعية. فمن البديهي أنَّ الجاهلَ لا يُمكنه أنْ يتّخذ موقفاً صحيحاً تجاه مختلف القضايا، وعدم معرفته هذه تؤدّي به الى كثير من المصائب والمشاكل الإجتماعية التي نهايتها النّدم. * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول امير المؤمنين (عليه السلام): "العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم". (بحار الانوار الجزء 78 الصفحة 81). [86] 40 ـ الجهلُ وتبدّل القيم: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرُهٌ لَكُمْ وَعَسى اَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لكم وَعَسى اَنْ تُحبُّوا شَيْئاً وَهُو شَرٌّ لَكُمْ وَالله يَعْلَمْ وَاَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة / 216) إنَّ نشاطات الإنسان متّجهة دائماً نحو القيم التي يعتقد بها. وتمييز القيم له دور أساسي في تبلور وحياد نشاطات الإنسان وفعالياته. فالجهلُ وعدم المعرفة قد يؤدي به الى الوقوع في الخطأ عند تمييز (القيم) عن (أضدادها)، أي أنْ يعلم ما هو عامل التقدّم والخير والبركة، ويُميِّزهُ عن عامل التراجع والشرّ والشقاء. إن الآية السابقة تقول: إن للجهاد في سبيل الله قيمة ـ أي عامل للعزة وصيانة ماء الوجه والفخر والموفقية ـ، لكنكم تكرهونه لجهلكم وعدم معرفتكم بآثاره، وتعتبرون السكوت وترك الجهاد قيمةً وعاملا للسلامة والسعادة، مع انه عامل شقائكم. وعلى هذا، فالجهل هو منبع الخطأ في تمييز القيم، وهو عامل اتخاذ المواقف غير الصحيحة والخطأ تجاه القضايا المختلفة والحوادث المتنوعة في الحياة وعامل للافراط والتفريط(1). استخلاص واستنتاج: إن المستخلص من البحوث القرآنية السابقة والمدرجة تحت أربعين عنواناً (لا ندعي تحديدها بهذه العناوين أبداً) والحاثّة على طلب العلم والمعرفة، هو اهتمام القرآن والاسلام البالغ تجاه مسألة المعرفة في جميع المجالات، سواء في مجال معرفة الذات الربانية وصفاته، أو في مجال معرفة العالم والسماوات والأرض وجميع الكائنات والإطّلاع على أسرار المخلوقات الأرضية والسماوية الطبيعيّة أو ما وراء الطبيعة، ومعرفة النفس والإِلمام بمختلفِ العلوم. ومن تحقيق الآيات السابقة نستخلص بوضوح الأُمور التالية: 1 ـ إنَّ طريق العلم والمعرفة مفتوح للناس كافة، وكلٌّ حسب استعداده ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول الامام علي (عليه السلام): "لا ترى الجاهل إلاّ مفْرِطاً أو مُفَرِّطاً". (نهج البلاغة الكلمات القصار، الجملة رقم 70). [87] وسعيه يستطيع أن يطوي ما أمكنه منه، وإلاّ فالدعوة للعلم مع التأكيد على أهميته لا معنى لها. 2 ـ إنَّ قيم البشر لها علاقة مباشرة بمقدار معرفتهم لله وأسرار عالم الوجود. 3 ـ إنَّ أكبر مفخرة وموهبة للانسان هو قابليته للمعرفة أكثر فأكثر بالرغم من ضعفه الجسماني. 4 ـ إنَّ طريق العلم هو طريق الانتصار والغلبة على مختلف المشاكل: وهو طريق تزكية النفس. 5 ـ مقارعة الشقاء ومختلف المفاسد يحتاج الى العلم والمعرفة قبل أي شيء آخر. نؤكد أنَّ هذه الآيات نزلت في زمان خيمت عليه غيوم الجهل السوداء، وغطت أفق المنطقة بل العالم ظلاماً، في حين أن شمس العلم قد غابت والناس في أمواج الجهل غارقون. حقاً إنَّه لشيءٌ عجيب أن تسنَّ تعاليم بهذا المستوى العالي في بيئة كهذي، وإن هذا دليل حيٌّ على حقانية القرآن، حيث انَّ إنساناً أمياً كان رسولا لمدرسة كهذه. إنَّ الملفت للنظر هو عثور بعض المحققين على سبعمائة آية تتحدث عن العلم والمعرفة وأرضياتها ومصادرها، وبالقياس الى آيات الاحكام والتي تقدر بخمسمائة آية، نستطيع ان نستنتج أن القرآن أولى أهمية كبرى للعلم والمعرفة فاقت الأهمية التي أَوْلاها للأحكام الشرعية. * * * إيضاحات: 1 ـ إمكانية المعرفة من وجهة نظر فلسفية: [88] إنَّ وجود عالم خارج الذهن أمر مسلم به لا يستدعي بحثاً، ويعترف بهذا عملياً حتى السوفسطائيون أو المثاليون الذين ينكرون وجود الأعيان الخارجية. لكن البحث ينصب في هل من سبيل الى معرفة هذه الواقعيات؟ واذا كان الجواب بالايجاب فما هي سُبُل المعرفة ووسائلها؟ * * * ما هي شروط الوصول الى المعرفة؟ وبتعبير آخر، هل يمكن تبديل الواقعيات الخارجية الى حقائق ذهنية، أي انعكاس ما في الخارج عيناً في الذهن صورة ام لا؟ إنَّ جميع تعاريف المعرفة والنزاع فيها ترجع الى هذه النقطة(1). ومن جهة اخرى فانّ جذور جميع العلوم والفنون البشرية ترجع الى الاجابة عن هذا السؤال. وبالرغم من أن أغلب الفلاسفة (سواء الماديين منهم أو الالهيين) يؤيدون امكانية معرفة الواقعيات الخارجية، إلاّ ان البعض منهم لا يعتقد بامكانيتها، وقد ذكرت أربعة أدلة لاثبات مرادهم: 1 ـ إن الحواس هي أهم وسائل المعرفة، والبصر يقع في الدرجة الاولى من حيث الأهمية، لكننا نجد الكثير من الأخطاء تصدر عن هذه الحاسة! إنَّ الشهاب المشتعل نراه في المساء كخط النور الممتد، بينما هو نقطة ضوئية متحركة لا أكثر! وإذا كنّا نمشي في شارع مُشجّر الطرفين، وابتعدنا عن الأشجار رأيناها تقترب من بعضا البعض، وتتصل وتشكل زاوية في نقطة بعيدة عنّا بينما الاشجار لم تلتقِ على طول الطريق ولم تُشكل أية زاوية، والفاصلة بينها متساوية في جميع ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - وعلى هذا يكون تعريف المعرفة عبارة عن: تبديل الواقعيات الخارجية الى حقائق ذهنية، وانعكاسها في مرآة الذهن كما هي. [89] نقاط الشارع. وإذا كانت احدى يديك باردة والاخرى حارة ووضعتهما في ماء دافيء، فانك نحس بالحرارة باليد الباردة، وبالبرودة باليد الحارة، فيرتسم في الذن إحساسان متضادان اتجاه الماء في آن واحد. ولدينا الكثير من الأمثلة عن حاسة البصر وبقيّة الحواس (اللامسة وغيرها). ومع وجود هذا النقص فكيف نعتمد على حواسنا؟! بل إنَّ عالم الخارج يمكن أن يكون وهماً او ما يرى عند النوم لا أكثر، وهل أن ما نراه في المنام ونعتبره حقيقة في ذلك الحين، له حقيقة؟ 2 ـ نحن لا نكاد نجد اثنين من العلماء أو المفكرين في هذا العالم يتفقان في جميع المسائل، وما هذا التضاد والاختلاف إلاّ دليلا على فقداننا الطريق الذي يهدينا إلى معرفة الحقائق. لأن ما رأه واقعاً عينياً قد يكون برأي الآخر وهماً وخيالا لا أكثر وكذا العكس. وحتى الانسان الواحد قد تتغير رؤيته وأفكاره تحت ظروف مختلفة، وهذا يزلزل أسس قضية المعرفة. 3 ـ إن الموجودات في العالم كلها في حركة مستمرة، وينتج عنها تحول الموجودات حتى افكارنا ومعارفنا وعلومنا في هذه الحركة. ومع هذا، فكيف يمكن أن تحصل لنا معرفة صحيحة اتجاه الاشياء والعلاقات بينها، مع أن المعرفة تستدعي ملاحظة أمرِ ثابت. 4 ـ نعلم أن العالم له نظام موحد ومترابط، ومعرفة الجزء لا يمكن أن تنفصل عن معرفة الكل، وعليه، فان فقدان حلقة من السلسلة المترابطة للعالم يُخلّ بمعرفتنا ويحول دون معرفة أي جزء منه. [90] ومن جهة اخرى فان الواقعيات المحال إدراكها للبشر كثيرة ولا يقد عددها بانلظر إلى حجم المعلومات الضئيلة. وعلى هذا، فكيف يمكن لنا أن نعد معرفة العالم أمراً ممكناً؟ إذن يجب الاعتراف بأن ما في أذهاننا هو تصورات لها قيمة علمية فقط، وليست لها أية قيمة واقعية. * * * الجواب: يمكن الاجابة على هذه الاستدلالات بثلاث طرق: 1 ـ إن جميع منكري إمكانية المعرفة عند استدلالهم وكتابتهم لأدلة النفي بأقلامهم، يذعنون لِمئاتِ من الامور الواقعية لكنهم يتزعمون الحرب ضد مسألة المعرفة بالاستعانة بمعرفته بهذه الامور. فالقلم، والورقة، والخطوط والكلمات، وصيغ الجمل، وجهاز الطبع، والتوزيع، والكتاب، والمكتبة، وكلٌّ من المخالفين لنظريتهم، والامواج الصوتية، ومخارج الحروف، والنور والضياء، والتأثير بأفكار الآخرين، فهم يذعنون لجميع هذه الواقعيات. نعم، إنهم نصبوا العداء للمعرفة بالمعرفة، إنهم استعانوا بالمعارف السابقة لنفي المعرفة، يا له من خطأ!! (دققوا). 2 ـ إنَّ خطأهم الكبير هو عدم تمييزهم بين مسألة كون معرفة الانسان محدودة وبين أصل مسألة المعرفة. فأن استدلالاتهم لا تنفي اماكنية المعرفة مطلقاً، غاية الامر أنها تثبت أنّ معرفة الانسان محدودة أو مقرونة بالاخطاء أحياناً. أَجَل، لا يمكنهم انكار وجود "الشهاب" بل إن ما يقولونه في هذا المجال هو أن الخط النوراني الذي نراه ليس خطاً نورانياً بل نقطةٌ نورانيةٌ، والتصور الخاطىء هذا نشأ عن خطأ في حاسة البصر، إذ ليس الخطأ في وجود نفس الشهاب بل في تصور خط ممتد ملتهب. [91] كما أن الخطأ ليس في نفس وجود الشارع والاشجار على طرفيه بل الخطأ في أن الاشجار كلما ابتعدنا عنها اقتربت من بعضها البعض في أبصارنا، وكذا الأمر بالنسبة للماء الدافيء، فليس الخطأ في نفس وجود الماء ودرجة حرارته المعنية، بل في تمييز درجة الحرارة. ولكنا ـ كما سبقت الاشارة ـ لا ندعي إدراكنا لجميع حقائق الوجود، كما لا ندعى أن معرفتنا منزهة عن أي خطأ بل ما نريد اثباته هو امكانية المعرفة على سبيل القضية الجزئية، وقد نشأ خطأهم من هنا. واللطيف هو أن ما ذكره مخالفو إمكانية المعرفة من أدلة يمكن أن يستخدم كدليل ضدهم، لأنهم عندما يبحثون مسألة خطأ الحواس، فان ما مفهومه ادعاؤهم أن هذه الحقيقة اكتشفناها بخواسنا الاخرى او بطرق عقلية، فندرك خطأ الحاسة المعيَّنة في ذلك المورد، وهذا عين اعترافهم بصحة بعض المعارف. فعندما نقول مثلا: إن الخط الملتهب الممتد الذي نراه عند ظهور الشهاب في السماء خطأٌ، فذلك بسبب إنا لاحظنا بحواسنا الاخرى إنَّ الشهاب قطعة حجر تحترق عند وصولها الى الأرض وذلك لسرعتها واحتكاكها بطبقة الهواء، وعندما تلوح لنا كالنقطة النيرة، وبما أنها تتحرك بسرعة هائلة فتخطأ العين في التمييز ونراه خطاً ممتداً وملتهباً، مستقيماً او منحنياً. كذلك الأمر بالنسبة للخطين المتوازيين عندما نراهما متقاطعين من بعيد، بينما رأيناهما من قريب متوازيين فعند مقارنة المعلومات التي حصلنا عليها من بعيد ومن قريب نعترف بخطأ ابصارنا من بعيد. إذن يجب القول بأن أي حكم بخطأ بعض المعلومات، دليل على معرفة كثير من الحقائق (دقّق). 3 ـ إنهم في الحقيقة لم يميزوا جيداً بين "البديهيات" و"النظريات" ولا بين ا"المعرفة الاجمالية" و"المعرفة التفصيلية" ولا بين "الامور المطلقة" و"الامور النسبية"، ولأجل عدم معرفتهم الدقيقة وتميزهم لهذه المواضيع الثلاثة وقعوا فيما [92] وقعوا فيه من خطأ. * * * إيضاح: إن هناك حقائق لا يشك بها أحد إلاّ السوفسطائيين (وكما قلنا سابقاً نهم ينكرون الحقائق بالسنتهم ويعتقدون بها في قلوبهم وهي الحقائق التي لا حاجة لها الى التفكير. فالكل يعرف مثلا أن اثنين زائداً اثنين يساوي أربعة، وأنه لا يمكن أن يحصل الليل والنهار أو الصيف والشتاء في آن ومكان واحد. أو أو شخصاً واحداً يكون في مكة والمدينة في آن واحد وحتى اولئك الذين يعدّون اجتماع النقيضين او الضدين ممكناً، فانهم يتلاعبون بالالفاظ فقط، ويذعنون لهذه الحقائق قلبياً، فمثلا بالنسبة لـ "اجتماع الضدين" يقولون بامكان أن يكون الجو ممطراً في ساعة ومشمساً في ساعة اخرى، إذن اجتماع الضدين أمر ممكن. أما إذا سألناهم هل يمكن أن يكون الجو ممطراً ومشمساً في ساعة ومكان واحد؟ فسيجيبون: لا. وفي مقابل هذه المعلومات البديهية هناك قسم آخر من المعلومات وهي "المعلومات النظرية" التي تحتمل الخطأ والترديد، وما ذكره المنكرون من عدم امكانية المعرفة فانه يتعلق بهذا النمط من المعلومات. كما ان هناك مجموعة من الحقائق مطلقة ولا نسبية فيها كالامثلة السابقة (العلاقات الرياضية بين الاعداد وامتناع اجتماع النقيضين والضدين). ولكن لا يمكن انكار أن هناك مجموعة من المفاهيم النسبية التي تتغير بتغير لظروف، فمثلا الحرارة والبرودة أمران نسبيان، فكل شيء حرارته أكثر من حرارة جسم الانسان فهو حار، وكل شيء حرارته أقل من حرارة جسم الانسان فهو بارد، فاذا ما تغيرت درجة حرارة أجسامنا تتغير مفاهيم الحرارة والبرودة عندنا، ولهذا قد يجلس شخصان في غرفة يشعر أحدهما بالبرودة فيطلب بتشغيل المدفئة والآخر يشعر بالحرارة فيطلب بفتح الأبواب. [93] بالطبع، في هذا المجال يوجد حقيقتان وهما درجة الحرارة الجسم ودرجة حرارة الغرفة وتصورنا عن الحرارة والبرودة ينشأ عن المقارنة بين هاتين الحقيقتين فيختلف الحكم اتجاه المسألة. كما ان في العالم حقائق ثابتةٌ وحقائق متغيره، والأمثلة التي ذكرناها سابقاً وما شابهها تدخل تحت عنوان الحقائق الثابتةِ، وحتى الماركسيون القائلون بتغير وتبدل الحقائق في العالم يستثنون حقيقة التحول والتغير كقانون ثابت، ويعتقدون أن كل ما في العالم في تحول وتغيّر مستمر إلاّ نفس قانون التحول ولاتغير فانه ثابت دائماً (بالطبع هناك مجموعةً اخرى من القوانين يفرضون ثباتها اضافةً الى هذا القانون). وإذا تجاوزنا الأمر السابق فان هناك "معرفةً اجماليةً" ومعرفةً تفصيليةً" هناك حقائق لا نعرف عنها إلا شيئاً اجمالياً، فلا معرفة لنا بخصائصها وعلاقاتها بالأشياء الاخرى في العالم تفصيلا، لكن عدم معرفتنا التفصيلية عنها لا يعني عدم معرفتنا شيئاً عنها ولو اجمالا. فمثلا العين جزء من الجسم، وما لم نعرف الجسم بجميع اعضائه جيداً لا نتمكن من معرفة علاقة العين باعضاء السم الاخرى. لكن عدم معرفتنا للعين تفصيلا لا يمنع من معرفتنا لها اجمالياً وآنهاتقع في الرأس وتحت الجبين، ولها سبع طبقات، وكل طبقة مهمة خاصة بها، وفائدتها رؤية المناظر واللقطات المتنوعة. وبالنظر لما تقدم يتضح أن أدلة المخالفين لنظرية المعرفة نشأ من عدم دقتهم في التقسيمات السابقة، فعندما يقولون: إن العالم كتلة واحدة، وعدم معرفتنا لمفردة من مفرداته يفقدنا المعرفة بأي جزء منه، إن قولهم هذا خلطٌ في الحقيقة بين المعرفة التفصيلية والاجمالية. لأنا إذا أردنا معرفة جزء ما في العالم بجميع علاقاته بباقي اجزاء العالم يجب علينا معرفة جميع أجزاء العالم بدقة، فهذه معرفة [94] تفصيلية، بينما المعرفة الاجمالية لا تستدعي ذلك كله، ومعرفتنا للارض والسماء وافراد البشر والكائنات التي من حولنا هي كلها من هذا القبيل(1). وهناك ايضاحات اكثر في هذا المجال سنقرؤها في الفصل اللاحق ان شاء الله تعالى. * * * 2 ـ العلم البشري المحدود: 1 ـ (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ اَمْرِ رَبِّي وَما اُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ اِلاّ قَليلا) (الاسراء / 85) 2 ـ (وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غداً وَما تَدْري نَفْسٌ بِاَيِّ اَرْض تَمُوتُ) لقمان / 34) 3 ـ (وَاِنْ مِنْ شَىْء اِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبيحَهُمْ) (الاسراء / 44) 4 ـ (وَعَسى اَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى اَنْ تُحبّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَاَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة / 216) 5 ـ (لَخَلْقُ السَّمواتِ وَالاَْرْضِ اَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ اَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (غافر / 57) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - قد يقال ان منكري المعرفة لا ينكرونها كلياً، وعلى هذا فانلزاع بينهم وبين المؤيدين لنظرية المعرفة يكون نزاعاً لفظياً. [95] 6 ـ لا تَدْري لَعَلّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ اَمْراً) (الطلاق / 1) 7 ـ (قُلْ لا اَمْلِكُ لِنَفْسي نَفْعاً وَلا ضَرّاً اِلاّ ما شآءَ الله ولو كنت اعلم الغيب لاَسْتَكْثَرتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ) (الاعراف / 188) 8 ـ (آبائُكُمْ وَاَبْنائُكُمْ لا تَدْرُونَ اَيُّهُمْ اَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً) (النساء / 11) 9 ـ (وَلَوْ اَنَّ ما في الاَرْضِ مِنْ شَجَرَة اَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةَ اَبْحُر ما نَفِدَتْ كَلِماتُ الله اِنَّ الله عَزيزٌ حَكيمٌ) (لقمان / 27) * * * شرح المفردات: إنّ كلمة "روح" ـ وكما جاء في مقاييس اللغة ـ في الأصل اشتقت من مادة "ريح" ويطلق على التنفس كذلك، وبما أن هناك علاقة وثيقة بين التنفس وبقاء الحياة ونفس الانسان استعملت الروح بمعنى النفس، ومن ثم بمعنى تلك الحقيقة المجردة التي يتوقف بقاء الانسان عليها. إنّ "روْح" على وزن (لَوْحَ) تعني النسيم البارد، وكذلك اللطف والرحمة، ومنه اشتُقّت كلمة "الرائحة" و"المروحة". وَإنّ كلمة "تفقهون" مشتقة من مادة "فقه" وقد جاء ـ كما في لسان العربـ بمعنى الاطلاع على شيء وفهمه، لكنها تطلق اطلاقاً خاصاً على علم الدين (او علم الاحكام)، وذلك لرفعة واهمية هذا العلم. إن الراغب في مفرداته يقول: "الفقه يعني الاطلاع على شيء خفي بواسطة الاطلاع على أمر ظاهر ومكشوف" وعلى هذا مفهومه أخص من مفهوم العلم. [96] وَمعنى كلمة "غَيْب" ـ وكما جاء عن ابن منظور في لسان العرب ـ هو "الشك" ويطلق على كل شيء خفي عمله عن الانسان. (ولعل ذلك بسبب أن الاشياء الخفية غالباً ما تقع مجلا الشك). يقول الراغب عند تفسيره لجملة "يؤمنون بالغيب": إن الغيب شيء خارج عن دائرة الحس والعقل الابتدائي ويعرف بواسطة إخبار الانبياء. وكلمة "نفدت" أُخذت من مادة "نَفَدَ" على وزن (حَسَدَ)، "والنفاد" كما يستخلص من المفردات ولسان العرب ـ يعني الفناء والدمار، و"مُنَافِد" تُطلق على الشخص القوي للغاية في استدلالاته بحيث يدحض جميع حجج خصمه. و"نفاد" جاءت بمعنى نضوب ماء البئر. * * * جمع الآيات وتفسيرها: كان عدد من المشركين أو أهل الكتاب يسألون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن "الروح"، فكُلفَ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكما جاء ذلك في الآية الاولى ـ أن يجيبهم بأن "الروح" من أمر ربي ويضيف لهم بأنهم ما أُوتوا من العلم إلاّ قليلا، ولهذا فلا قابلية لهم لاستيعاب حقيقة "الروح"(1). وفي هذه الآية اشارة واضحة الى كون العلم البشري محدوداً (بناءً على أن المقصود من الروح فيها هو روح الانسان) وذلك لأن الانسان ما استطاع الاحاطة علماً بشيء هو أقرب إليه من الحقائق والموجودات في الكون وأن ما يعرفه عنهما هو معرفة سطحية واجمالية، فكيف يمكنه معرفة حقائق العالم الاُخرى؟! ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - إن جملة "ما أُوتيتم من العلم إلا قليلا" فُسّرت من قبل اغلب المفسرين بكونكم أُوتيتم قليلا من العلم، إلاّ أن البعض فسرها بأن قليلا منكم أُوتي علماً. إلاّ أن هذا التفسير الاخير يتنافى مع ظاهر الآية التي تجعل المشركين وأهل الكتاب السائلين عن الروح في مخاطباً لها (دققوا). [97] * * * إن الآية الثانية والتي هي آخر آية من سورة لقمان، تكشُف عن علوم خاصة بالله تعالى وأشارت الى خمسة علوم: قيام القيامة ونزول المطر والجنين الذي في رحم الاُم والحوادث المستقبلية التي تتعلق بأعمال الانسان والبلد الذي يموت فيه الانسان. وقد أُشير الى هذه العلوم الخمسة في الروايات تحت عنوان "مفاتيح الغيب الخمسة" التي لا يعرف عنها أحد إلاّ الله(1). وقد يعلم الانسان كليات عن هذه الأمور بالاستعانة بالقرائن، إلاّ أن الجزئيات لا تتضح لأحد أبداً، فلا يعلم ـ مثلا ـ ما هي قابليات الجنين الجسمية والروحية وهل هو جميل أم قبيح وانه سليم أم سقيم، وحتى جنسه (المذكر والمؤنث) لا يمكنه معرفته إلى مراحل متأخرة من حياته في الرحم. إنَّ القرآن يخاطب الانسان في هذه الآية ويقول: يا أيها الانسان انك لا تعلم عن غداك شيئاً ولا تعلم في أي أرض تموت، وعليه فكيف تتوقع أن تعرف عن جميع مافي العالم وعلمك محدود؟! * * * وقد تحدثت الآية الثالثة عن تسبيح جميع الكائنات لله، فجميعهاـ بلسان حالها وبالنظام الدقيق والعجيب الذي يهيمن عليها ـ تحمد وتثني على الله وتشهد بنزاهته عن أي نقص وعيب، وتملأ العالم بلسان حالها ـ أو بلسان قالها اضافة الى لسان حالها ـ بهمهمة التسبيح والتحميد، وكل ذرة في هذا العالم بلا استثناء لها عقل وعرفان وشعور خاص بها، تحمد الله وتثني عليه بمعرفة، وقد شرحنا هذين الرأيين في تفسير الأمثل(2). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - مجمع البيان المجلد الثامن، ذيل الآية (34) من سورة لقمان. 2 - في ذيل الآية (44) من سورة الاسراء، (الجزء 12 الصفحة 133). [98] وعلى أي حال، فانا لا نستطيع فهم لسان حال الموجودات لأننا لا نعرف كل شيء عن أسرار هذا العالم ونظامه، كما لا نستطيع فهم لسان قالها أيضاً. وعلى هذا، فالعالم مليءٌ بالهمهمة والألحان الالهية ونحن غافلون عن ذلك لأننا لا نحط به خبراً، وهذا دليل واضح على كون علمنا البشري محدوداً. * * * وتحدثت الآية الرابعة عن "الجهاد" وتقول للذين يكرهون الجهاد: أنتم تجهلون "الخير" و"الشر" ولا تميزون بينهما، فانكم أحياناً ما تكونون في حرب مع مصالحكم وقد تتقدمون نحو الشر حبّاً ورغبةً فيه، وهذا دليل واضح على علمكم المحدود حيث انكم لا تميزون احياناً بين ما هو شرٌ لكم عمّا هو خيرٌ لكم، إلاّ أن الله يعلم ذلك وقد اوضح بواسطة الوحي (الذي هو أحد مصادر المعرفة) وبيّنَ لكم ما فيه خير وما فيه شر. إن الآية الخامسة مع إشارتها إلى عظمة خلق السموات والارض وبيانها لحقيقة أن خلقهما أعظم وأهم من خلق الانسان، أشارت الى عدم معرفة أكثر الناس لهذه القضية، هذا في الوقت الذي كانت فيه معلومات الانسان بصورة عامة والحجاز بصورة خاصة اتجاه خلق السموات والارض محدودة، ولعلهم كانوا يتصورون النجوم آنذاك مسامير فضية في سقف السماء، واليوم حيث توسعت معلوماتنا اتجاه خلق السموات والارض، فان معلوماتنا لا زالت محدودة. * * * والآية السادسة بعد أن أشارت إلى قضية الطلاق والعدّة وضرورة بقاء المطلقة في بيت الزوج عند اعتدادها بالعدة الرجعية، تقول: قد يحدث الله أمراً جديداً في هذه الأثناء أي اثناء مجاورتها لزوجها السابق الأمر الذي قد يؤدي الى الصلح بينهما. والملفت للنظر هنا هو أن مخاطب الآية نفس الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فاذا كان [99] الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع علمه الواسع يُخَاطَب بخطاب كهذا فما حال باقي أفراد البشر؟! وهذا دليل على قصور العلم البشري الى مستوى بحيث لا يستطيعون أن يعلموا بمستجدات يومهم اللاحق. * * * وفي الآية السابعة يؤمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يقول: إني لا أملكُ لنفسي نفعاً ولا ضرّاً، وأن يعترف: إنّي لا أعلمُ الغيب (إلا ما علمني الله) واني لو كنت أعلمُ الغيب لاستكثرت وازددتُ من الخير لنفسي وما مسني ضرٌّ وما حصلت لي مشكلةٌ. إن هذا الحديث قاله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما كان أهل مكة يسألونه عمّا اذا كان يوحى إليه فلِمَ لا يعلم ما سيؤول إليه امر ارتفاع وآنخفاض اسعار السِّلع او الجفاف وهطول الغيث في المناطق المختلة كي تستزيد من الخير وتنتفع أكثر، فأجابهم: إنّ عالم الغيب هو الله وهو صاحب العلم غير المحدود. عندما يعترف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع علمه الواسع حيث يقول الله تعالى فيه (وعلمك ما لم تكن تعلم) ـ النساء 113 ـ بأني لا أعلم من الغيب (وهو الأمر الخارج عن الحس) إلاّ ما علمني الله فكيف حال بقيّة البشر؟! * * * والآية الثامنة بعد أن بينت أحكام إرث الاولاد والأب والأم في حالات مختلفة ذكرت: حتى انفسكم لا تعلمون أيّاً من الأب والأم أو الاولاد أنفع لكم؟ وأيهم أحق بأموالكم كي يخصص له سهم أكثر. نعم، لستم على بينة بمصالحكم الشخصية، لهذا السبب لا تستطيعون أن تسنّوا قوانين دقيقة تليق بمقام الارث وغيره. إن المَقِنّن يجب أن يكون الهاً محيطاً بِكل اسرار وجود. نعم، إن قصور علم البشر بدرجة لا يستطيع أن يسن قوانين [100] تحافظ على مصالحه، ولهذا نرى أن القوانين البشرية في حالة تغيير دائمي، فاذا كان الانسان يجهل مصيره الى هذا الحد، فكيف به اتجاه الموجودات الاخرى التي في الكون؟ وأخيراً، فان تاسع وآخر آية في البحث تحدثت عن العلم الالهي اللامتناهي، وصوّرت اللانهاية في الاذهان بحيث يستطيع حتى الذي لم ينل من العلم إلاّ القليل بل وحتى الأُمي أن يرسم في ذهنه صورة عنها. بالرغم من صعوبة تصور اللانهاية حتى للعلماء، حيث قالت: لو أن ما في الارض من شجر يصير قلماً رغم أن الاشجار قد يصل عددها الى مليارات (بل قد يُصنع الملايين من الاقلام من شجرة واحدة: وبالرغم من أنّ حوضاً صغيراً قد يملأ الملايين من الدواة فكيف بالمحيطات والبحار، واضافة الى هذا كله، لو اجتمعت الملائكة وكُتاب الانس والجن على أن يكتبوا بهذه الاقلام وهذا الحبر كلمات الله وعلمه ما استطاعوا وسوف تنصرم الاقلام وينتهي الحبر وما زالت كلمات الله جل جلاله وعلومه في بداية الدفتر، هذا من جهة. ومن جهة اخرى فأنّنا نعلم أن المراد من كلمات الله هو الكائنات الموجودة في العالم، وعلى هذا فالآية دليل واضح على سعة العالم وقصور علم البشر. * * * نتيجة البحث: إن ما يستخلص من الآيات السابقة هو أن معرفة الانسان وعلومه رغم سعتها بحد ذاتها ورغم ازديادها كل يوم بل كل ساعة ولحظة، ورغم امتلاء الدنيا بالمدارس والجامعات والمكتبات ومراكز التحقيق، رغم هذا كله فان معلومات الانسان بالقياس الى مجهولاته كالقطرة بالنسبة للبحر. إذا لم يكن الانسان عارفاً بخيره وشره ونفعه وضره ولا بِكُنْهِ روحه التي هي أقرب إليه من أي شيء آخر، ولا بالحوادث المقبلة عليه، ولا بساعة موته، [101] فكيف يمكنه أن يعرف ما يدور في الكواكب البعيدة في العالم اللا متناهي. ومما لا شك فيه ان جهل الانسان بهذه الامور لا لعجزه بل لسععة الكون، وقد يكون انكار البعض لنظرية امكان المعرفة نشأ من خلطهم بين هذه المسألة ومسألة قصور العلم البشري واقترانه بالاخطاء. إن القرآن كما يدعوا الى العلم والمعرفة ويؤكد على أن باب العلم مفتوح للجميع، يصرح بقصور العلم البشري، هذا النقص والقصور اللذان يدعوانه الى الاعتراف بعظمة الكون وخالقه وبحاجته الى الرسل واصحاب الوحي. ونختم هذا الحديث بجملة قالها الامام الحسين(عليه السلام) في دعائه المعروف يوم عرفة، حيث يقول هناك: "إلهي أنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيراً في فقري، الهي أنا الجاهل في علمي، فكيف لا أكون جهولا في جهلي". * * * 3 ـ الفلاسفة والعلماء يشهدون بقصور العلم البشري: إنّ كون علم البشر محدوداً أمرٌ مسلم به ولا حاجة الى الدليل، إلاّ انه بالالتفات الى النقاط التالية يتّضح لنا الامر أكثر: 1 ـ إن قدرة حواس الانسان محدودة، فالعين رغم أنها أهم وسيلة للمعرفة في الامور الحسية فهي لا تستطيع رؤية شيء من بعيد، إضافة الى أن عدد الألوان التي يشاهدها الانسان محدودٌ جداً لأن الالوان ما فوق البنفسجية وما تحت الحمراء بالرغم من كثرتها فلا قدرة للعين على رؤيتها. كذلك بالنسبة للاذن فانها لا تسمع كل شيء بل تسمع أمواجاً صوتية محدودة، وبمجرد ارتفاع أو هبوط درجة ارتعاش الأمواج فسوف لا نسمع شيئاً، وكذا الحال في بقية الحواس. [102] إننا بالعين المجردة نستطيع رؤية عدة آلاف من النجوم في السماء الدنيا فقط، بينما هناك المليارات من النجوم. صحيح أن الوسائل العلمية ضاعَفَت من قدرة الحواس، إلاّ انها هي بدورها محدودة القدرة أيضاً. 2 ـ إن قدرة ادراكنا وأفكارنا محدودة وما وراءها فهو مجهول عندنا على الاطلاق، وهذا الأمر يصدق حتى بالنسبة الى اكثر الناس علماً وذكاءً فان قدرة فكره وإدراكه تكون محدودة ايضاً. 3 ـ من جهة ثالثة فان العالم واسع بدرجة لا يمكننا استيعابه، ونستطيع أن نقول: إن علمنا كلما ازداد، ازداد عظمة العالم في افكارنا. ولأِدراك عظمة هذا العالم (الى المستوى الذي يصل إليه فكرنا) يكفي ان نعرف أن المنظومة الشمسية والنجوم التي نشاهدها حولنا جزء من المجرّة التي تسمى بدرب التبّانة (المجرّات أو مدن النجوم مجموعة ضخمة من النجوم التي تشكل عالماً خاصاً لنفسها). وفي هذا المجرة ـ على ما يقوله العلماء ـ يوجد أكثر من مائة مليارد نجمة! والشمس بالرغم من عظمتها ونورانيتها تعتبر فيها من النجوم المتوسطة الحجم. ونفس هؤلاء العلماء يقرّون ـ وبالاستعانة بالتلسكوب والحسابات الكمبيوترية ـ أن هناك مليارد مجرة في هذا العالم تقريباً(1)! إنّ ذكر هذه الأرقام سهل على اللسان لكن ما أصعب تصوره؟! وينبغي أن لا ننسى أن معلوماتنا عن هذه المجرات والنجوم الهائلة تدور حول محور الأرض فكيف بنا اذا تجاوزناها؟! 4 ـ ومن جهة رابعة فان عالمنا هذا له بداية ونهاية فلا يعلم أحد عن المليارد ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - جاء في كتاب (هل وكيف ولماذا) أن الفكليين يعتقدون بوجود عدد كبير من المجرات قرب مجرتنا وبعضها اكبر وبعض أصغر حجماً وقد كشفت التلسكوبات القوية والحاسوبات العادة للنجوم عن وجود مليارد مجرة تقريباً في هذا العالم. [103] سنة الماضية ولا عن المستقبل شيئاً، فهو كالسلسلة بدايتها الأزل وتمتد الى عمق الأبد، وما نعرفه هو حلقة واحدة من هذه السلسلة وهي الحلقة التي نعيش فيها، وما ماضيه أو مستقبله إلاّ كشبح مطبوع في أذهاننا. صحيح أن الانسان ـ وبدعوة من فطرته ـ في سعي مستمر لتحصيل علم أكمل وأشمل عن نفسه وعن العالم، وأنه قد جمع خلال آلاف السنين الماضية معلومات كثيرة ادخرها في خزائن المكتبات الكبيرة والصغيرة. وصحيح أن بعض المكتبات كبيرة إلى مستوى بحيث يصل مجموع طول اقفاص الكتب فيها الى مائة كيلومتر (كما هو الحال بالنسبة لمكتبة المتحف الانكليزي)! وقد يصل عدد الكتب في بعضها إلى ستةُ ملايين كتاباً (كما هو الحال بالنسبة لمكتبة باريس). بل قد يصل العدد الى خمسة وعشرين مليوناً (كما هو الحال بالنسبة للمكتبة الامريكية المعروفة)، وقد يصل فهارس الكتب فيها الى جعل مكتبة كبيرة لها، وقد يصل الأمر بالبعض أن تُستعمل وسائل النقل فيها للتنقل بواسطتها من مكان الى آخر! لكن بالرغم من كل هذه المعلومات عن العالم وأسراره، فان مجموعها لا يشكل إلاّ كقطرة من محيط كبير للغاية. * * * ولا بأس أن نشير هنا الى شهادات بعض العلماء في هذا المجال كي يعرف ان ما ذهبنا إليه معترف به عند الجميع. 1 ـ يقول "كريس موريس" الطبيب والعالم النفساني في كتابه "سر خلق الانسان": "عندما نفكر بالفضاء اللامتناهي، أو الزمان السرمدي، أو الطاقة العجيبة المودعة في الذرة، أو بالعوالم غير المحدودة والتي تسبح فيها كواكب كثيرة، أو [104] بقدرة تشعشع بعض الكواكب، او بقوة جاذبية الأرض، او بالقوانين الاخرى التي يرتبط قوام العالم بها، عندما نفكر بهذه ندرك مدى ضعفنا ونقصان علمنا"(1). 2 ـ ويذكر الدكتور "الكسيس كارل" في كتابه "الانسان ذلك المجهول": "إنَّ المساعي التي بذلت في العلوم التي تدرس الانسان لم تصل الى نتيجة مطلوبة، ومعرفتنا لأنفسنا ما زالت ناقصة الى حد كبير"(2). ولهذا السبب جعل "الانسان ذلك المجهول" عنواناً لكتابه القيّم، فاذا كانت معرفة الانسان عن نفسه محدودة الى هذه الدرجة، فواضح ما حال معرفته عن الأكوان والعوالم الاخرى. 3 ـ ويقول العالم المعروف "وليام جيمس": "علمنا قطرة، وجهلنا بحر عظيم". 4 ـ ويقول الفكلي المعروف "فلا ماريون": "أستطيعُ أن أهييء أسئلة ولمدة عشر سنوات عن مجهولات "لا تستطيعون الاجابة عليها"(3)! 5 ـ ويضيف في كلام آخر له: "نحن نفكر لكن ما هو فكرنا؟ ونمشي، لكن ما هو عملنا العضلي هذا؟ لا أحد يعلم بذلك. أرى أنّ ارادتي قدرة غير مادية، لكنني عندما أريد أن أرفع يدي أرى أنّ الارادة غير المادية تحرك يدي والتى هي عضو مادي، كيف يحصل هذا؟ وما هي الواسطة التي تحول الطاقة غير المادية الى مادية؟ لا يوجد من يجيب على هذا السؤال"(4). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - "سر خلق الانسان" الصفحة 87 (بالفارسية). 2 - "الانسان ذلك المجهول" الصفحة 5. 3 - "على اطلال المذهب المادي" الصفحة 138. 4 - المصدر السابق. [105] إذا كانت معلوماتنا تجاه أوضح وأبسط الامور اليومية هكذا، فما هو الحال بالنسبة للقضايا المعقدة أو البعيدة عن متناول أيدينا زماناً ومكاناً. 6 ـ يقول (انشتاين" الرياضي المعروف والمكتشف لنظرية النسبية والبُعد الرابع، في أحد كتبه: "لقد علّمنا كتاب الطبيعة الذي نقرأه الكثير من الأمور وقد عَرِفْنَا أُسس لغة الطبيعة ... لكن رغم قرائتنا للمجلدات وفهمنا لها فانا مازلنا بعيدون عن كشف أسرار الطبيعة"(1). وينبغي هنا اضافة هذه الجملة على الشهادات السابقة: من العجيب حقّاً أن كل اكتشاف جديد يحصل في هذا العالم يزيد من مجهولات الانسان، وبعبارة اُخرى إن اكتشافات العلماء في مختلف المجالات كاكتشاف مكتبة جديدة، أو اكتشاف كنز قيم في نقاط مختلفة من الارض. وبديهي فاننا إذا اطلعنا على وجود مكتبة في احدى المدن، أو كنز قيم في خربة فقد أزلنا النقاب عن مجهول واحد، لكن الآلاف من المجاهيل تكشف عن نفسها آنذاك، مثل عدد الكتب ومحتواها وكُتّابها وشخصياتهم وقضايا اخرى من هذا القبيل، كذا الحال بالنسبة للكنز فاذا اطلعنا على وجوده تبلورت مجاهيل عنه في أذهاننا مثل نوعيته ومحتواه ... لا نذهب بعيداً، فان عالم الكائنات المجهرية (المكروبات والبكتريا والفايروسات) كان في يوم ما مجهولا كلياً، وعندما خطا (باستور) الخطوة الاولى عند كشفه لبعض من هذه الكائنات انجلى امامه عالم كبير من المجهولات. إن اكتشاف الكواكب "اورانوس" و "نبتون" و "پلوتون" في المنظومة الشمسية وكذا كشف المجرات الجديدة كلها من قبيل كشف (باستور) لعالم ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - خلاصة الفلسفة النسبية. [106] الكائنات المجهرية. ومن هنا يجب الاذعان والاعتراف بأن العلوم البشرية كنور الشمعة وان حقائق هذا العالم العظيم كنور الشمس بل أعظم! ومن هنا ينبغي القول: (سُبْحانَكَ اللّهُمّ لا عِلْمَ لَنا الا ما عَلَّمتَنا). ونختم هذا الحديث بكلام عظيم لمتكلم عظيم ألا وهو الامام أمير المؤمنين(عليه السلام)، حيث يقول في خطبة الاشباح: "واعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السُّدَدِ المضروبة دون الغيوب، الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله ـ تعالى ـ إعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمّى تركهم التعمّق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً، فاقتصر على ذلك ولا تُقدّر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين"!(1). * * * تذكير: إنّ الالتفات الى كون علم البشر محدود لهُ آثار ونتائج ايجابية بنّاءة، نعدها هنا: 1 ـ عدم الاغترار العلمي: نعلم أن البشر قد واجه مصائب كثيرة من جراء غروره العلمي، ومثاله ما ظهر في حدود القرن الثامن عشر الميلادي في اروبا فعندما حصلت طفرة في العلوم الطبيعة آنذاك، تصور بعض العلماء أن جميع ألغاز الكون قد حلت وأن أسرار قد كُشفت، ولهذا أنكروا كل شيء يكمن وراء معلوماتهم، بل سخروا من جميع الامور التي لا تدخل في اطار معلوماتهم، وقد وصل انكارهم الى حد حيث قال بعضهم: لا نؤمن بوجود الروح مالم نشاهدها تحت سكاكين الجراحة في غرفة العمليات، أو بما أن الله لا يدرك بالحس فلا وجود له! ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نهج البلاغة، الخطبه 91. [107] إن هذا النوع من الغرور خلق مشاكل كثيرة. ولأمر الوحيد الذي يمكنه ان يحطم هذا الغرور العلمي هو الالتفات الى ضآلة العلوم البشرية بالقياس الى المجهولات، طبقاً للأدلة التي ذكرت سابقاً. إن الالتفات الى هذه الحقيقة هو الذي جعل العلماء المتعمقين أن يعترفوا بما قاله أحدهم: "إن علمي وصل الى مستوىً حيث أعلم أني لا أعلم" و "معلوماتي صفر والمجهولات بالقياس لها غير متناهية". 2 ـ الحركة العلمية الأسرع: إن الالتفات الى هذه الحقيقة يسوق الانسان نحو السعي الاكثر والجهاد المرير لحل ألغاز عالم الوجود، خاصة وأنّه يرى أن أبواب العلم مفتوحة أمامه، ولا ييأس من الحصول على علوم اكثر. وَمن الواضح أن الانسان لا يسعى وراء الكمال مالم يشعر بالنقص، ولا يسعى وراء الدواء مالم يحس بالألم، ولهذا يقال: إن الاحساس بالألم احدى نِعَم الله العظيمة، وان أسوء الأمراض هي تلك التي لا تتزامن مع الألم لانه لا يطّلع عليه إلاّ بعد أن انقض عليه المرض وأهلكه. إن الالتفات الى ظئالة العلم البشري يخلق عند الانسان ردّ فعل ايجابيّ يدفعه نحو التحقيق والتفحص أكثر فأكثر، وقد يكون هذا الأمر هو أحد أهداف القرآن الكريم عند تأكيده على نقصان العلم البشري. 3 ـ الالتفات الى مبدأ أسمى: من الآثار الايجابية التي يتركها الاحساس بالنقص العلمي على كل فرد هو أن الانسان شاء أم أبى يجد نفسه بحاجة الى مبدأ أعظم تكون عنده جميع أسرار العالم مكشوفة، وألغازه محلولة، إن هذه القضية تهيء الأرضية لقبول دعوة الانبياء، وتفتح امامه سبلا للعلم وراء سبله البشرية. على أي حال، إن الالتفات إلى كون علم البشر محدوداً مع غض النظر عن كونه حقيقة، له آثار تربوية وايجابية جمة. * * * [108] [109] مصادر وسُبُل المعرفة (مصادر المعرفة الستة) الحس والتـــــجربة العقل والتـحليل المنطقي التاريخ المدون وغير المدون الفــــطرة والوجــــدان الوحــي والخطاب الإلهي الكشـــف والشهــــود [110] [111] 2 ـ مصادر وسُبُل المعرفة (مصادر المعرفة الستة) الحس والتـــــجربة العقل والتـحليل المنطقي التاريخ المدون وغير المدون الفــــطرة والوجــــدان الوحــي والخطاب الإلهي الكشـــف والشهــــود [112] تمهيد: بعد ما ثبت لنا امكان المعرفة والوصول إليها اجمالا، جاء الدور للبحث عن سبلها وبتعبير آخر عن مصادرها ومنابعها التي تمكننا منها، لأننا بالاستعانة بهذه السُبُل يمكننا تبديل "الواقعيات" الى "حقائق"، وذلك كلا من هذه السُبلُ معلم وهاد يرفع الحجاب عن أسرار العالم ومجهولاته. وقبل كلّ شيء ينبغي معرفة رأي القرآن في المسألة، لان محور دراستنا هذه هو التفسير الموضوعي والتحقيق في تعليمات القرآن. وقد وصلنا بالتحقيق والتتبع الدقيق في الآيات المختلفة والمتناثرة في القرآن الكريم إلى هذه النتيجة وهي انّ طرق المعرفة ومصادرها في القرآن الكريم تتلخص في ستة أمور: 1 ـ الحس والتجربة (الطبيعة) 2 ـ العقل والتحليل المنطقي 3 ـ التاريخ المدون وغير المدون 4 ـ الفطرة والوجدان 5 ـ الوحي والخطاب الإلهي 6 ـ الكشف والشهود [113] المصدر الأوّل الحس والتجربة [114] [115] 1 ـ الحس والتجربة لنستمع خاشعين في البداية الى الآيات التالية: 1 ـ (اَفَلَمْ يَنْظُرُوا اِلى السَماءِ فَوقَهُم كَيْفَ بَنينَاها وَزَيَّنّاها وَمَا لَها مِنْ فُرُوج) (ق / 6) 2 ـ (اَوَ لَمْ يَنْظُروا في مَلَكُوتِ السَّمواتِ وَالاَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيء) (الاعراف / 185) 3 ـ (اَفَلا يَنْظُرونَ اِلى الاِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَاِلى السماءِ كَيْفَ رُفِعتْ * وَاِلى الاَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) (الغاشية / 17 ـ 20) 4 ـ (فَانْظُر اِلى آثارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْييِ الاَرْضَ بَعْدَ مُوتِها) (الروم / 50) 5 ـ (فَلْيَنْظُرِ الاِْنسانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ ماء دافق) (الطارق / 5 ـ 6. 6 ـ (فَلْيَنْظُرِ الاِْنسانُ اِلى طَعامِهِ * اَنّا صَبَبْنَا الماء صبّا * ثُمّ شَقَقنا الارضَ شَقاً * فَاَنْبتنا فيها حبّاً * وَعِنَباً وَقضباً) [116] (عبس / 24 ـ 28) 7 ـ (اَوَ لَمْ يَروا اِلى الاَرْضِ كَمْ اَنْبتنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوج كِريم) (الشعراء / 7) 8 ـ (اَوَ لَمْ يَرَوا اَنّا نَسُوقُ الماء اِلى الاَرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تأكُلُ منه اَنعامُهُم وَاَنْفُسُهمْ اَفلا يُبْصِرُونَ) (الم السجدة / 27) 9 ـ (سَنُرِيهم آياتِنا في الآفاقِ وَفي اِنْفُسِهِم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم اَنَّهُ الحقُّ) (فصلت / 53) 10 ـ (اَوَ لَمْ يَرَوا اِلى الطَيرِ فَوْقَهُم صافات وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ اِلاّ الرحمنُ اِنَّه بِكل شيء بَصيرٌ) (الملك / 19) 11 ـ (وَفي الاَرْضِ آياتٌ للمُوقِنينَ * وَفي اَنْفُسكُمْ اَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذاريات / 20 ـ 21) 12 ـ (وَالله اَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ اُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُؤنَ شيئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَمْعَ وَالاَبصارَ والافتدة لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ) (النحل / 78) * * * إنَّ الآيات الواردة في هذا المجال كثيرة جداً، وما ذكر هنا نماذج واضحة في مجالات مختلفة(1). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يمكن الرجوع الى الآيات التالية: (الاعراف / 185)، (ويوسف / 109)، (الروم / 9)، (غافر / 6)، والنحل / 79)، (والشعراء / 7)، (الاحقاف / 33)، (الملك / 19)، (يس / 77)، (الانعام / 6)، (النحل / 78)، (المؤمنون / 78)، (ق / 37)، (الاحقاف / 26)، (هود / 24)، (غافر / 21)، (محمد / 10). [117] * * * شرح المفردات: إنَّ كلمة "ملكوت" ـ على ما يقوله الراغب في مفرداته ـ مصدر "مَلَك" وقد اضيفت لها التاء، وتستعمل في الاشارة الى (ملك الله) فقط دون غيره، بينما جاء في "مجمع البحرين" و"لسان العرب" أن الملكوت يعني "العزة والسلطنة". ويقول البعض: إنها اشتقت من "مُلك" على وزن "حُكْم" وتعني "الحكومة والملكية"، واضيفت لها التاء والواو للمبالغة. وكلمة "قضب" على وزن (جَذْب) ـ وكما جاء في لسان العرب ـ في الأصل تعني "قطع" بحيث قال بعض المفسرين: إنها تعني الخضروات التي تُحصد في فصول مختلفة(1). وكلمة "حُرُز" تعني الارض الفاقدة للنباتات، أو الارض التي لا ينبت فيها نبات، و"جَرَزَ" على وزن (مَرَض) وتعني القَطع ونقل صاحب "لسان العرب" عن بعض أئمة اللغة أن الارض الجرز تطلق على الارض التي قلع نباتها او انقطع عنها المطر. وأما كلمة "افئدة" جمع "فؤاد" وتعني القلب ـ كما يقول الراغب ـ إلاّ أن الفؤاد يطلق على القلب الذي له حالة إنارة وإضاءة، وهذا أمرٌ ملفت للنظر حيث يعد الله القلب المنَّور والمنير من مواهبه، وجدير بالذكر أن صاحب "لسان العرب" ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - "الميزان" الجزء 2 الصفحة 316، و"مجمع البحرين" الجزء 10 الصفحة 440. نُقِلَ عن ابن عباس أن المراد من "القضب" في الآية هو "الرُطَب" الذي يقتطف من النخيل لكن بالنظر الى الآية الاخرى التي اشارت الى نفس الكلمة فان هذا التفسير بعيد. وقال البعض: يحتمل ان يكون المراد منها هو فواكه الشجيرات مثل الخيار والرقي، او جذور بعض المزروعات مثل الجزر والبطاطس. [118] ذكر أن اصلها جاء من "فأد" على وزن (وَعْد ويعني المشوي، وعلى هذا تكون كلمة "فؤاد" إشارة الى العقول التي تتحلى بالأفكار الناضجة! * * * جمع الآيات وتفسيرها: في الآية الاولى يدعو الله الانسان الى الالتفات الى السموات والارض وجمالهما وكيفية بنيانهما والنظام الذي تحكم بهما وإحكامهما واتقانهما وخلوهما من العيب. وفي الآية الثانية يدعو الله الناس الى مشاهدة نظام السموات والأرض والكائنات، وذلك لإيقاظ القلوب للسير في طريق التوحيد ومعرفة الخالق. والآية الثالثة تلقي نظرة من السماء إلى الارض حيث تلفت نظر الانسان الى شيئين: أحدهما خلق الإبل مع كل عجائبه (بالخصوص لاناس يعيشون في محل نزول القرآن). والآخر تسطيح الأرض بحيث تصلح الحياة عليها، ويعتبر القرآن المشاهدة في جميع هذه المراحل منبعاً مهماً للمعرفة. وفي الآية الرابعة والتي يخاطب الله فيها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يلفت نظره الى مسألة نزول الغيث وإحياء الأرض بعد موتها ويقول له: "فانظر الى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها". وفي الآية الخامسة يشير الله الى مبدأ خلق الانسان وأنه يجب ان ينظر من أي شيء خُلِقَ؟ قد خلق من ذلك الماء الدافق، ويذكر المشاهدة هنا هو كوسيلة للمعرفة كذلك. وفي الآية السادسة يأمر الله الانسان بأن ينظر الى طعامه كيف نبت ونضج بواسطة نزول المطر وشق الأرض وخروج النبتة ونضوج الحبوب والفواكه [119] والخضروات، فاذا نظرنا إليها يمكن ان نستنبط كتاباً بحيث إذا دققت في كل ورقة منه لوجدتها كتاباً وسفراً يحكي لك عن معرفة الله. * * * والآيات الست السابقة تدعو الى "النظر" بينما الآيات الخمس التي بعدها تدعو الى "الرؤية" بالرغم من أن كلا منهما يستعملان بمعنى واحد، إلاّ أنه ـ كما يستفاد من قواميس اللغة المعروفة ـ يطلق "النظر" على حركة العين والتطفل والدقة في مشاهدة شيء، بينما تطلق "الرؤية" على نفس المشاهدة(1)، بالطبع ان كلا المفردتين تستعملان بمعنى المشاهدة الحسية تارة وبمعنى المشاهدة الذهنية والفكرية تارة اخرى، إلاّ أنه ينبغي الالتفات الى أن المعنى الاولي لهما هو المشاهدة الحسية. وعلى أي حال، فان الآية السابعة تدعو المشركين لمشاهدة مختلف النباتات التي تنبت أزواجاً أزواجاً في أرجاء المعمورة. والآية الثامنة تدعو المشركين كذلك الى رؤية مياه البحار وحركتها في اطار الغيوم وهطولها منها على الأرض اليابسة وخروج الزرع الذي يستفيدون منه هم وأنعامهم. وقد أشارت الآية التاسعة الى جميع آيات "الآفاق" و"الأنفس"، أي في هذا العالم العظيم وفي العالم الصغير وهو وجود الانسان، وقالت: نحن نريكم آيات الآفاق والأنفس كي يتبين لكم الحق ويتضح. والآية العاشرة دعت الى مشاهدة الطيور وكيفية طيرانها في السماء، فتارة صافّات اجنحتها وتارة اخرى قابضات اجنحتها، وهذا الأمر هو الذي يجعلها تطير في السماء خلافاً لجاذبية الأرض، كما أن طيرانها بسرعة تارة بصف ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يراجع مفردات الراغب ولسان العرب مادة "نظر". [120] الاجنحة واخرى بقبضها، وكأن هناك قدرة غامضة تدفعها الى الأمام، ولكل من الطيور شكلها الخاص بها والوسائل الضرورية لحياتها. والآية الحادية عشرة لفتت الأنظار الى مسألة خلق الأرض ومن ثم خلق الانسان الذي يعتبر عالَماً عظيماً ومليئاً بالضجيج رغم صغر حجمه، وتوبخ الذين لا يبصرون رغم انهم قادرون عليه بخطاب "أفلا يبصرون". (ينبغي الالتفات الى أن "البصيرة" جاءت من مادة "بصر" الذي يعني "العين" أن "بصر العين"، ورغم استعمالها بمعنى "النظر" و"الرؤية" إلاّ انها تختلف عنهما بالتأكيد على عضو البصر وقوته. لكنها كالمفردتين السابقتين قد تستعمل بمعنى المشاهدة الباطنية والفكر). وأخيراً، فان الآية الثانية عشرة تؤكد على الأعضاء الثلاثة أى الأذن والعين والقلب وسائل أساسية للمعرفة وهذا دليل واضح على اعتبار المشاهدة والحس وسائل اساسية للمعرفة. * * * النتيجة: إن الآيات السابقة والتي غالباً ما تحدثت عن قضية التوحيد ومعرفة الله، أمرت الناس بسلوك طريق المعرفة والتوحيد وأن يفتحوا أعينهم جيداً، ويروا اسم "الله" على جبين كل موجود في هذا العالم، ويشاهدوا الأنظمة الدقيقة التي تتحكم بالعالم، ومن ثم يصلوا ـ بواسطة برهان النظم ـ لا الى معرفة ذات الله فحسب، بل صفاته وتوحيده وتدبيره وقدرته وعلمه اللامتناهي. وبالنظر الى أن أهم مسألة في الإسلام هي مسألة التوحيد ومعرفة الله، وأن أهم دليل في القرآن عليها هو برهان النظم، وأهم منبع لبرهان النظم هو الطبيعة والمخلوقات فمن هنا تتضح أهمية الحس والمشاهدة والتجربة من وجهة نظر القرآن الكريم. [121] وقد استعان القرآن كثيراً بـ "المشاهدة الحسية" ليس في مسألة التوحيد فحسب بل في مسألة المعاد أي ثاني أهم مسألة في الاسلام أيضاً، وقد صوّر لنا لقطات من المعاد بالاستعانة بنفس الطبيعة المشهودة لنا، كما جاء ذلك في سورة (ق) حيث يقول تعالى: (وَنَزّلْنا مِنَ السَّمَآءِ ماءاً مُبارَكاً فانبتنا به جَنّات وَحَبَّ الحَصِيدِ * ... وَاَحيينا به بَلْدَةً مّيتاً كَذَلكَ الخُرُوج): اي في يوم القيامة (ق / 9 ـ 11). كما ـ وانه للكشف عن عاقبة الظلم والجور وأهلها ـ دعا الله الناس لمشاهدة ما خلَّف هؤلاء من آثار ومشاهدة مدنهم الخربة. هذا كله تأكيد من القرآن على ضرورة الاستعانة بـ "الحس والمشاهدة" كمصدر للمعرفة (دققوا). * * * ايضاحات: الفلاسفة ومصدر الحس: هناك اختلاف كبير في وجهات نظر الفلاسفة فيما يخص قضية اطّلاعنا على العالم الذي يحيط بنا وما هي المراحل التي نطويها للوصول الى هذه المعرفة؟ ومن أي مصدر نصل إلى أذهاننا؟ إن أكثر الفلاسفة عدّوا الحس أحد مصادر المعرفة رغم ظهور قطبين على طرفي الافراط والتفريط في هذا المجال. 1 ـ "الحسيون" حيث يعتبرون الحس الطريق الوحيد للمعرفة وينكرون المصادر الاخرى كالعقل. "إن هؤلاء الذين ظهروا في القرن السابع عشر أنكروا قيمة البرهان القياسي العقلي، واعتبروا اسلوب التجربة الاسلوب الوحيد والسليم والمعتمد عليه في هذا المجال، وتعتقد هذه المجموعة بعدم أصالة وتجذر الفلسفة النظرية العقلية المستقلة عن العلوم التجريبية، ويعدون العلم ثمرة الحواس فقط، والحواس لا [122] تتعلق إلا بظاهر وعوارض الطبيعة، إذن لا اعتبار للمسائل الفلسفية الأولية، وذلك لأنها نظرية وعقلية بحتة وتتعلق بالامور غير المحسوسة، ولا يدرك الانسان هذه المسائل نفياً او اثباتاً"(1). إن الماديين ومن ضمنهم أتباع المذهب "الدياكتيكي" من المتحمسين لهذه النظرية، فهم يقولون: "إذا انقطت جميع قنوات التأثير الخارجي عن حسّنا، فهذا يعني انا سوف لا نعرف شيئاً، وسيعجز الذهن عن جميع نشاطاته، وتبقى معرفة الواقعيات أمراً محالا، وعلى هذا فالحس منشأ المعرفة ومبنى أحكامنا اتجاه أي مسألة، فينبغي القول أن الحس منبع المعرفة بل منبعها الوحيد(2). 2 ـ المجموعة الاخرى هي التي تقع في الطرف المقابل للمجموعة الاولى تماماً وهي التي لا تولي أي أهمية للحس في مجال المعرفة. يقول "دكارت": "لا نستطيع الوثوق بالمفاهيم التي وصلتنا من الخارج بواسطة الحواس الخمسة بأن لها مصداقاً خارجياً أم لا، واذا كان مصداق فلا يقين لنا بتطابقه مع الواقع"(3). "مسار الحكمة في اوربا: يعتقد "دكارت" ان محسوسات الانسان لا تتطابق مع الواقع، وان الحس هو وسيلة ارتباط بين جسم الانسان والخارج، ويرسم لنا صورة كاذبة عن العالم، فهو يعتقد أن المفاهيم النظرية هي أساس العلم الواقعي"(4). والخلاصة: ان هذه المجموعة تعتقد أن المعقولات فقط لها قيمة علمية ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - اصول الفلسفة واسلوب الواقعية للشيخ المطهّري، الجزء 1 الصفحة 6 (مع تلخيص قليل). 2 - المادية الديالكتيكية "نيك آئس"، الصفحة 302، (ملخص) ـ بالفارسية ـ 3 - "مسار الحكمة في اوربا" الجزء 1 الصفحة 172 (مع تلخيص) ـ بالفارسية ـ . 4 - "مسار الحكمة في اوربا" الجزء 1 الصفحة 172 (مع تلخيص) ـ بالفارسية ـ . [123] يقينية، اما المحسوسات فلها قيمة علمية غير يقينية(1). إن المجموعةَ الاولى تستند على أخطاء العقل النظري والاختلاف الفاحش بين العلماء في المسائل العقلية، بينما تستند المجموعة الثانية على أخطاء الحواس، حيث يذكرون أعداداً لا تحصى من أخطاء حاسة البصر التي تعتبر أهم وأوسع حس للانسان. لكن ممّا لا شك فيه أن كلتا المجوعتين خاطئتان، ونوضح ما ندعيه بصورة مضغوطة ونقول: بالنسبة للحسيين يمكن حصر أهم اشكالاتهم في النقاط التالية. 1 ـ إنّ كلّ انسان عند مشاهدته للموجودات الخارجية يواجه مجموعة من الحوادث والقضايا الجزئية غير صالحة للاستدلال، لأن كل استدلال يجب أن يستند الى قضية كلية. ومن هنا تبدأ وظيفة العقل، حيث يقوم بصياغة كلية من هذه الجزئيات، فمثلا نلاحظ أن قطعة الحجر تكسر الزجاج العادي في ظروف مختلفة، فهذه الحوادث الجزئية الحاصلة بالحس تنتقل الى العقل، فيصوغ العقل قاعده كلية اتجاه هذه المسألة، وكذلك الأمر بالنسبة للتجربة في الظروف والازمنة والأمكنة المختلفة التي تكشف عن أن الضوء ينتشر بصورة خط مستقيم، فالعقل يصوغ قاعدة كليّة من هذه الحوادث الجزئية لا وجود لها في الخارج والموجود في الخارج هو مصاديقها لا ذاتها. وعليه فالادراكات الحسية كالمواد الخام التي قد "تحلل" وقد تتركب في مختبر العقل، ومن هاتين العمليتين نحصل على المفاهيم الكلية التي يستفاد منها في المنطق والاستدلال. 2 ـ ممّا لا شك فيه انه ينبغي الاستعانة بالقعل لاصلاح الأخطاء الناشئة من ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - اصول الفلسفة، المقالة الرابعة (قيمة المعلومات). [124] خطأ الحواس، فعندما نقول: إن بصرنا أخطأ اتجاه الاشجار التي نراها متقاطعة من بعيد، فان معيارنا في التخطئة هذه هو العقل. صحيح أن تمييزنا لهذا الخطأ يستند الى الحس أيضاً حيث إننا ندرك خطأ بصرنا من بعيد لأنا طوينا الشارع من اوله الى آخره عدة مرات وشاهدنا الأشجار في طول الشارع متوازية ولم تلتقِ في مكان، لكن هذا الاستدلال الذي يستند الى الحس يقوى عندما يكون اجتماع النقيضين محالا، ويقول بامتناع أن تكون الاشجار متوازية ثم تلتقي في نقطة واحدة، فاستدلالنا بهذا الشكل يثبت لنا خطأ ما نشاهده من بعيد في الحقيقة أن قضية امتناع اجتماع النقيضين التي تدرك بالعقل تشكل حجر الأساس لجميع الاستدلالات، وعليه فلا يؤخد بالدليل الحسي دون الاستناد عليها. 3 ـ فضلا عما سبق، فان ما ندركه بالحس هو ظاهر الأشياء، وما نرى من الجسم بالحس إلا سطحه لا شيء آخر. وعليه فما لم تتدخل الادراكات العقلية لا نستطيع معرفة حقيقة الجسم. قد يقال: صحيح أن الحواس لا فاعلية لها لوحدها بل يجب الاستعانة بالادراكات العقلية حتى في العلوم التجريبية، لكن ينبغي الاذعان الى هذه الحقيقة ـ وهي ان جميع الادراكات العقلية حصلت بواسطة احواس وكما يقول "جان لاك" الفيلسوف الانجليزي المعروف: "لا شيء في العقل لم يوجد قبله في الحس". إن هذه الجملة التي أصبحت مثلا وبقيت ذكرى منه تدل على أن الذهن كان كاللوحة البيضاء في البداية وقد ينقش عليها بعد الك بواسطة الحواس، وأن لا وظيفة للعقل غير "التجريد" و "التعميم" أو "التحليل" و "التركيب" لمدركات [125] الحواس. لكن هذا خطأ فظيع، وذلك لأن علمنا بأنفسنا (الذي هو علم حضوري) لم يحصل بواسطة الحواس، كذلك علمنا بوجود الحواس، أو علمنا باستحالة اجتماع النقيضين لم يحصل عن طريق الحواس، فنحن ندرك محالة أن نكون موجودين ومعدومين في آن واحد وإن لم نملك حواساً، كذا الأمر بالنسبة لقضايا أخرى لا حاجة فيها الى الحواس. وتوجد أبحاث كثيرة في هذا المجال لو أسهبنا فيها لابتعدنا عن هدف هذا الكتاب، وتَطَرُّقُنا لبعضها هنا كان بهدف توضيح نظرية "الحسيين" و "العقليين" الذين يحصروا سبل المعرفة في بُعد واحد، وأن نظريتيهما سقيمتان وأن كلا من "الحس" و "العقل" يشكلان منبعاً ومصدراً للادراك، كما إنعكس ذلك في القرآن المجيد. * * * [126] المصدر الثاني: العقل [127] [128] 2 ـ العقل تمهيد: نُشاهد في القرآن الكريم تعابيرات كثيرة استعملت للاشارة الى هذا المصدر كما يشاهد الكثير من الآيات التي تدعو الناس الى المعرفة بالاستعانة بـ "التفكير". ونذكر هنا بعض تلك التعابير التي استعملت للاشارة الى هذا المصدر المهم للمعرفة. 1 ـ العقل. 2 ـ اللب (وجمعه ألباب). 3 ـ الفؤاد. 4 ـ القلب. 5 ـ النُهى. 6 ـ الصدر. 7 ـ الروح. 8 ـ النفس. كما ان هناك تعابيرات استعملت في القرآن لبيان مهمة العقل مثل: [129] 9 ـ الذكر. 10 ـ الفكر. 11 ـ الفقه. 12 ـ الشعور. 13 ـ البصيرة. 14 ـ الدراية. والآن نبحث كلا من العناوين السابقة في ضمن بحثنا عن الآيات التي وردت فيها تلك التعبيرات (1). * * * لنستمع خاشعين أولا الى الآيات التالية: 1 ـ (كَذلِكَ يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (البقرة / 242) 2 ـ (اِنَّ في خَلْقِ السَّمواتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلافِ الّليل والنّهار لآيات لاُِولي الالباب) (آل عمران / 190) 3 ـ (وَالله اَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ اُمهاتِكُم لا تَعْلَمُونَ شَيئاً وَجَعَلَ لَكُمْ الْسَّمْعَ وَالاَبصارَ وَالأفئدةَ لَعَلّكم تشكُرُونَ) (النحل / 78) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - إضافة الى العناوين والتعابيرات السابقة التي اشير إليها، هناك تعابيرات استعملت في القرآن وأريد بها مراحل الادراك مثل: الظن والزعم والحسبان والتيقن، وعلم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، والتي تبدأ بمرحلة هشة ومتزلزلة من الادراك وتنتهي باليقين الذي هو أعلى مراحل الادراك ولا يتصور درجة ومرحلة أعلى منه. [130] 4 ـ (وَكَمْ اَهْلَكنا قَبْلَهُم مِنْ قَرن هُم اَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فنقبّوا في البِلادِ هَل مِنْ محيص اِنّ في ذلِكَ لَذِكرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ اَوْ اَلقى السَّمعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (ق / 36 ـ 37) 5 ـ (كُلُوا وَارْعَوا اَنْعامَكُمْ اِنَّ في ذلِكَ لآيات لاُولي النُّهى) (طه / 54) 6 ـ (بَلْ هُوَ آياتٌ بَيّناتٌ في صُدُور الّذينَ اُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجحَدُ بآياتِنا الاّ الظّالمونَ) (طه / 49) 7 ـ (فَاِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فيه مِنْ رُّوحي فَقَعُوا لَهُ ساجِدينَ) (الحجر / 29 و ص / 72) 8 ـ (وَنَفْس وَما سوّاها * فَألهَمَها فُجورَها وَتقواها) (الشمس / 7 ـ 8) 9 ـ (وَيبيّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرون) (البقرة / 221) 10 ـ (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الاَعمى وَالْبَصِيرْ اَفَلا تتفكّرُون) (الانعام / 50) 11 ـ (اُنْظُر كَيْفَ نُصَرِّفُ لَهُم الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) (الانعام / 65) 12 ـ (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ في سَبيلِ الله اَمواتٌ بَلْ اَحياءٌ وَلْكِنْ لاّ تَشْعُرُونَ) (البقرة / 145) 13 ـ (اِنَّ الّذينَ اتَّقَوا اِذا مَسَّهُم طائِفٌ مِنَ الشّيطانِ تَذَكّروا فَاِذا هُمْ [131] مُبْصِرونَ) (الاعراف / 201) 14 ـ (وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدري نَفْسٌ بأيِّ أرض تَمُوتُ) (لقمان / 34) * * * شرح المفردات: أصل "العقل" كما جاء في لسان العرب ومفردات الراغب ـ من العقال أي الحبل الذي يُشدْ به ساق البعير لمنعه من الحركة وبما أن العقل يردعُ الانسان عن القيام بالأعمال الشينة اطلقت هذه المفرداة عليه. وقد ذكر صاحب الصحاح أنها تعني "الحُجْر" "المنع" بينما قال البعض كصاحب القاموس: إنها تعني "العلم بصفات الاشياء كالحسن والقبح والكمال والنقصان"، اما صاحب مجمع البحرين فقد فسر العاقل بانه: "الذي يستطيع أن يسيطر على نفسه ويتغلب على أهوائه وميوله". ويظهر أن معناه الاولي هو الصد والمنع ولهذا يقال لمن امتنع لسانه عن النطق "اعتقل لسانه" كما يقال "للدية" "عقل" لأنها تحول دون إهراق دماء أكثر، ويقال للمرأة العفيفة والمتحجبة والطاهرة "عقيلة". يقول "الخليل بن أحمد" في كتابه "العين": إن العقل يطلق على القلعة والحصن أيضاً. كما نلاحظ هنا فان مفهوم الحجر والمنع متضمّن لجميع هذه المعاني، وعليه فاصلة يعني المنع. أما كلمة "اللب" وجمعها "الالباب" ـ كما يقول كثير من أهل اللغة ـ يعني الخال والصفوة من كلّ شيء، ولهذا يطلق على المرحلة الرفيعة من العقل "اللب"، [132] فان كل لب عقلٌ لكن ليس كل عقل لُباً، لأن اللب هو العقل في مراحله الرفيعة والخالصة، ولهذا السبب نُسِبَتْ اُمورُ القرآن الكريم الى "أُولي الألباب" لا تدرك إلاّ بالمراحل الرفيعة من العقل، كما يطلق اللب على باطن كثير من الفواكه لانَّه خالص من القشر(1). وإن كلمة "الفؤاد" ـ كما أشرنا سابقث ـ من مادة "فأد" على وزن (وَعْد) وفي الأصل معناه وضع الخبز على الرماد أو الحصى الحارة، كي يُخبز جيداً، كما يطلق على طبخ وشوي اللحم(2). وعلى هذا فالعقل عندما ينضج يطلق عليه "فؤاد" وجمع "أفئدة". ويضيف الراغب في مفرداته: إن "الفؤاد" يعني القلب مع زيادة وهي الأنارة واللمعان. إن "القلب" ـ كما جاء في القاموس والمفردات والعين ولسان العرب ـ في الاصل يعني تغير الشيء وتحوله، وغالباً ما يستعمل بمعنيين، فتارة يطلق على العضو الذي يتكفل بضخ الدم الى جميع أعضاء البدن، وتارة اخرى يستعمل ويراد به الروح والعقل والعلم والفهم والشعور، وجاء هذا الاطلاق من حيث ان القلب الجسماني والقلب الروحي في حركة وتغيّر مستمرين، وكما يقول بعض أهل اللغة: ما سمي القلب إلاّ من تقلبه ***** والرأي يصرف بالانسان واطوارا! كما أنَّ كلمة "القلب" تطلق على مركز كل شيء مثل: قلب العسكر، لأن لاقلب مركز جسم وروح الانسان، وقد جاء في القاموس أن خالص كلّ شيء يقال له "قلب". وكلمة "النهي" تَعني "العقل" ومن مادة "نهي" على وزن (سَعْي) ويعني المنع من شيء مأخوذ، وقد صرح كثير من أئمة اللغة (كصاحب المفردات ومجمع البحرين ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - لسان العرب والمفردات ومجمع البحرين. 2 - لسان العرب وتاج العروس ومفردات الراغب. [133] ولسان العرب وشرح القاموس) أن هذه التسمية جاءت من حيث أن العقل ينهى عن الأعمال المشينة. وَ"الصدر" في الأصل يعني القسم الأمامي الذي تحت الرأس (في الجسم) ومن ثم اطلق على القسم الأعلى والمقدم لأي شيء، مثل صدر المجلس اي أعلاه، وصدر الكلام أي بدايته، وصدر النهار أي أوله (كما جاء ذلك في المفردات ولسان العرب). إلاَّ أنه قد يستفاد من بعض الكلمات معنى المقدمية والبداية لكل شيء، وعلى كل حال، بما أن العقل عضو مهم ويقع في الجزء الاعلى من البدن أُطلق عليه صدر، خاصة وأن القلب الجسماني يقع في وسط الصدر (العضو المعروف من البدن)، وسنذكر فيما بعد أن هناك علاقة وثيقة بين انقلاب القلب العضوي والانقلابات العقلية. أما كلمة "الروح" فى الأصل تعني التنفس، وبما أن هناك علاقة وثيقة بين التنفس وبقاء الحياة، استعملت بمعنى النفس ومركز العقل وفهم الانسان. وقد صرح البعض أن كلمتي "الروح" و"الريح" اشتقتا من أصل واحد، واذا سميت الروح ـ التي هي وجود مجرد ومستقل ـ روحاً فلذلك من حيث ان الروح كالريح توجد الحيوية والحركة من دون أن تُرى. وَكلِمة "النفس" ـ وكما يقول الرغب وصاحب القاموس ولسان العرب وكتاب العين ـ تعني الروح التي هي مركز ادراكات الانسان، إلا أن القرآن الكريم ذكر مراحِلَ النفس: "فالنفس الامارة" هي النفس التي تأمر الانسان بالمعاصي وترغبه به، و"النفس اللوامة" وهي التي تندم على المعاصي التي ارتكبها الانسان وتوبخه عليها، و"النفس المطمئنة" وهي التي تتحكم بجميع الشهوات والميول وقد وصلت الى مرحلة الاطمئنان. من مجموع ما سبق، يتبين لنا أن القرآن المجيد استعمل مفردات كثيرة [134] للاشارة الى العقل، وكلٌّ من هذه المفردات تشير الى جانب من جوانب هذا الوجود النفساني، وبتعبير آخر فان كلا منها يتعلق ببعد من أبعاد العقل. وبما أنّ هذه القدرة الغامضة تردع الانسان عن الأعمال المشينة وتمنعه عنها قيل لها عقل ونُهى. وبما أنه في حال انقلاب وتحول دائم قيل له "قلب"، وبما أنه في القسم الأعلى من بدن الانسان قيل له "الصدر". وبما أن هناك علاقة وثيقة بينه وبين الحياة قيل له "روح" و"نفس"، وعندما يصل الى مرحلة الاخلاص ويصفو من الشوائب يقال له "لُبّ"، واخيراً عندما تنضج أفكاره يطلق عليه "فؤاد". نستنتج من هذا البيان أن استعمال هذه المفردات المتنوعة في القرآن لم يكن اعتباطاً بل كان منسقاً ومتماشياً مع الموضوع الذي في الآية، وهذا من عجائب القرآن التي يدركها الانسان عند تتبعه لآيات القرآن وتفسيره لها موضوعياً. * * * أفعال العقل: إنَّ "الذكر" النقطة المقابلة للنسيان، وكما يقول الراغب: انه حالة في الانسان تمكنه من حفظ ما أدرك واستحضاره في الذهن عند الحاجة، وهذا المعنى قد يتم بالقلب وقد يحصل باللسان. وإن "الفكر" يعني فعالية العقل، وعلى ما يقوله الراغب: إنه قوة تسوق العلم الى المعلومات، ويعتقد بعض الفلاسفة: أن حقيقة الفكر تتركب من حركتين: حركة نحو المقدمات، ثم حركة من المقدمات الى النتيجة، ومجموع هاتين الحركتين اللتين [135] تؤديان الى العلم والمعرفة يقال لَهُ "الفكر". إنَّ "الفقه" يعني "الفهم" بصورة عامة ـ كما جاء ذلك في لسان العرب ـ إلاّ ان الراغب في مفرداته يقول: انه بمعنى الاطلاع على أمر خفي بالاستعانة بأمر ظاهر وجلي، وعليه فالفقه علم يحصل بالأدلة (بالطبع إن الفقه المصطلح فعلياً هو علم الأحكام الاسلامية). أمّا "الشعور" فيعني العلم والمعرفة ـ كما يقوله بعض من أئمة اللغة كصاحب القاموس ولسان العرب ومقاييس اللغة وغيرهم ـ إلاّ أن الراغب قال في مفرداته: يعني "الاحساس". واذا كان المقصود هو الاحساس الباطني فلا اختلاف مهم بين ما قاله الراغب وما قاله الآخرون في شرح معنى الشهور، وقد جاء الشعور في كثير من آيات القرآن وأُريد به (العلم)، إلاّ انه استعمل في موضع آخر وقصد به الاحساس الخارجي. إنَّ كلمة "البصيرة" اشتقت من البصر، وقد جاءت ـ كما يقول الراغب ـ بثلاثة معان: بمعنى العين، وبمعنى قوة العين، وبمعنى قوة الإدراك والعلم. وقد قال البعض: إن معناها في الأصل هو العلم سواء حصل بالمشاهدة الحسيّة أو بالعقل(1). وتستعمل مفردة "البصيرة" بالخصوص في "الادراك القلبي والعلم"، ولهذا جاء في لسان العرب آنها تعني الاعتقاد القلبي، وقد فسرها البعض بالذكاء الذهني. وقد استعملت بهذا المعنى الأخير في القرآن الكريم حيث يقول: (قُلْ هذِهِ سَبِيْلي أَدْعُوا إِلَى الله عَلى بَصِيرَة أَنا وَمَنِ اتَّبَعَني) (يوسف / 108)(2). وكلمة "الدراية" تعني العلم والخبرة بصورة عامة، أو العلم والخبرة في الامور الخفية والمستترة، كما قد جاءت بمعنى "الكياسة"، كما يستفاد من مقاييس اللغة ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - التحقيق في كلمات القرآن الكريم مادة "بصر". 2 - وقد جاءت في آيات اُخرى واريد منها نفس المعنى كما في الآيات: (14 من سورة القيامة)، و(104 من سورة الانعام)، و(203 من سورة الأعراف)، و(102 من سورة الاسراء). [136] آنها في الاصل تعني الالتفات الى شيء ثمّ استعملت وأُريد منها الخبرة بشيء، وقد استعملت في القرآن الكريم مراراً وقصد بها مفهوم "العلم"، ويستخلص من هذا القسم من بحثنا ان الألفاظ التي استعملت للتعبير عن العقل وأريد منها مفهوم العلم والادراك ألفاظ متنوعة، وكلٌّ منها تُعبّر عن بُعد وجانب من أبعاد وجوانب العقل، وقد استعملت كلٌّ في موردها! فعند البحث عن الخبرة مع الدقة استعملت "الدراية"، وعند البحث عن التحليل والعقلي استعمل "الفكر"، وعند البحث عن أمر خفي ومعرفته بالاستعانة بأمر محسوس استعمل "الفقه"، وعند البحث عن الخبرة المقترنة بالحفظ والحضور بالبال استعمل "الذكر"، وعلى هذا السياق تستعمل كل مفردة في محلها وكل لفظ في مقامه. وينبغي الالتفات هنا الى هذه النقطة وهي أن التعبيرات التي استعملت في القرآن لبيان مهام العقل لها مراحل ورتب، تبدأ بـ "الشعور" ويراد منه الادراك البسيط، ثم مرحلة "الفقه" والذي يعني ادراك المسائل الخفية من المسائل الجليّة، وبعدها تأتي مرحلة "الفكر" ويُراد منه التحليل العقلي، ثم تأتي مرحلة "الذكر" أي الحفظ في الذهن والحضور في البال، ثم مرحلة "النُهى" التي تعني الادراك العميق لحقائق الامور، وتنتهي هذه المراحل بمرحلة "البصيرة" التي تعني النظر الذهني العميق. وهذا هو معنى البلاغة والفصاحة! * * * جمع الآيات وتفسيرها: قيمه العقل في مقياس القرآن: إنَّ أول آية تناولناها بالبحث هنا تؤكد على أن العقل والتفكير هما هدف الخلق، وتكشف عن هذه الحقيقة بالتعبير بـ (لعلَّ) التي تفيد بيان الهدف في موارد [137] كهذا المورد. وقد أكدت بعض الآيات هذا الموضوع ووبّخت الناس على عدم تفكرهم وتعقلهم وآخذتهم بعبارة كهذه: (أفلا تعقلون)(1). وقد تكرر هذا المضمون بصيغة جملة شرطية، حيث يقول تعالى: (قد بيّنا لكم الآيات إن كُنتم تعقلون)(2). إن هذه التعابير المختلفة: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونْ، أَفَلا تَعْقِلُونْ، إنْ كُنْتُم تَعْقِلُونْ)تكشف بوضوح عن هذه الحقيقة وهي: إنّ الله وهب الانسان العقل كي يستعين بقدرته على إدراك الحقائق وفهمها، ويستحق اللوم والتوبيخ إذا ترك الانتفاع بهذه القدرة. والآية الثانية ومن خلال اشارتها الى الله في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار صرحت: ان ادراك هذه الآيات أمر يسير لأُولي الالباب. وكما أشرنا سابقاً، (اُولي الألباب) هم العلماء الذين خلصت عقولهم من جميع ترسبات الأوهام، فهم يدركون وقايع نظام الخلق، ويرون جمال الخلق من خلالِ المخلوقات، وهذا يكشف عن اهمية العقل كطريق لمعرفة الحق لله جلا وعلا. * * * والآية الثالثة، بعد أن أشارت الى خروج الانسان من بطن اُمّه لا يعلم شيئاً شرحت وسائل المعرفة، فبدأت بقوة "السمع" الذي تُعرف علومه بـ "العلوم النقلية"، من خلال الاصغاء الى أقوال الاخرين، ثم ذكرت "البصر" الذي يميّزُ به ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - (آل عمران: 65)، (الانعام: 32)، (الاعراف: 169)، (يونس: 61)، (هود: 51)، (يوسف: 109)، (الانبياء: 10 و67)، (المؤمنون: 80)، (القصص: 10)، (الصافات: 138). 2 - (آل عمران): 118. [138] الاشياء بعد مشاهدتها ثم ختمت بـ "الفؤاد" الذي تُدرك به الحقائق غير المحسوسة، وقد قلنا سابقاً: إنّ الفؤاد هو العقل عند نضوجه، فهو أعلى درجة من العقل. * * * والآية الرابعة بعد إشارتها الى الأقوام المقتدرة التي بادت، وقد أُهلكوا بطغيانهم وفسادهم، ولم يجدوا مناصاً للقرار قالت: (إنَّ في ذلِكَ (في سيادتهم ثم إبادتهم) لذكرى لمن كان له قلب (أي عقل) أو القى السمع (أي يصغي للنصائح)!. والآية الخامسة بعد الاشارة الى إحياء الارض وانبات الزرع فيها الذي يغذي الانسان ودوابّه، صرحت: إن هذه الامور ايات يدركها أصحاب النهى. وكنّا قد أشرنا الى أنَّ النهى هو العقل بما هو ناه عن فعل الأفعال القبيحة. * * * والآية السادسة بعد اشارتها الى الآيات العظيمة والبيّنة للقرآن، قالت: إن هذه الآيات في صدور (قلوب) الذين أُوتوا العلم، وكما بيّنا من قبل فانَّ الصدر يعني الجزء المقدم والأعلى من كل شيء، وهذا يبيّن أن العقل الذي يعتبر من المصادر المهمة للمعرفة، يشكل أشرف جزء في الانسان. * * * والآية السابعة بعد التلميح الى قضية خلق آدم (عليه السلام) خاطبت الملائكة قائلة: (فاذا سويته ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين). وهذه (الروح الالهية) هي (جوهر العقل)، وقد اضيفت الى الله لأهميتها (ويقال لهذه الاضافة اضافة تشريفية) لأن الله لا روح له ولا جسم، ولأجل هذه [139] الروح الالهية سجد جميع الملائكة المقربين لآدم(عليه السلام)، وإلاّ فالطين والتراب لا قيمة لهما، وهذا تأكيد شديد على أهمية وقيمة العقل. * * * والآية الثامنة تشير الى خلق (النفس) أي الروح والعقل، وتقسم بخالق النفس، ثم تضيف أَن الله ألهم وكشف للنفس طريقيّ الفجور والتقوى بعد أن أوضح لها هذين الطرِيقَ يْن، وهذا تلميح جميل الى الدراكات الفطرية التي جُبِلَ عليها الانسان منذ أن بدأ حياته. كان هذا مجموع العناوين والمفردات الثمانية التي استعملت في القرآن وأريد بها الاشارة في كل مفردة منها الى جانب وبُعد من جوانب وأبعاد جوهر العقل، وقد وضحت هذه العناوين الثمانية الأبعاد المختلفة لهذا المصدر المهم للمعرفة. * * * إِنَّ ما ذكر سلفاً كان بحثاً في جوهر العقل، أما بالنسبة لنشاط ووظيفة العقل، فهنالك تعابيرات عديدة في القرآن كانت قد اختصت بهذا الموضوع وكلٌّ منها تبيّن جانباً من جوانب وأبعاد نشاط العقل، وهي كالتالي: الآية التاسعة بحثت التذكر واعتبرته الهدف من بيان آيات الله، والتذكّر هو الحفظ والخطور في الذهن وهو أحد أهم وظائف العقل، وإذا لم يكن التذكر حاصلا عند الانسان ما استفاد الانسان من علومه شيئاً. وفي هذا المجال نرى تعبيرات مختلفة في القرآن، فقد يذكر الموضوع الاستعانة بالأداة( لعل) التي تفيد بيان الهدف في موارد كهذا المورد، وتاةً اخرى يعبر عن الموضوع باسلوب التوبيخ واللوم مثل (أفَلا تَتَذَكَّرُون)(1) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - كما في سورة (الانعام: 80)، (هود: 24)، (النحل: 90)، (المؤمنون: 85)، (الصافات: 155). [140] وقد يبين الموضوع باسلوب التوبيخ لأولئك الذين لا ينتفعون بالعقل والفكر، فلا يحفظون الحقائق ولا يتذكرونها، كما هو الأمر في: (قليلا ما تَذَكَّرُون)(1). * * * وقد تحدثت الآية العاشرة عن (التفكر) بعد استفهام استنكاري: (قُلْ هَلْ يَسْتَويَ الأعْمىْ وَالْبَصير)؟ وقالت لائمة: (أفلا تتفكرون)، وكما أشرنا سابقاً الى أنَّ الفكر يعني تحليل وتجزئة المسائل للوصول الى أعماقها، وهو سبيل الفهم للأكثر والأفضل. وقد تنوّعت تعبيرات القرآن في هذا المجال، فتارةٌ يكون الاسلوب هكذا (لعَلَّكُمْ تَتَفكَّرُون) (البقرة / 219)، وتارة يكون: (لِقَوْم يَتَفَكَّرُون) (يونس / 24)، (والرعد / 31)، (والنحل / 11)، وتارة اخرى يكون: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ) (الروم / 8). * * * وتحدثت الآية الحادية عشرة عن "الفقه" الذي يعني الفهم العميق، حيث قالت: "انظرو كيف نصرّف الآيات" بأنواع من البينات (لَعَلَّهُم يَفْقَهُونَ) فقهاً عميقاً. وقد جاءت العبارة هنا بصيغة: (لَعَلَّهُم يَفقهُونَ)، كما قد جاءت في مكان آخر بصيغة: (لِقَوْم يَفْقَهُونَ) (الانعام / 98)، وفي آية اخرى باسلوب: (لَو كانُوا يَفْقَهُونَ) (التوبة / 81)، وفي اخرى: (بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ الاّ قَليلا) (الفتح /15) وكلها تبين الأهمية القصوى للفهم والادراك العقلي. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - النحل: 92. [141] وكما قلنا سابقاً، فان كلمة "الفقه" تعني إدراك الامور الخفية بالاستعانة بمشاهدة الامور الجلية. وهذا الادراك هو أحد أبعاد الادراك العقلي. * * * وتحدثت الآية الثانية عشرة عن "الشعور"، فبعد أن نهت المؤمنين عن نعت الشهداء بالأموات قالت: إنهم أحياء ولكن لا تشعرون أي لا تدركون. وقد يراد بالشعور هنا معنى الاحساس الظاهري، أو الاحساس الباطني، وقد استعمل بكلا المعنيين في القرآن المجيد. وقد ذمّ القرآن في موارد مختلفة. اولئك الذين لا يشعرون ولا يستخدمون شعورهم(1). * * * وقد تحدثت الآية الثالثة عشرة عن "البصيرة" بعد ما أشارت الى المتقين، حيث قالت: إنَّ المتقين إذا ما ابتلوا بوساوس الشيطان تذكروا الله وأبصروا وادركوا الحقيقة فنجوا من شباك الشياطين. إن "البصيرة" و"الابصار" هو الرؤية وقد تتم الرؤية بواسطة العين الظاهرة فيكون بصراً حسياً، وقد تتم بواسطة العين الباطنية أي العقل فذلك الادراك العقلي، والمراد من البصر في هذه الآية هو المعنى الثاني. وقد يكون الانسان على نفسه بصيراً: (بَلِ الإِنسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)(القيامه / 14) وقد يكون الرسول وأتباعه بصيرين على ما يدعون إليه: (قُلْ هذِهِ سَبِيلي أَدْعُو إلَى الله عَلى بَصِيرَة أَنا وَمَنِ اتَّبَعَني) (يوسف / 108). وقد استعملت البصيرة في جميع هذه الموارد بمعنى المعرفة الحاصلة عن ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - كما في الآيات الآتية، (الشعراء: 113)، (الحجرات: 2)، (البقرة: 9)، (آل عمران: 69)، (الانعام: 36 و123)، (المؤمنون: 56). [142] طريق العقل قطعاً. * * * وقد تحدثت الآية الرابعة عشرة والاخيرة عن "الدراية" التي تعني الذكاء والخبرة والاحاطة بالمسائل الخفية غير المحسوسة، حيث قالت: (وما تدري نفسٌ ماذا تكسبُ غداً وما تدري نفسٌ بأي أرض تموت). وقد استعملت الدراية في القرآن بصيغ السلب دائماً، ويفيدنا في هذا أن الدراية مرحلة عميقة من الفهم والادراك لا يحصل لكلِّ انسان. * * * نستنتج من الآيات السابقة النتائح الآتية: 1 ـ إنَّ القرآن يعتبر العقل من المصادر الاصلية للعلم والمعرفة، وقد أولاه أهمية قصوى. 2 ـ القرآن يدعو الجميع للتعقل والتفكّر في جميع الامور. 3 ـ التفت القرآن التفاتاً خاصاً الى ماهيّة الارواح وأبعادها المختلفة، وأكّد على كل منها. 4 ـ عبر القرآن عن نشاطات الروح في مجال إدراك الواقعيات تعبيرات مختلفة، وقد استخدم كل تعبير في محله. إلاّ ان القرآن ذكر موانع عديدة تحول دون الادراك الصحيح للعقل، سنبحثها في فصل (حجب المعرفة) ان شاء الله. * * * إيضاحات: 1 ـ الادراكات العقلية برؤية فلسفية: بالرغم من ان أغلب الفلاسفة يعتبرون الدراك العقليأحد المصادر [143] المهمة للعلم والمعرفة، إلاّ أن الفلاسفة الحسيّين يخالفون هذا الأمر، ولا يعيرون للادراكات العقلية أهمية واعتباراً ـ كما أشرنا الى ذلك سابقاً ـ ويحصرون طرق المعرفة بالتجارب الحسية متذرّعين بالحجج الواهية الآتية: 1 ـ اختلاف الفلاسفة في المسائل العقلية، فان كلَّ طائفة منهم تعرض ادلة ظاهرها يوحي بأنها منطقية. 2 ـ وقوع كثير من العلماء بأخطاء معتقداتهم بحيث يضطر البعض للاعتراف بخطئه ويسعى لتصحيحه. 3 ـ كما يجب إضافة أمر آخر الى الأمرين السابقين وهو: إن التقدم والتطور السريع للعلوم الطبيعية في القرون الاخيرة حلَّ الكثير من لاغاز العالم وأسراره عن طريق التجربة الحسية، وهذا الأمر قَوّى فكره الاستناد الى التجربة الحسية (في مجال المعرفة) فقط، وألغى بقيّة الطرق. ونقرأ في (فلسفة التاريخ): إن موضوعاً كهذا الموضوع سبب انكار الحقائق (الحسية وغير الحسية) من قبل السوفسطائيين في اليونان القديمة. فمن جهة نظروا الى اختلاف العلماء، ومن جهة اخرى نظروا الى عوام الناس، فبعضهم يؤيدون إدعاء وكيلي المتنازعين في المحكمة، ويعطون الحق بيد كل من الطرفين وكأن كلا لطرفين على حق، ولهذا قويت عندهم فكرة أن لا حقيقة واقعاً. ينبغي الالتفات الى عدة امور لرفع كل هذا الالتباس: الأمر الاول: هو وجوب فصل "الادراكات البديهية" عن "النظرية" عند التحقيق في مسألة الادراكات العقلية، وذلك لأن الاخطاء لا تحصل في البديهيات، فلا يشك أحد في ان الاثنين نصف الاربعة، ان أن شيئاً لا يمكن ان يكون موجوداً ومعدوماً في آن واحد ومكان واحد، واذا شاهدنا اشخاصاً يشككون في هذا الأمر أو يعتقدون، خلاف ما هو بديهي فهم يتلاعبون بالألفاظ لا اكثر، فيفسرون (النقيضين) او "الضدين" بمعان غير تلك المعاني المتعارف عليها، [144] والا فلا خلاف في اصل الموضوع. الامر الثاني: لا يخطأ الاستدلال إذا استند الى مقياس دقيق، فالخطأ ينشأ عندما يستند الدليل الى مقياس غير دقيق، ولهذا نشاهد الاتفاق الكامل في مسائل الرياضيات وقوانينها، لانها تعتمد على أسس دقيقة، ونمتلك هناك معايير واضحة لامتحان وسقم النتيجة لأي مسألة فالنتائج تكون قطعية كذلك. الأمر الثالث: إن قولنا بوجود أخطاء في الادراكات العقلية، دليل على قبولنا لها لا على نفيها، وذلك لأن مفهوم حديثنا عن الأخطاء في الادراكات هو أننا نقلب بعض الحقائق ونخطّيءُ عقائد الآخرين على أساس تلك الحقائق المقبولة لدينا. مثلا عندما حكمنا بصحة أحد رأيي الفلاسفة المختلفين، فأننا نعلم ان صحة اعتقادين متضادين محال، وهذا إدراك عقلي بديهي، وقضية القائلين: "إن الحس لا اعتبار له لأنه يخطأُ" تماثل هذه القضية، وكما ذكرنا سابقاً، فان تخطئتنا للباصرة في ادراكها لخط دائري ممتد ناشئة عن معرفتنا بأن هذا الخط نقطة نورانية متحركة، وبما أن "النقطة" تضاد "الخط" حكمنا بخطأ الباصرة في ادراكها للخط الممتد، وهذا اعتراف ضمني يوجد حقائق وامكانية ادراكها. وآخر الحديث، نقول: في الحقيقة إن جميع المنكرين للادراكات العقلية يريدون اثبات مدعاهم بنفس الادراكات، أي انهم ينقضون مدعاهم عملياً، وقد هبوا لحرب الادراكات العقلية بنفسها. * * * 2 ـ شأن العقل في الروايات الاسلامية: اكدت الروايات الاسلامية على أنّ للعقل أهمية قصوى أكثر مما هو متوقع، وأشادت به بعناوين مختلفة مثل: أساس الدين، وأكبر غنىً، وأفضل رأس، واعلى قضية، وأفضل صديق، وأخيراً المقياس والمعيار للتقرب الى الله ونيل الثواب [145] الالهي. ونكتفي هنا بذكر اثنتي عشرة رواية فقط من بين عشرات بل مئات الروايات المأثورة والمنقولة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). والأئمة(عليهم السلام). ففي هذا المجال: 1 ـ قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "قِوامُ المرءِ عَقلُه، ولا دينَ لِمن لا عقلَ لهُ"(1). 2 ـ قال امير المؤمنين (عليه السلام): "لا غنى كالعقل ولا فقر كالجهل"(2). 3 ـ وقال في حديث آخر: "إنَّ الله تبارك وتعالى يحاسب الناس على قدر عقولهم"(3). 4 ـ وجاء في حديث للامام الصادق (عليه السلام): "إنَّ الثواب على قدر العقل"(4). 5 ـ كما جاء في حديث للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): "ما قسّم الله للعباد شيئاً أفضل من العقل... وما أدّى العبد فرائض الله حتى عَقَلَ عنه، ولا بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل"(5). 6 ـ وجاء في حديث ان الامام موسى بن جعفر(عليه السلام) خاطب هشام بن الحكم قائلا: "يا هشام! ما بعث الله أنبياءه ورسله الى عباده إلاّ ليعقلوا عن الله، فاحسنهم إستجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا، وأكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة"(6). 7 ـ وقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث آخر: "لكل شيء آلة وعُدّة، وآلة المؤمن وعدَّته العقل، ولكلِ شيء مطية ومطية المرء العقل، ولكلّ شيء غاية وغاية العبادة العقل"(7). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - بحار الانوار الجزء 1 الصفحة 94 حديث 19. 2 - نهج البلاغة الكلمات القصار، الجملة 54. 3 - بحار الانوار الجزء 1 الصفحة 106 حديث 2. 4 - اصول الكافي الجزء 1 الصفحة 12 حديث 8 (كتاب العقل والجهل). 5 - اصول الكافي الجزء 1 الصفحة 12 حديث 11. 6 - الكافي الجزء 1 الصفحة 16. 7 - البحار الجزء 1 الصفحة 95 حديث 34. [146] 8 ـ وجاء في حديث للامام الصادق (عليه السلام): "إذا أراد الله أن يزيل من عبد نعمة كان أول ما يغير منه عقله"(1). 9 ـ ويقول الامام علي (عليه السلام) في هذا المجال: "العقل صاحب جيش الرحمن، والهوى قائد جيش الشيطان، والنفس متجاذبة بينهما، فأيهما غلب كان في حيّزه"(2). 10 ـ ويقول في حديث آخر: "العقول أئمة الافكار والافكار أئمة القلوب، والقلوب أئمة الحواس، والحواس أئمة الأعضاء"(3)، (وبهذا فان أعضاء الانسان تستند على حواسه وحواسه تستعين بعواطفه، وتعتمد عواطفه على أفكاره، وأكفاره على عقله). 11 ـ وجاء في حديث للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنَّ الرجل ليكون من أهل الجهاد ومن أهل الصلاة والصيام، وممَّن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يُجزى يوم القيامة إلاَّ على قدر عقله"(4). 12 ـ وقال الامام الباقر (عليه السلام): "لا مصيبة كعدم العقل"(5). * * * 3 ـ المخالفون لتحكيم العقل: إنَّ لهذا الجوهر الانساني (العقل) شأناً رفيعاً وصفات ايجابية كثيرة جداً، والمذهلُ حقاً أنه بالرغم من اتصاف العقل بهذه الصفات وامتلاكه هذا الشأن المرموق نجدُ مَنْ يذمّونه وَمَن يتأسفون لأنهم عقلاء، والاغرب من ذلك أنهم يمتلكون الحجج ـ حسب زعمهم ـ على أدعاءاتهم الجوفاء! ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - البحار الجزء 1 الصفحة 930 حديث 20. 2 - غرر الحكم. 3 - البحار الجزء 1 الصفحة 96 حديث 40. 4 - مجمع البيان الجزء 10 الصفحة 324. 5 - البحار الجزء 71 الصفحة 165. [147] فتارة يقولون: إنَّ العقل يحد الانسان من تصرفاته ويسلبه حريته، حيث يجعل أمامه موانع تحول بينه وبين ما يريد أن يقوم به من عمل حراماً كان او حلالا حسناً أو قبيحاً خيراً أو شرّاً، فلو لم تكن لنا عقول لكنّا أحراراً. وتارة يقولون: إنه يسلب راحة الانسان حيث نرى العقلاء والذكياء من الناس لا راحة لهم، إلاّ أن البسطاء من الناس فرحون وسعداء دائماً لانعدام تأثير العقل عليهم. واذا قرأنا أشعاراً مفادها ذمُّ العقل او الانتقاص منه أو الاستهانة به فمن الواضح كونها مزاحاً أو سفسطة او كناية عن مفاهيم اخرى ويستبعد أن يكون مرادهم ذم العقل، بل إنهم يقصدون أن هناك اموراً مؤلمة تحيطهم، والناس في غفلة عنها. أو أن قصدهم من الجنون المذكور في بعض الأشعار كصفة للعقل، هو الجنون العرفاني والمراد منه العشق الالهي، والتضحية بكل شيء في سبيله. وعلى أية حال، صحيح ان العقل يقيد من حرية الانسان وبعض تصرفاته، إلاّ ان هذا فخر له، لأنه يرشدهُ نحو التكامل إنَّ هذا الادعاء يُشْبِهُ ادعاء من قال: "إن الاحاطة بعلم الطب يحد من انتخاب الانسان لأنواع الأطعمة ومن امور اخرى". وهل هذا نقص؟! أم أنه ينقذ الانسان من الاصابة بالامراض وفي بعض الأحيان من التسمم القاتل. اما القول بأن العقل يزيد من هموم الانسان وأحزانه، فهذا يرفع من منزلة الانسان، لأن العاقل من يتحسّس آلام المضطهدين والمظلومين ويتألم من سلوك المعاندين وبالتالي فهو دليلٌ على الكمال، وكما جاء في المثل: (ما أن يكون ضعيفاً ونحيفاً كسقراط في زهده او سميناً وبديناً كالخنزير). نعم، اذا غفلنا عن مسألة التكامل الانساني واعتبرنا الأصل في الحياة هو اللذة المادية، فان ما يتفوه به بعض المؤيدين لإصالة اللذة المادية صحيح، لكن هذا الحديث مضحك ولا قيمة له من وجهة نظر الانسان الموحّد أي الذي يؤمن [148] بالرسالة والهدف وتكامل الانسان. إضافة الى هذا، فان المؤيدين لإصالة اللذة مضطرون لأن يسلموا ويخضعوا لكثير من القوانين الاجتماعية الحادة من حرياتهم وتصرفاتهم، وأن يفرضوا على أنفسهم العناء من هذه الناحية، ومن هنا ندرك كيف ان الانسان يسقط في الهاوية عند ابتعاده عن تعاليم الوحي والانبياء. الى هنا ننهي البحث عن المصدر الثاني من مصادر المعرفة (العقل) وننتقل الى المصدر الثالث بالرغم من بقاء بحوث كثيرة لم تطرح في هذا الفصل. * * * المصدر الثالث: التأريخ [149] والآثار التأريخية [150] 3 ـ التاريخ والآثار التاريخية تمهيد: تعرَّض القرآن للقضايا التاريخية باسلوبين: 1 ـ الاسلوب المدوّن، أي ان القرآن المجيد يَسردُ للمسلمين بعض الحوادث التاريخية للأقوام السالفة بألفاظ وعبارات شيقة ودقيقة، ويبين الامور الغامضة من تاريخهم، ويشير الى عواقب أعمالهم، وذلك لتوعية المسلمين وتعريفهم بالقضايا المختلفة، ولكي يرى الناس حقائق من حياتهم في مرآة تاريخ السالفين. 2 ـ الاسلوب الثاني، التكويني، أي كشف القرآن عن الآثار التاريخية التي خلفتها الاقوام الغابرة، الآثار الصامتة ظاهراً، والمدويّة باطناً، الآثار التي يمكنها ان تصوّر لنا التاريخ الغابر، الآثار التي تعتبر مرآة أمام الانسان يرى فيها وجه حياته في الحاضر والمستقبل. * * * نبدأ اولا بقراءة نماذج من كلا القسمين في الآيات التالية: 1 ـ (لَقَدْ كَانَ في قصَصِهِمْ عِبرَةٌ لأُلي الأَلبَاب) [151] (يوسف / 111) 2 ـ (فَاقصُصِ القَصَصَ لَعلّهُم يَتَفَكَّرُون) (الاعراف / 176) 3 ـ (ذَلِكَ مِنْ أنباءِ القُرى نَقُصُّه عَليكَ مِنهَا قَائمٌ وَحصِيد) (هود / 100) 4 ـ (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أحسَنَ القَصَصِ بمَا أَوحَيْنَا إليْكَ هَذا القُرآنَ وَإنْ كُنتَ مِنْ قَبلِهِ لَمِنَ الغَافلين) (يوسف / 3) 5 ـ (فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخِرَةِ وَالاُولى * إنَّ في ذَلِكَ لَعِبرَةً لِمنْ يَخْشى) (النازعات / 25 ـ 26) 6 ـ (أفَلَمْ يَسيروا في الأرضِ فَتَكُونَ لَهُم قُلوبٌ يَعقِلُونَ بهَا أو آذانٌ يَسمَعُونَ بِها) (الحج / 46) (افَلَم يَسيروا فِي الأرضِ فَيَنظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذينَ مِن قَبلِهم دَمَّر الله عَلَيهم وَلِلكافرينَ أمثالُها) (محمد / 10) 8 ـ (قَد خَلَتْ مِنْ قَبلِكُمْ سُنَنٌ فَسيرُوا في الأرْضِ فَانْظُروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبينَ) (آل عمران ـ 137) 9 ـ (قُل سِيروا في الأرضِ فَانْظُروا كَيفَ بَدءَ الخَلْقَ ثُمَّ الله يُنشِيءُ النَّشْأَةُ الأَخِرةَ إن الله عَلى كلِّ شيء قَديرٌ) (العنكبوت / 20) 10 ـ (ألَمْ تَرَ إلى الَّذي حَاجَّ إبراهيمَ في رَبِّهِ أن أتَاهُ الله المُلْكَ) [152] البقرة / 258) 11 ـ (ألمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَاد * إرَمَ ذَاتِ العِمَادِ) (الفجر / 6 ـ 7) 12 ـ (أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحَابِ الفِيل) (الفيل / 1) * * * شرح المفردات: 1 ـ إن كلمة "قصص" تعني التتبع لآثار شيء ما(1)، وقد سميت القصة قصة لأن فيها تتبعاً للاخبار والحوادث المختلفة، وعليه فالقصة لا تعني الرواية فحسب، بل تعني ـ لغوياً ـ التتبع لآثار الاشياء. كما تطلق "القصص" على كل شيء متتابع ومتسلسل. وبما أن (المِقَصّ) يقص الشعر على التوالي قيل له (مِقَصّ)، والقُصّة تعني مجموعة الشعر الامامي(2). 2 ـ اما كلمة "عِبْرة" فاشتقت من مادة (عبور) و(عَبْر) وتعني التنقل من حالة الى حالة اخرى، و"العبور" في الأصل ـ يعني عبور الماء سباحة أو بالزورق أو على الجسر وأمثال ذلك، وقد استعملت هذه المفردة بمعنى أوسع وهو التنقل من حالة الى حالة اخرى، ويقال لقسم من الحديث (عبارة) لأنه عابر من لسان المتكلم الى اذن السامع. أمّا (العبرة) فهي كيفية صالحة للمشاهدة ينتقل الانسان بها الى شيء غير ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - ينبغي الالتفات الى أن (قصص) كما هي مصدر لقصَّ يقصّ، هي جمع (قصة)، والمراد منها في سورة يوسف في الآيتين (3 و111) هو المعنى الثاني. 2 - لسان العرب، ومفردات الراغب، ومجمع البحرين. [153] مُشاهَد(1). وقد ذكر البعض أن "العبرة" تعني الدلالة التي توصل الانسان الى مراده(2). كما جاءت هذه المفردة بمعنى التعجب (3) (وقد يكون هذا الاطلاق الأخير لأن كثيراً من الامور التي يكتشفها الانسان عن طريق الحوادث المهمةّ والجلية تثير العجب). 3 ـ كلمة "السير" تَعني الحركة على الارض، واذا قيل (سيروا في الارض) فان القيد الأخير تأكيد للسير، وقد قال الراغب في مفرداته: ذُكِرَ معنيان للسير في الارض: أحدهما الحركة الجسمانية على الارض (ومشاهدة الكائنات وآثارها المختلفة). والثاني هو الحركة الفكرية ودراسة الكائنات، وقد صرح البعض: إن السير يعني العبور المستمر في جهة واحدة(4). أما كلمة (السيرة) فتعني الطريقة والاسلوب. واستعمالها اشارة الى تاريخ حياة الاشخاص، من هذا الباب. 4 ـ أما "الرؤية" فقد جاءت لمعنيين، احدهما المشاهدة بالعين، والآخر العلم والمعرفة أو المشاهدة الباطنية(5)، وقد استعملت في القرآن الكريم في موارد كثيرة بالمعنى الثاني أي بمعنى العلم والخبرة، وأما "الرأي" فيعني الاعتقاد القلبي والنظرية سواء كان اعتقاداً يقينياً أو ظنياً، وأما "الرويّة" و"التروّي" فيعنيان التفكير أو السعي والتتبع للحصول على النظرية. 5 ـ كلمة "نظر" في الأصل تعني دوران العين أو حركة الفكر لادراك أمر ما، أو مشاهدته، وجاء أيضاً بمعنى البحث والتفحص وتارة جاء بمعنى المعرفة ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - مفردات الراغب. 2 - مجمع البيان الجزء 5 الصفحة 271. 3 - لسان العرب. 4 - مجمع البيان الجزء 5 الصفحة 268. 5 - وفعلها يتعدى لمفعول واحد على المعنى الاول، ومفعولين على المعنى الثاني (لسان العرب والمفردات). [154] الحاصلة بعد الفحس، وقد ذكر صاحب مجمع البحرين ثلاثة معان للنظر: 1 ـ مشاهدة الشيء 2 ـ التدقيق في الشيء بواسطة العين 3 ـ التفكر للحصول على العلم أو الظن(1). أما صاحب لسان العرب فقد شرح النظر بأنه المشاهدة، بالعين والثاني المشاهدة بالقلب، والمفيد أنه استشهد بعد ذلك بحديث للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال فيه: "النظر الى وجه العالم عبادة"، وفي تفسير هذا الحديث ينقل عن ابن الاثير أنه قال: معنى الحديث هو أن الناس حينما كانت أعينهم تقع على علي (عليه السلام) كانوا يقولون: "لا إله إلاّ الله ما أشرف هذا الفتى لا إله إلاَّ الله ما أعلم هذا الفتى..."(2). * * * جمع الآيات وتفسيرها: بعد أن أشارت الآية الاولى الى المصير المؤلم لبعض الامم السالفة قالت: (لَقَدْ كانَ في قصَصِهِم عِبْرَةٌ لأُولي الأَلباب) فالتفكير في مصير هؤلاء يُعد الاسلوب الأَمثَل لأُولي الالباب لمعرفة عوامل السعادة والتعاسة، وتمييز طريق الهلاك عن طريق النجاة. * * * والآية الثانية خاطبت الرسول قائلة: (فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلّهُم يَتَفَكَّرُون)وهذا يدل على أن البيان الصحيح لتاريخ السالفين موجب لصحوة الأفكار ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - مفردات راغب مادة نظر. 2 - لسان العرب الجزء 5 مادة نظر. [155] ومصدر المعرفة. * * * والآية الثالثة بعد أن بيّنت مصير بعض الأقوام السالفة مثل قوم نوح وشعيب وفرعون ولوط وعاد وثمود، قالت: (ذلِكَ مِنْ أنباءِ الْقُرى نَقُصُّه عَلَيكَ مِنها قائمٌ وَحَصِيد) (اي من القرى من هو باق لحدّ الآن ومنها من زال وفنى) (ما ظَلمناهُمْ وَلكِن ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ) ثم أضافت في النهاية (إنَّ في ذلِكَ لاَيَةً لِمَنْ خافَ عَذابِ الاخِرةِ). * * * والآية الرابعة التي جاءت في بداية سورة يوسف، هَيَّأَتْ أَذهانَ المستمعين في البداية لتلقي وادراك ما سَيُقال فقالت: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ اَحْسنَ القَصَصِ بِما أَوْحَيْنا اِلَيْكَ هَذا الْقُرآنَ وَإنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِين). فقد استندت الآيات الاربع الى موضوع "القصة" والقصص" كوسيلة للمعرفة. * * * والآية الخامسة بعد اشارتها الى تعذيب فرعون قالت: (فَأَخَذَهُ الله نَكالَ الآخِرَةِ وَالاُولى * إنَّ في ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمنْ يَخْشَى). إنَّ هذه الآية ذكرت (العبرة) التي تعني الانتقال والعبور من حالة صالحة للمشاهدة الى حقائق مشاهدة لها واعتبرتها وسيلة للمعرفة. * * * [156] وقد أكدت الآية السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة على مسألة "السير في الأرض"، ودعت الناس إليه باساليب خطابية مختلفة، فمرة خاطبتهم بـ: (أفلم يَسيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ومرة (فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبينَ) بعد ما ذمتهم لعدم سيرهم في الارض. وفي آيات أُخَر خُوطِبَ جميع الناس أو المسلمين بالقول: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سنَنٌ فَسيرُوا في الأَِْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبينَ). وفي آية اخرى هناك دعوةٌ للناسِ لأن يسيروا في الارض للبحث عن بدء الخلق والاستفادة من ذلك للعلم بكيفية النشأة الآخرة. * * * وقد أكدت الآيات العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة على مسألة المشاهدة و"الرؤية" ليس بالعين الباصرة، بل بعين القلب. إن الخطاب في الآيات الثلاث موجَّهٌ الى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاَّ أن المراد بها جميع المؤمنين، بل الناس كافة، والخطاب بصيغة استفهام تقريري، حيث خاطبه الله تارة بالنحو الآتي: ألم ترَ الى الذي (أي نمرود ذلك السلطان الطاغي المغرور) حاجّ ابراهيم في ربّه، والى ايّ نهاية انتهى به المطاف؟ وتارة يخاطبه بهذا الخطاب: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعاد إرَمَ ذاتِ الْعِماد). وخاطبه تارة اخرى بنحو آخر قائلا له: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيل)، مذكّراً بقصة اصحاب الفيل القادمين من اليمن لهدم الكعبة فانزل الله عليهم طيوراً ـ بالرم من ضعفها ـ ترميهم بحجارة من سجى تحملها بمناقيرها فهلكوا بهذه الاحجار. ومن المسلم به أنّه لا الرسول ولا غيرَه من المسلمين رأى ابراهيم ونمرود [157] وسمعَ محاجتهما، وكذا الأمر بالنسبة لقوم عاد، فلم يروهم ولم يروا مدنهم العامرة يومذاك، وحتى بالنسبة لأصحاب الفيل فان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وُلِدَ في السنة التي هجم فيها (ابرهة) طبقاً للرواية المشهورة، فلم يرَ شيئاً من الحادث وكذا أكثر المسلمين، وعلى هذا فالمراد من الرؤية هو التدقيق في تاريخهم. إن ما يلفت النظر هنا هو أن الآيات الخمس الاولى ركّزت بحثها على التاريخ المدوّن أي ما جاء في صفحات الكتب التاريخية بينما ركزت الآيات الاربع الاخيرة بحثها على التاريخ التكويني الحي أي الآثار الباقية عن الاقوام الغابرة في بقاع مختلفة من العالم. من الممكن أن تكون الآيات الثلاث الاخيرة فيها اشارة الى التاريخ المدون او التاريخ الخارجي أو كليهما، ويتضح من مجموع هذه الآيات (وأمثالها في القرآن الكريم) الأهمية القصوى التي أولاها القرآن لقسمي التاريخ كمصدر للمعرفة والعلم. انَّ الله عزّ وجلّ يدعو الناس تارةً لأن يشاهدوا بأم أعينهم قصور الفراعنة وآثار دمار مدن عاد وثمود وقصور نمرود وأعوانه والبلاد التي جُعِلَ عاليها سافلها التابعة لقوم لوط لكي يعرفوا أنَّ مَصير المتجَبّرين سيؤول الى هذه النهاية. وتارة نجد القرآن نفسه يشرح بدقة هذه الحوادث ويسلط الاضواء عليها ويعدُّ العِبَر بعد العِبَر ذاكراً عاقبة (المكذبين) و(الظالمين) و(الكافرين) و(المفسدين) في ضمن بحوثه التاريخية هذه. في الحقيقة إن القرآن تارة يأخذ بأيدي الناس الى "مصر" ويريهم الآثار التاريخية ويمثل لهم الراقدين تحت التراب ويصور أمامهم العروش التي عصفت بها الرياح، وتارة اخرى يريهم الذين أُركسوا في العذاب وهُدّمت عروشهم، والخلاصة: فان القرآن يريهم ما خفي على العيان من قصص الأسلاف. إنّه يمضي بهم الى المدن الخربة كمدينة (سدوم) مثلا مركز قوم لوط [158] ليشاهدوا عن كثب ما حلّ بها ومن هناك الى جنة شداد، ثمّ الى بلاد بابل، (مركز حكومة نمرود)، ثم الى مناطق اخرى. إنه يجعل من المدن المدمّرة عبرة لمن اعتبر ومن كل قصر مهدّم نصيحة جديدة. والخلاصة: إن القرآن يستند كثيراً في مجال المعرفة الى التاريخ المدون في الكتب، والملقى على وجه الارض، وهذه، مسألة جديرة بالاهتمام كثيراً. * * * إيضاحات: 1 ـ مرآة التاريخ: إنّ أهم ما يحصل عليه الانسان في حياته هو تجاربه الشخصية حيث تفتح له بها آفاق جديدة وواسعة في الحياة ليسعى جاهداً للوصول الى التكامل الأمثل. لكن ما هو مقدار التجارب التي يستطيع الانسان تحصيلها خلال عمره القصير البالغ مثلا عشرين سنةً او خمسين او ثمانين؟ هذا إذا قضى عمره في ميادين التجربة ولم يِقضِهِ لاهثاً وراء التوافه. اننا، لو استطعنا أن نجمع تجارب جميع من عاش في عصر واحد، أو تجارب جميع من عاش في القرون والعصور الماضية، لَحَصَلْنا على تجارب كثيرة بالتأكيد، وستكون تلك التجارب مصدراً مهماً لمعرفتنا وخبرتنا. إن التاريخ ـ شرط أن يدوّن بالطريقة الصحيحة والكاملة ـ يجعل تجارب البشر على مرّ القرون أمام اباحثين والدارسين له، وحتى اذا كان ناقصاً فانه يضم بعض التجارب العصور الغابرة. إن أهمية التاريخ ناشئة من أنّ ما يحدث الآن قد تكرر نموذج او نماذج منه [159] في التاريخ سابقاً، وما يقال عن التاريخ من أنه "يعيد نفسه" حقيقة لا تنكر وقد تستثنى موارد منه إلاّ أن اكثر الحوادث داخلة في اطار هذا القانون. وقد أشار الامام علي(عليه السلام) لهذا الموضوع بوضوح في خطبة له، حيث قال فيها: "عباد الله إن الدهر يجري بالباقين كجريه بالماضين". وقد جاء في حديث شريف أن ما يجري في الامة الاسلامية قد جرى مثله في بني اسرائيل. ومن هنا تتضح أهمية وشأن التاريخ في مجال المعرفة ونستطيع القول بجرأة: إنه بالتحليل والدراسة الدقيقة لتاريخ البشر نجد. عوامل الفشل والسقوط. وعوامل الانتصار والفوز. وعوامل ازدهار الحضارات. وعوامل سقوط وانقراض الحكومات (الدول). وعاقبة الظلم والاستبداد. وعاقبة العدل والعدالة. ونتائج وحدة الكلمة والحركة والسعي. ودور العلم والمعرفة. وعواقب الجهل والبطر والكسل، كلها قد انعكست في مرآة التاريخ. وإن أراد أحد أن يمنحه الله حياة ثانية فحريٌّ بنا أن نقوله له: إنك إذا درست التاريخ بدقة لوجدت انك لم تمنح حياة ثانية فحسب، بل وُهِبَت الآلاف المضاعفة. وما أجمل ما خاطب به الامام أمير المؤمنين7 ولدَهُ الاكبر الامام الحسن7: "أي بني إني وإن لم أكن عُمّرتُ عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في خبارهِم وسرتُ في آثارهم، حتى عُدْت كاحدهم، بل كأني بما انتهى [160] الىَّ من امورهم قد عمرتُ مع أولهم الى آخرهم"(1). ومع اننا لا ننكر لنواقض والاشكالات على التاريخ المتداول بين أيدينا، ولكن رغم هذه النواقص ـ التي سنشير اليها فيما بعد ـ فهو غني بالعلم والمعرفة. * * * 2 ـ جاذبية التاريخ: لِمَ كان التاريخ معلماً؟ ليست الاجابة عن هذا السؤال صعبة جدا، وذلك لا مكانية تشبيه التاريخ بالمختبر البكير الذي تخضع فيه قضايا الانسان المختلفة للاختبار. وعلى هذا الاساس، فكما ان العلوم التحليلية حلت الكثير من مسائلها وقدّمت الكثير من البراهين لاثبات الواقعيات بالاختبار، كذلك التاريخ ذلك المختبر العظيم حيث تختبر فيه الكثير من القضايا والمسائل، ويميز فيه الذهب الصادق عن الكاذب، وبه تزول الأوهام عن الأذهان. إذا حللت ظواهر الاجسام أو تركيباتها في مختبرات الكيمياء والفيزياء، فانك في مختبر التاريخ تحلل ألغاز انتصار وفشل الأقوام، وسبب سيادة وتطور أو انحطاط الحضارات، وردود الفعل وصفات ومعنويات الاقوام والأشخاص، واسلوب عملهم بجاذبية وجمال فائق. وبذلك يكون التاريخ وسيلة مناسبة لدارسة عوامل السعادة وشقاء البشر. واذا شاهدنا في القرآن الكريم تأكيداً على تاريخ الاسلاف، وشاهدنا فيه من السور الدالّه على المباحث التاريخية حتى أن بعض السور تدور معظم آياتها أن كلّها حول تاريخ الاقوام السالفة فذلك كله ناشيء من هذه الملاحظة التي أشرنا بها. وقد ينكر المعاندون بعض المسائل النظرية، إلاّ أنّه لا يمكنهم انكار ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نهج البلاغة ـ وصيته للامام الحسن المجتبى(عليه السلام). [161] واقعيات التاريخ القطعية، خاصةً وأن القرآن يأخذ بأيدي الناس الى ما خلّفته الأقوام الغابرة، ويروي قصصهم على قبورهم وقمم مدنهم الخربة. إن التاريخ ـ في الحقيقة ـ فرع من المسائل التجريبية، وبتعبير آخر يمكن ادغامه في مصدر "الحس والتجربة" إلاّ أنه يختلف عن الحس والتجربة اختلافاً طفيفاً فالحس والتجربة يتعلقان بالحاضر لكن التاريخ يتعلق بالماضي، وان الحس والتجربة قد يتعلقان بذات الفرد فقط بينما التاريخ يتعلق بجميع ذوات البشر. ولكن الأهمية الفائقة لهذا الفرع من التجربة تفرض علينا دراسته كمصدر مستقل للمعرفة. * * * 3 ـ شوائب التاريخ: بالرغم من ان التاريخ مرآة كبيرة وجميلة تعكس الواقعيات إلاّ أن المؤسف فيه هو وجود أياد ملوَّثة سعت وتسعى دائماً لتغيير وتشويه الوجه الشفاف لهذه المرآة، ولهذا السبب فان هناك كثيراً من الشوائب في التاريخ تحول دون معرفتنا للحقيقة ودون تمييزنا الصادق عن الكاذب منه. إن سبب التشويه واضح، حيث لم يكن المؤرخون محايدين دائماً، بل كثيراً ما يؤرخون التاريخ بالشكل الذي يتناسب مع دوافعهم الشخصية والتكتلية، هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان جبابرة كل عصر سعوا لإِغراء المؤرخين بالاموال وغيرها، ليملوا عليهم ما يحلو لهم. وبالرغم من المساعي التي تُبذل بعدَ زوال كلٍّ من الحبابرة والظالمين وتوفر أجواء حرة أكثر في سبيل اصلاح الاخطاء، وتصحيح ما لحق بالتاريخ من فساد، إلاّ أن المؤرخين قد لا يوفّقون في هذا المجال لاصلاح الخطأ، أو تكون اصلاحاتهم غير كافية. [162] والملفت للنظر أن قضايا التاريخ تتبدّل كلما تبدلت الحكومات المستبدة ذات الميول والتجاهات المتضاربة، فـ "بنو امية" مثلا حرفوا التاريخ الاسلامي بشكل، و"العباسيّون" حرفوا بشكل آخر، كما أن الذين خلفوا العباسيين صاغوه بشكل آخر. إنَّ (ستالين) كتب تاريخ الثورة الشيوعية في روسيا بشكل، وقد دُرِّس في جميع المدارس آنذاك، والذين خلفوه كانوا يعتبرونه جلاداً مصاصاً للدماء فجمعوا تلك الكتب ودوّنوا تاريخ الثورة بصيغة اخرى، وهكذا فعل كل من خلف الحكومة في الاتحاد السوفيتي فكتب التاريخ بما يتناسب مع ميوله الشخصية والمذهبية. ولهذا السبب، فان البعض أساء الظن بالتاريخ وقال فيه ـ مبالغةً ـ هذه العبارة: "إن التاريخ مجموعة حوادث لم تحدث أبداً، وأقوام لم توجد أبداً"!! إلاّ أن الانصاف يفرض علينا أن نعدّ التاريخ أحد مصادر المعرفة بالرغم من الغبار الذي غطّاه، وذلك لأن التاريخ كأي خبر آخر منه "متواتر" ومنه "موثوق" ومنه "ضعيف" ومنه "مجهول". ولا يمكن انكار ما تواتر في التاريخ عن جُند المغول وجيش هتلر والحوادث المفجعة في "الاندلس"، والمئات من هذه الحوادث، والذي يصلح للنفي والاثبات والاشكال هو جزئيات التاريخ، وهي بدورها إذا ثبتت باخبار الثقاة صلحت للقبول. بالطبع فان الاخبار الضعيفة في هذا المجال ليست قليلة. وهذا حكم عادل بحق التاريخ، فينبغي عدم الأخذ بكل ما جاء في التاريخ، كما ينبغي عدم نبذ كل ما نقل فيه. وقد سَلِمَ قسمان من التواريخ من أي تحريف وتلويق وهما: التواريخ التي ظللت في صورة آثار تكوينية في الخارج، فلا يمكن تحريفها ببساطة، وقد أكد القرآن المجيد على هذا القسم كثيراً، وآيات "السير في [163] الارض" بهدف التعرف على تاريخ الاسلاف ناظرة الى هذا القسم منه. والأعظم من ذلك هي التواريخ التي وصلتنا عن طريق "الوحي" مثل تواريخ القرآن التي تعتبر أصيلة وخالصة من جميع الرغبات والنزعات، فكما أن الله عزّ وجلّ أفضل مقنّن فهو أفضل مؤرخ كذلك، لأنه خبير بجميع الجزئيات ومنزه عن التجاهات الفردية والجماعية، ومع توفر هذين الشرطين فهو أفضل مؤرخ روى لنا التاريخ. وقد يتعجب البعض ويسأل: لماذات يعيد الله تعالى قصة نوح أو موسى أو فرعون أو مواجهة الانبياء للمستكبرين عدة مرات؟ لقد غفلوا عن أن كل حكاية ناظرة الى الحادث من زاوية واحدة فقد يكون لكل حدث تاريخي زوايا وجوانب متعددة، فقد ينظر ـ مثلا ـ الى تاريخ بني اسرائيل من حيث مواجهتهم لطاغوت زمانهم، وقد ينظر لتاريخهم من حيث عنادهم لأنبيائهم، وقد ينظر الى تاريخهم من حيث عواقب الاختلاف والتشتت وعدم الاتحاد، او من حيث آثار ونتائج نكران النِعَم، والخلاصة: إن كثيراً من الحوادث التاريخية كالمرآة ذات الأبعاد المختلفة، يسلط كلُّ وبعد الاضواء على جانب من الجوانب (وسيأتي شرح هذا بالتفصيل في بحث تواريخ القرآن). * * * 4 ـ فلسفة التاريخ: إن المهم في التاريخ هو العثور على "اصول" و"نتائج" الحوادث. فاذا حصلت ثورة في بقعة ما من العالم ـ مثلا ـ ينبغي أولا دراسة العوامل التي أدت الى هذه الثورة والتحقق منها بدقة. ثانياً النظر في نتائج هذه الثورة. وهذان الامران هما اللذان يخرجان التاريخ عن كونه مجرد حكايات مسلّية، ويبدلانه الى مصدر مهم للمعرفة. [164] لكن يؤسفنا أن يكتفي المؤرخون بذكر الحوادث التاريخية، في مرحلة تبلورها فقط، وقلّما يتجهون نحو اصول الحوادث ونتائجها، ولم يتركوا في مجال تحليل القضايا التاريخية آثاراً تُذكر. إلاّ أن القرآن قرن تدوين الحوادث مع البحث عن أُصولها ونتائجها فتارة بعد ذكره لمقطع تاريخي يقول: (فانظُروا كَيفَ كانَ عاقبةُ الْمُكذِّبينَ) (آل عمران / 137). وتارة يقول: (وَانظُرو كَيفَ كانَ عاقبةُ المُفْسِدينْ) (الاعراف / 86). وتارة يقول: (فانظُرو كَيفَ كانَ عاقبةُ الْمُجرِمين) (النمل / 69). وتارة يقول: (انَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوم حَتّى يُغيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ). (الرعد / 11). والجدير بالذكر أن للتاريخ فروعاً عديدة أهمها تاريخ الانسان والمجتمعات البشرية، وتاريخ الحضارات، وتاريخ العلوم والفنون البشرية، وهي تواريخ محورها الأساس هو الانسان. يالهم من بسطاء اولئك الذين يظنون أن التاريخ ـ بالرغم من كل فروعه وتشعباته ـ وليد قسري للقضايا الاقتصادية وخاصةً وسائل الانتاج، أي ان التاريخ خلقته وسائل الانتاج واجهزته التي صنعها الانسان بنفسه! وعلى هذا الاساس يمكننا القول: إن هؤلاء باسلوبهم الخاطىء وتفكيرهم الشاذ لم يعرفوا الانسان ولا التاريخ أبداً. * * * 5 ـ التاريخ "النقلي" و"العلمي" و"فلسفة التاريخ": قسم أحد العلماء المعاصرين التاريخ ـ باعتبار ـ الى ثلاثة أقسام: 1 ـ التاريخ النقلي: وهو عبارة عن مجموعة من الحوادث الجزئية المعينة [165] التي حدثت في الماضي، وهو أشبه ما يكون بالقلم الذي يصور حادثة أو حوادث، لهذا فانه جزئي دائماً وليس كلياً، ويتحدث عمّا كان لا عمّا يكون، ويتعلق بالماضي لا بالحاضر، ونقلي لا عقلي. وهذا الفعر من التاريخ يمكنه ـ عن طريق المحاكاة ـ أن يكون معلماً مفيداً، وعبرة يعتبرها الناس، وهو أشبه بتأثّر الانسان بجليسه، وأشبه بالاسوة التي يعرضها القرآن للناس ليعتبروا منها ويقتدوا بها. 2 ـ التاريخ العلمي: وهو التاريخ الذي يتحدث عن قواعد وسنن الأسلاف التي تُستنبط بعد تحليل حوادث العصور السابقة، وفي الحقيقة فان التاريخ النقلي كالمادة الخام لهذا التاريخ. ومن ميزات هذه السنن هي امكانية تعميمها، وكونها علمية، وامكانية جعلها مصادِر للمعرفة، وإحاطة الانسان ـ عن طريقها ـ بالمستقبل. وبالرغ من ان هذا النوع من التاريخ كلي وعقلي، فانه علم بما كان لا بما يكون. 3 ـ فلسفة التاريخ: وهو علم يتحدث عن تحول المجتمعات من مرحلة الى أُخرى، أو بتعبير آخر: هو علم بما يكون لا بما كان. ويمكن توضيح هذا بالمثال الآتي: إن "علم الأحياء" علم يبحث عن القواعد الكلية التي تحكم حياة الموجودات الحية، إلاّ أن نظرية "تكامل الانواع" إذا قلنا بها ـ تبحث عن كيفية تحول وتبدل نوع من الحيوانات الى نوع آخر، إذن، موضوع البحث في فلسفة التاريخ هو كيفية حركة وتكامل التاريخ، إن هذا الفرع من التاريخ يتسم بجانب كلي وعقلي، ورغم ذلك فانه ناظر الى مجريات التاريخ من الماضي الى المستقبل وفائدة هذا النوع من التاريخ لا تخفى على أحد(1). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - ملخص من كتاب فلسفة التاريخ تأليف الشهيد المطهري. [166] وتجدر الاشارة هنا الى أن ما ذكرناه في شروحنا للاقسام الثلاثة كان صحيحاً وإن لم يتفق شيئاً ما مع الاستعمالات العصرية لمفردتي "العلم" و"الفلسفة" وان المراد كان ايصال المفهوم الى أذهان القراء فقط. فضلا عما ذُكر سابقاً نضيف هنا القول بامكانية ادغام القسم الثاني والثالث في قسم واحد، ذلك لأن القوانين الكلية التي رسمت التاريخ وتُستخرج وتُِستنبط من التاريخ النقلي، تارة تكون ناظرة الى الوضع الراهن للمجتمعات، وتارة اخرى تكون ناظرة الى تحول وتكامل المجتمعات. والمهم هنا هو أن القرآن المجيد لم يقتنع بالسرد المجرد لحوادث التاريخ بل أشار أيضاً الى السنن والقوانين الكلية التي حكمت المجتمعات، القوانين التي يمكنها أن تزيل القناع عمّا كان ويكون، أو عن أي تغير وتحول تاريخي كأيّ تقدم أو سقوط أو فشل حصل للمجتمعات. يشير القرآن ـ مثلا ـ الى هذه السنة: (ذلِكَ بِانَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أنْعَمَها على قَوم حتّى يُغَيِّروا ما بِأَنْفُسِهم) (الأنفال / 53). وينبغي الالتفات الى أن القرآن ذكر هذه السنة بعد ما أشار الى قصة قوم فرعون وعذابهم بسبب ذنوبهم. ويقول في آيات اخر (بعد اشارته الى تاريخ الاقوام القويّة التي بادت بسبب تكذيبهم الرسل وشركهم وذنوبهم وظلمهم): (فَلَمْ يَكُّ يَنْفَعُهُمْ اِيمانُهُمْ لَمّا رَأوا باسَنا سُنَّةَ الله التي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ) (المؤمن / 85). نعم تنبغي الوقاية قبل العلاج، وهذا قانون كلي، لأنّ الانسان لو ابتلي بجزاء أعماله فلا فرصة حينئذ لجبران الماضي. الإجابة على إشكال: إن قبول وجود قانون كلي في تاريخ الانسان يجسد مفهوم الجبر في التاريخ ولا يتفق وحرية الارادة والختيار. وَهذا ما قد يقال. لكن الالتفات الى نقطة في هذا المجال يرفع الاشكال بالكامل والنقطة [167] هي: إنَّ قولنا بوجود قوانين وسنن كلية معناه أن أعمال البشر الاختيارية (سواء الفردية منها او الجماعية) لها مردودات وانعكاسات قهرية، فمصير الأمم الصامدة والعارفة والمجدّة ـ مثلا ـ هو النصر، ومصير الامم المشتتة والجاهلة هو السقوط والفشل. هذه سنة تاريخية، فهل ان مفهوم هذا القانون الكي هو أن الانسان مجبور، أم إنَّه تأكيد لتأثير ونفوذ إرادة الانسان في تعيين مصيره؟ وهذا الأمر أشبه ما يكون بقولنا: إنّ انسان يموت اذا تناول سُمّاً، وهذا المردود قهري ولا يتنافى واختيار الانسان وأصل إرادته. * * * 6 ـ التاريخ في نهج البلاغة والروايات الاسلامية: بما أن نهج البلاغة كتاب عظيم ذا محتوى تربوي غني جداً، وبما أن التربية بلا معرفة، والمعرفة بلا تربية أمر محال، فقد أكد هذا الكتاب على القضايا التاريخية كثيراً. إن أمير المؤمنين(عليه السلام) عند حديثه عن الحوادث التاريخية يصورها وكأنه يأخذ بأيدي الناس الى مكان الحدث ويريهم فرعون وجنوده ويقتفون آثار مستضغفي بني اسرائيل ومن ثم يشاهدون غرقهم في نهر النيل. إنه يصور قوم نوح وقوم عاد وثمود تحت تأثير الدمار الشامل الذي خَلَّفَهُ الطوفان والصواعق والزلازل والامطار الحجرية، والناس يشاهدون أخذ هذه الامم الطاغية واللاهية مع قصورهم ومدنهم وبطغيانهم وهلاكهم في طرفة عين بحيث لم يبق إلاّ آثار الخراب والصمت القاتل المهيمن عليها، وكل من سَاحَ في نهج البلاغة مرَّ بهم ورجع بكنز هائل من العلم والمعرفة والخبرة. إن قدرة نهج [168] البلاغة في تصور الحوادث قدرة عجيبة حقاً، وكذا الأمر عند بيانه لفلسفة التاريخ. وقد شرحنا سابقاً كلام الامام علي(عليه السلام) للامام الحسن(عليه السلام) حول تأثير التاريخ على طول عمر الانسان، طول يمتد بامتداد أعمار جميع البشر من حيث المعرفة والتجربة. وهناك عبارات جميلة له(عليه السلام) حول جري السنن التاريخية حيث يقول: "عباد الله إنَّ الدهر يجري بالباقين كجريه بالماضين، يعود ما قد ولّى منه، ولا يبقى سرمداً ما فيه، آخر فعاله كأوّله، متشابهة اموره، متظاهرة أعلامه"(1). وفي تفسيره للايمان باعتباره ذا أربعة أعمدة الصبر واليقين والعدل والجهاد)، يقول: "اليقين منها على أربع شُعَب، على تبصرة الفطنة وتأوّل الحكمة، وموعظة العبرة وسنة الأولين"(2). ويقول(عليه السلام) في موضع آخر: "واعلوا عباد الله انكم وما انتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى قبلكم، ممن كان اطول منكم اعماراً، واعمر دياراً، وابعد آثاراً، اصبحت اصواتهم هامدة، ورياحهم راكدة، واجسادهم بالية، وديارهم خالية، وآثارهم عافية، فاستبدلوا بالقصور المشيدة، والنمارق الممهدة، الصخور والاحجار المسندة، والقبور اللاطئة المُلْحَدة التي بُني على الخرب فناؤها وشيّد بالتراب بناؤها"(3). ويقول في خطبة اخرى: "فاعتبروا بما اصاب الامم المستكبرين من قبلكم. من بأس الله وصولاته ووقائعه ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نهج البلاغة، الخطبة 157. 2 - نهج البلاغة، الكلمات القصار، الجملة 31. 3 - نهج البلاغة، الخطبة 226. [169] ومثلاته. واتّعظوا بمثاوى خدودهم ومصارع جنوبهم"(1). كما يقول في نفس الخطبة: "فانظرو كيف كانو حيث كانت الاولاد مجتمعة والاهواء مؤتلفة. والقلوب مهتدلة. والايدي مترادفة. والسيوف متناصرة، والبصائر نافذة والغرائم واحدة، الم يكونوا أرباباً في اقطار الأرضين؟ وملوكاً على رقاب العالمين؟! فانظروا الى ما صاروا اليه في آخر امورهم، حين وقع الفرقة، وتشتّت الألفة، واختلفت الكلمة، والافئدة، وتشعبوا مختلفين، وتفرقوا متحاربين، قد خلع الله عنهم لباس كرامته، وسلبهم غضارة نعمته، وبقي قصص اخبارهم فيكم عبراً للمعتبرين"(2). ويقول في خطبة اخرى: "وان لكم في القرون السالفة لعبرة، أن العمالقة؟ وابناء العمالقة اين الفراعنة وأبناء الفراعنة(3)؟ اين اصحاب مدائن الرّس(4) الذين قتلوا النبيين، واطفئوا سنن المرسلين، احيوا سنن الجبارين؟ اين الذين ساروا بالجيوش، وحزموا بالألوف، وعسكروا العساكر ومدّنوا المدائن؟(5)". كما أن الروايات الاسلامية اولت عناية كبيره لهذه المسألة، واعتبرتها أحد المصادر المهمّة للمعرفة وبالأخصّ للمسائل الاخلاقية، وتهذيب النفوس، والالتفات الى واقعيات الحياة. وقد جاء في رواية أن الامام امير المؤمنين(عليه السلام) عندما كان في طريقه مع ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نهج البلاغة، الخطبة 192، (الخطبة الناصعة). 2 - نفس المصدر. 3 - العمالقة: أقوام قوية ومتمكنة وجبارة وظالمة كانوا في شمال العراق، وقد فتحوا "مصر" وحكموها لفترة في عهد الفراعنة. 4 - يعتقد الكثير ان اصاحب الرس قوم سكنوا اليمامة جنوب الحجاز، وكان لهم نبي باسم حنظلة، وقال البعض انهم قوم شعيب، ويعتقد بعض آخر أن مدنهم كانت بين الشام والحجاز (يراجع تفسير نمونة الجزء 15 الصفحة 92 للتفصيل الأكثر). 5 - نهج البلاغة، الخطبة 182. [170] عسكره الى صفين وصل الى مدينة (ساباط) ثم الى مدينة (بهرسير)(1) (المناطق التي كانت مركزاً لحكومة الساسانيين) التفت احد صحابته فجأة الى آثار كسرى (والملك الساساني المعروف) وانشد البيت: جرت الرياحُ على مكان ديارهم ***** فكأنّهم كانوا على ميعاد فقال الامام(عليه السلام): لِمَ لم تقر. هذه الآيات: (كَمْ تَرَكَوا مِنْ جَنّات وَعُيُون وَزُرُوع وَمَ قام كَرِيم وَنِعْمَة كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَاَورَثْناها قَوماً آخَرِينَ فَما بَكَتْ عَلَيهِمُ السَّماءُ وَالاَْرْضُ وَما كانُوا مُنظَرِينَ)(2). وقد جاء في حديث الامام الصادق(عليه السلام): إنّ داود(عليه السلام) خرج من المدينة وهو يقرأ (الزبور)، وما من جبل أو حجراً وطير أو حيوان وحشي إلاّ ويقرأ معه، وهو مستمر في طريقه حتى وصل الى جبل، يعيش على قمته نبي عابد اسمه (حزقيل)، أدرك مجيء داود عندما سمع ترتيل الجبال والطيور والوحوش، وعندما سأل داود النبيَّ: هل تأذن لي بالصعود إليك؟ فأجابَهُ النبي العابد: لا، فبكى داود، فأوحى الله الى (حزقيل) بأن لا يوبّخ داود، وأن يطلب من الله تعالى حسن العاقبة، فقام حزقبل وأخذ بيد داود وجاء به الى محله. فسأله داود: هل عزمت على الذنب يوماً؟ فاجاب: لا. ثم سأل: هل حصل عندك الغرور والعجب لكثرة عبادتك؟ أجابه: لا، ثم سأله: هل رغبت في الدنيا وهل أحببت شهواتها ولذاتها؟ أجاب: نعم، نعم قد يخطر هذا في قلبي. فسأله: ماذا تفعل آنذاك؟ أجاب: أدخل في هذا الوادي واعتبر بالذي فيه. فدخل داود الوادي، فرأى أريكة من حديد وعليها جمجمة متآكلة وعظاماً ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول البعض انها مشتقة من الاصل الفارسي أي (بوارد شير) او (دهار دشير) وهي احدى المدائن السبعة التي كانت تقع غرب نهر دجلة (معجم البلدان الجزء 1 الصفحة 515). 2 - بحار الانوار الجزء 68 الصفحة 327. [171] رميمة ولوحة مكتوبة، فعرف داود: أن ذلك يتعلق بملك مقتدر حكم سنينَ طويلة وبنى مدناً كثيرة. وقد بلغ به الأمر الى ما تراه ... (1). * * * آخر الحديث حول التاريخ المعلِّم: إنَّ ما ذكرناه عن التاريخ كمصدر للمعرفة والعلم مشروط بالمور الآتية: أولا: أن لا يدرس الانسان التاريخ للتسلية. ثانياً: أن يدرس العلاقة الحقيقية بين القضايا التاريخية وأعمال الانسان، ولا يحُلل القضايا التاريخية على أساس التبريرات الوهمية كالحظ والصدفة، أو المصير المحتوم أو القضاء والقدر (على التفسير الذي يعتقد به الجاهلون، والذي تُسلب على أساسه قدرة الانسان في الاختيار). ثالثاً: أن يستنبط القوانين التاريخية الكلية من الحوادث الجزئية، وأن يحقق في اصول ونتائج كل حادثة ثم يجعل نفسه مصداقاً لهذه القوانين ويخرج بالنتيجة. رابعاً: أن لا يسعى ليجرّبَ الحوادث (التي جربت قبله) بنفسه، وذلك لكي لا يكون مصداقاً لهذا الحديث " من جرّب المجرَّب حلّت به الندامة". خامساً: أن يكون ناقداً للحوادث التاريخية ومميزاً للمسلَّمات عن المشكوكات والأساطير عن الواقعيات. وخلاصة الحديث هو أن يتلقى التاريخ كمصدر مُلْهُِم للمعرفة والخبرة في خياته، وليس بشكله المحرَّف. * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - بحار الانوار الجزء 14 الصفحة 22 (ملخص الحديث). [172] [173] المصدر الرابع: الفطرة والوجدان والشعور الباطني [174] 4 ـ الفطرة والوجدان والشعور الباطني تلميح: عندما يصل الانسان الى سنّ الرشد، يتعرف على بعض الحقائق من دون معلم كاستحالة اجتماع الضدين أو النقضيضين حيث تكون واضحة عنده. ويدرك حسن وقبح كثير من الامور، فالظلم عنده قبيح والعدل والاحسان عنده حسن. وعندما يقول بمعم مشين، يسمع صوتَ رادع باطني يؤنبه على عمله، وعندما يأتي بعمل حسن يشعر بالطمأنينة والرضا النفسي. يستأنس بالجمال ويحب العلم والمعرفة. يحس في باطنه ارتباطاً بمبدأ مقدس، وبتعبير آخر: إن في باطنه ما يجرّه ويجذبه الى الله عزّ وجلّ. وهذا يكشف عن وجود مصدر للمعرفة في باطن الانسان غير المصادر التي قرأنا عنها سابقاً، يطلق عليه "الفطرة"، وتارة "الوجدان" واخرى "الشعور الباطني". ولتعيين حدود العقل وحدود الفطرة نتأمل الايضاحات الآتية: إنّ الرُّوحَ ظاهرة عجيبة ذات جوانب وأبعاد متعددة، ندرك بعضها، ونجهل الآخر، كما أن لها نشاطات مختلفة بمحاذاة جوانبها المختلفة. [175] وَإن العقل يشكل قسماً من الروح، ووظيفته التفكير، كما أن هناك قسماً آخر وهو الحافظة ووظيفتها حفظ المعلومات وخزنها وتقسيمها وتبويبها واستخراج المراد والمطلوب منها ـ بشكل معجز ـ من بين الملايين من المفاهيم والحوادث والذكريات. والقسم الآخر هو العواطف أو مركز الحب والعشق والعداء والخصومة والبغضاء. والقسم الآخر هو الأعمال الباطنية كالاختيار والارادة والعزم والتصميم. والخلاصة ينبغي القول: إن الروح بحر عظيم ملؤُهُ العجائب والغرائب، وإن القوانين التي تحكمها قوانين متنوعة ومعقدة للغاية. إلاّ أنه يمكن تقسيم الروح الى قسمين كليين: 1 ـ القسم الذي يتعلق بالتفكير والادراكات النظرية، أي ما يكتسبه الانسان عن طريق الاستدلال. 2 ـ القسم الذي يتعلق بالادراكات البديهية الضرورية، أي ما هو حضوري ومعلوم عند الانسان بلا دليل أو برهان. وكلما تحدثنا عن الفطرة والوجدان، فان مرادنا هو القسم الأخر من الادراكات. (الفطرة): وتعني الخلقة الاولى، أي خلق الروح والنفس ممتزجة مع مجموعة من المعلومات الفطرية. و(الوجدان): ما يجده الانسان في نفسه من دون حاجة لتعلمه. و(الشعور الباطني): الادراك الباطني للانسان الذي يستلهم منه الانسان، وعلى أية حال، فان مما لا شك فيه أن هذا الشعور أحد مصادر العلم ومعرفة الحقائق، الذي قد يعبر عنه بـ "القلب" وهو يختلف بوضوح عن "العقل" الذي هو مركز الادراكات النظرية بالرغم من أنهما فروع لشجرة واحدة وثمرتان [176] لروح الانسان (فتأمل). بالطبع، ليس كل ما قيل هنا متفق عليه من قبل الفلاسفة جميعهم، بل أردنا الارشارة الى هذا الموضوع، وسنعيد الاشارة إليه مرّةً اخرى بشكل استدلالي ان شاء الله. وبعد الالتفات الى هذه الملاحظة، نتأمل في القرآن لنرى كيف يكشف لنا عن هذا المصدر. * * * نقرأ أولا الآيات الآتية: 1 ـ (وَنفس وَمَا سَوّاهَا * فَاَلهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) (الشمس / 7 ـ 8) 2 ـ (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظالِمُون) (الانبياء / 64) 3 ـ (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ والأرضِ لَيَقُولَنَّ الله) (لقمان / 25) 4 ـ (فَإذا رَكِبُوا في الفُلكِ دَعَوا الله مخلصين لَهُ الدّينَ فَلَمّا نَجّاهُم إلى البَرِّ إذا هُم يُشرِكُونَ) (العنكبوت / 65) 5 ـ (صِبغَةَ الله وَمَنْ أحسَنُ مِنَ الله صِبغَةً وَنَحنُ لَهُ عَابدُون) (البقرة / 138) 6 ـ (خَلَقَ الإنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيان) (الرحمن / 3 ـ 4) 7 ـ (عَلَّمَ الإنسانَ مَالَمْ يَعْلَم) (العلق / 5) [177] 8 ـ (فَأقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ الله اَلَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيها لا تَبْديلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أكثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُون) (الروم / 30) * * * معاني المفردات: إنَّ كلمة "الهمها" مأخوذة من مادة "الإلهام" أي ـ كما يصرح به كبار اهل اللغة ـ الشيء الذي يقع في قلب الانسان، ويقول الراغب في مفرداته: "الإِلهام: إلقاء الشيء في الروع ويختص ذلك بما كان من جهة الله وجهة الملأ الأعلى". والروع يعني القلب. اما الرَّوْع فيعني الخوف والانبهار. ثم استشهد بالآية (فَالْهَمَها فُجُورَه ا وَتَقْواها) كدليل على ما قاله. وقد جاء في لسان العرب: أنها من مادة (لَهْم) وتعني البلع، والالهام يعني التلقين الالهي، وهو نوع من أنواع الوحي (الوحي بمعناه العام). ومع الالتفات الى أصل هذه الكلمة يمكن العثور على سبب الاطلاق، وكأن الروح تفتح فم الانسان وتلقي فيه حقيقة بواسطة التعليم الالهي فيمضغها فمه. (الفطرة) جاءت من مادة فَطْر، ويعتقد البعض انها في الاصل تعني "البَقْر" وهو الشقّ(1)، بينما يعتقد البعض الآخر أنها تعني الشق طولا، ثم استعملت بمعنى الخلق، وكأنّ ستار العدم يُبْقر ويُمزّق فتخرج منه الموجودات الحية، كما يقال للعمل المنافي للصوم كتناول الطعام (إفطار)، فيقال: إن ذلك بسبب بِقْر شيء ممتد ومتصل. ويقال للنبات الذي يفطر الأرض ويبقرها "فُطر" لانه يبقر الارض ويخرج ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - لسان العرب. [178] منها، هنا يطلق على حلب الثدي بالأصابع "فَطْر". كما ان العجين اذا اختمر وصُيِّرَ خبراً اطلق عليه "فَطْر"(1). وعلى كل حال، فان المراد من هذه المفردة في الآيات هو الخلقة الالهية الاولى، والهداية التكوينية نحو حقائق مودعة في روحِ الانسان وهو مجبول عليها. وأمّا كلمة (النفس) ـ وكما أشرنا سابقاً ـ فتعني "الروح" وقد يطلق على ذات الشيء "نفس الشي" كما جاء ذلك في القرآن الكريم (ويحذّركم الله نفسه) كما قد جاءت هذه المفردة بمعنى "الدم" و"العين" و"الشخص"(2). كما أنها قد تطلق اطلاقاً خاصاً على "النفس الامارة" إلاّ أنها جاءت في الآيات هنا بمعنى "الوجدان" الذي يشكل قسماً من روح الانسان. وكلمة (صِبْغَة) مشتقة من مادة "صَبَغَ" أي طلى لوناً، ويطلق على نتيجة العمل "صبغة"، و"صِبْغ" يعني الطعام الذي يؤكل مع الخبر بحيث يكون الخبز كالصبغة لذلك الطعام، وادعى البعض أنه يعني زيت الزيتون الذي يغمس فيه الخبز ويؤكل. ويقول الراغب: إن "الصبغة" المذكورة في الآية إشارة الى العقل الذي جُبِلَ عليه الانسان وميّزه عن الدواب، وهو كالفطرة(3). إن التعبير بالصبغة، كما يقول عدد من أئمة اللغة ـ قد يكون بسبب انَّ "النصارى" يغسلون الوليد بعد اليوم السابع بماء ممزوج بمادة صفراء اللون (غسل التعميد) معتقدين ان هذا الصبغ يطهره وينزهه، والقرآن يصرح لهم: إن صبغة الاسلام والتوحيد أحسن من هذه الصبغة وأشرف. وعلى هذا، فالتعبير بالصبغة يتناسب كثيراً مع الفطرة والخلقة الاولى، ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - كتاب العين، ولسان العرب، ومفردات الراغب. 2 - مجمع البحرين الطريحي، مادة نفس، ومفردات الراغب. 3 - مفردات الراغب، مادة (صبغ). [179] خاصة وأن بعض الروايات فسرت الصبغة بـ "الاسلام والولاية"(1). * * * جمع الآيات وتفسيرها: في الآية الاولى بعد أن أقسم الله بالنفس وبالذي سوّاها وما فيها من قابليات، أشار الى المصدر المُلْهِم للمعرفة وهو "الوجدان الاخلاقي"، وقال: إن الله ألهم الانسان المعرفة في مجال التقوى والفجور. وقد جاء في آية اخرى ما يماثل مفاد هذه الآية، فبعد إشارته الى خلق الانسان قال: وهديناه النجدين. وينبغي الالتفات هنا الى أن "نجد" ـ في الأصل ـ المكان المرتفع ويقابله "تَهَامة" اي الارض المنخفضة، إلاّ أن النجد هنا ـ بقرينة ما قبل وما بعد الآية، وبقرينة بعض الروايات التي فسرت النجد ـ كناية عن الخير والشر وعوامل السعادة والشقاء(2). كما ان الآية: (إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرَاً وإمّا كَفُوراً) (الانسان / 3) قد تشير الى نفس المعنى، او على الاقل تندرج "الهداية الفطرية" في المفهوم العام للهداية التي جاءت في هذه الآية. * * * والآية الثانية ناظرة الى تحطيم الاصنام من قبل بطل التوحيد ابراهيم الخليل(عليه السلام): ومحاكمة عبدة الاصنام له في بابل، فعندما سُئِلَ: (أأَنْتَ فَعلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمَ) (عليهم السلام)(فَعَلَهُ كَبِيرَهُم هذا فَسَئَلُوهُمْ إنْ كانُوا يَنْطِقُونْ). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير البرهان الجزء 1 الصفحة 167 ـ 158. 2 - تفسير القرطبي الجزء 10 الصفحة 7155، ومجمع البيان الجزء 10 الصفحة 494. [180] ثم قالت الآية: (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكُمْ أَنْتُمْ اَلْظالِمُون) أي ظالمون لأنفسهم ولمجتمعهم وربّهم وخالقهم الذي يغدق عليهم النعم. يعتقد بعض المفسرين: ان عبارة (فَرَجَعُوا اِلى اِنْفُسِهِمْ) تعني لوم احدهم الآخر، إلاّ أن هذا خلاف ظاهر الآية، فالتفسير الاول أصح. نعم، إنه الضمير الذي يجعل عبدة الأصنام المغرورين يلومون أنفسهم ويوبّخونها. إن التعبير بـ (ألنَّفْس اللَّوّامَة) في الآية الشريفة: (لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوامَة)(سورة القيامة / 2)، خاصة وان الله قرنها بيوم القيامة، إشارة واضحة الى هذه المحكمة الباطنية والوجدان الفطري. والآية الثالثة تشير الى مر المشركين، حيث يعرضون عن أتباع آيات الله عندما يُدعون إليها ويصرون على اتباع ما كان عليه آباؤهم، فيقول الله في هذا المجال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرضِ لَيَقُولَنَّ الله)، وبالرغم من ذلك لم يخضعوا للهِ تعالى، بل لأصنامهم التي صنعوها بأيديهم لجهلهم! (اَلْحَمْدُ للهِ بَلْ اَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ). وجوابهم على هذا السؤال عن خلق السموات والارض، يمكن ان يكون نابعاً عن "الفطرة"، ويوضّح حقيقة أن الانوار الالهية متأصّلة في الانسان منذ تكوينه فطرياً ولكن الناس غافلون عن هذا الحكم الفطري، فيذهبون عنهُ شططاً. * * * وتشير الآية الرابعة الى نفس المفاد الذي جاء في الآية الثالثة، فقد وضّحت التوحيد الفطري الذي يتجلى في باطن الانسان عندما يمرّ بالأزمات والشدائد، ومثال ذلك أن الناس عند ركوبهم السفينة ومواجهتهم الامواج المتلاطمة والزوابع والعواصف يذكرون الله، لانهم لا يجدون احداً يستطيع انقاذهم آنذاك من الشدائد [181] غير الله. فعندما تُرفع ستائر التقاليد الخرافية والاوهام والتعاليم الخاطئة وتتجلى فطرة البحث عن الله، يذكرونه ويدعونه بإخلاص كامل. وما أن أي يهدأ البحر أو يصلوا الى الساحل، حتى تساورهم الأفكار الملوثة بالشرك مرة اخرى وتستعيد الأصنام وجودها في قلوبهم وتسدل ستاراً على فطرتهم مرة ثانية؟ * * * والآية الخامسة، بعد ما عَدَّتْ التوحيد دين وملة ابراهيم وانبياء آخرين كإسماعيل واسحاق ويعقوب وموسى وعيسى(عليه السلام) قالت: (صِبغَةَ الله وَمَنْ أحسَنُ مِنَ الله صِبغَةً وَنَحنُ لَهُ عَابدُون). إنَّ النصارى الذين يعتقدون بالتثليث، ويغسلون أولادهم بغسل التعميد، ويضيفون ـ احياناً ـ مادة صفراء الى الماء الذي يُغسل به، ويشرعون عملهم باسم "الأب" و"الابن" و"روح القدس" يعتبرون هذا العمل مطهراً لهم من الذنوب التي ورثها من آدم(عليه السلام)(1). إنَّ القرآن أبطل هذه الأفكار جميعها وصرح: إن صبغة الله أحسن من هذه الصِبَغ الخرافية، فسلموا لهذه الصبغة لتطهر أرواحكم من كل شرك وإثم وعبادة للأصنام. وقد جاء في الروايات ـ كما قلنا سابقاً ـ أن المراد من الصبغة هو الاسلام ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - لقد جاء في قاموس الكتاب المقدس: أن غسل التعميد أحد القواعد المقدسة التي كانت معروفة قبل ظهور المسيح(عليه السلام)، وهو من فرائض الكنيسة، ويستعملون فيه الماء ويثلثون عليه، ويعتبرونه مطهراً من النجاسات ويعتقد الكثير من المسيحيين أن الغسل هذا وجب على اولاد المؤمنين (القاموس الصفحة 257 ـ 258). [182] والولاية(1)، وهذا تأكيد على وجود إلهامات فطرية في ذات الانسان. * * * والآية السادسة والسابعة تحدثنا بعد الاشارة الى خلق الانسان تحدثتا عن تعليمه البيان وما لم يعلم. وقد عرّفت آيةٌ اخرى الخالق عزّ وجلّ بأنه الذي علَّم الانسان الكتابة، حيث قالت: (اَلَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) (العلق / 4). وعلى هذا فهو معلم البيان كما هو معلم بالقلم، وهو معلم الانسان ما لم يعلم، وهذه التعاليم قد تكون تلميحاً الى التعاليم الفطرية المودعة في باطن الانسان بشكل معلومات ملخصة وأولية، وقد تكون تلميحاً للوسائل والأسباب والمقدمات التي جعلها الله في الانسان، والتي تمكنه من اختراع اللغة والخط واكتشاف واقعيات الكون الاخرى. وعلى المعنى الاول تكون الآيات شاهداً على بحثنا. * * * اما الآية الثامنة في البحث فقد تحدثت عن دين الفطرة وأمرت الرسول بأن: (أقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حِنِيفاً فِطْرَةَ الله اَلَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله). الجميل هنا أن القرآن لم يذكر كون معرفة الله فطرية فحسب، بل ان الدين بجميع أبعاده وجوانبه فطري. والأمر كذلك بالضرورة، وذلك لتنسيق الموجود بين جهاز "التكوين" وجهاز "التشريع" أي ان ما جاء مفصلا في عالم التشريع، جاء بصورة مجملة في ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الميزان الجزء 1 الصفحة 316، وتفسير الدر المنثور الجزء 1 الصفحة 141. [183] عالم التكوين، وعندما يتفق نداء الفطرة مع نداء الانبياء والشريعة، فان هذا التفاق يجعل الانسان في طريق الهدى. وسنخوض تفصيلا في هذا الموضوع عند بحثنا في التوحيد الفطري في المجلد الثاني ان شاء الله. * * * النتيجة: طبقاً لما قرأناه، فالقرآن المجيد يعتبر "الفطرة" أو "الوجدان" مصدراً غنياً للمعرفة، وقد دعا الجميع ـ بتعابير مختلفة ـ للالتفات الى هذا المصدر لأهميته البالغة. * * * إيضاحات: 1 ـ فروع الفطرة والوجدان: إنَّ المعلومات الفطرية والوجدانية لها فروع مختلفة وأهمها الفروع الأربعة التالية، والجميل أن كل آية من الآيات التي جاءت في أوّل البحث أشارت الى فرع من هذه الفرع، وهي: 1 ـ إدراك الحسن والقبح ـ أي الاخلاق التي يطلق عليها ـ احياناً ـ "الوجدان الاخلاقي"، وتعني أن الانسان يعدُّ كثيراً من الصفات حسنةً مثل "الاحسان" و"العدل" و"الشجاعة" و"الايثار" و"العفو" و"الصدق" و"الامانة" وغير ذلك من الصفات، من دون أن يتعلمها من أحد. ويعد قبالة هذه الصفات، صفات قبيحة مثل "الظلم والجور" و"البخل" و"الحسد" و"الضغينة" و"الكذب" و"الخيانة" وأمثالها. [184] والآية: (فَاَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) تشير الى هذا النوع من التعاليم الفطرية. 2 ـ إدراك البديهيات العقلية: التي تعتبر أساس الاستدلالات النظرية، ولا يمكن اقامة البرهان في أي موضوع من دون الاستناد اليها. وتوضيح ذلك: أن في الرياضيات مجموعة من القضايا البديهية تنتهي إليها جميع الاستدلالات الرياضية وهي وجدانية، مثل (الكل أكبر من الجزء)، واذا تساوى أحد شيئين متساويين مع شيء آخر، تساوى كلٌّ منهما مع الشيء الآخر، أو اذا أنقضنا مقدارين متساويين من شيئين متساويين أو اضفنا ذلك المقدار الى كلٍّ منهما فالنتيجة تساويهما كذلك. وكذلك الأمر بالنسبة للاستدلالات العقلية الفلسفية، فلا يمكن الاستدلال من دون الاستناد الى قضية استحالة اجتماع الضدين او النقيضين وغير ذلك مثلا. ويستخدم القرآن ـ احياناً ـ هذه الاصول المسلّم بها لاثبات قضايا مهمة، كما في قوله: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر / 9) ويقول في آية اخرى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى وَالْبَصيرُ اَمْ هَلْ تَستَوي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ) (الرعد / 16). 3 ـ الفطرة المذهبية ـ أن الانسان يتعلم بعض القضايا والمسائل العقائدية من دون الاستعانة بمعلم او استاذ كمسألة معرفة الله والمعاد وقضايا عقائدية اخرى يأتي شرحها في المجلد الثاني ان شاء الله. والآية: (فَاِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا الله مُخلِصينَ لَهُ الدِّينَ) تشير الى هذا القسم من المعرفة الفطرية. ولهذا السبب نرى الايمان بمبدأ مقدس موجوداً على مرِّ العصور، كما أن لدينا قرائن تثبت تجذّر هذا الايمان عند الانسان البدائي كذلك ولا يمكن اتساع هذا المعتقد واستمراره عند البشر عبر مرّ العصور إلاّ اذا كان متجذّراً في فطرة [185] الانسان. 4 ـ محكمة الوجدان: إن في باطن الانسان محكمة عجيبة يمكن تسميتها "القيامة الصغرى"، تحاكم الانسان على أعماله، فتشجعه على الحسنات، وتوبخه على السيئات، ونجد هذه التشجيعات والعقوبات في باطننا جميعاً (بالطبع مع وجود اختلاف)، وهي نفسها التي نقول عنها تارة: (إن ضميرنا راض)، وتارة: (إن ضميرنا يؤنبنا) الى حد حيث يسلب منا النوم، بل قد يؤدي ـ احياناً الى نتائج مفجعة مثل الانتحار والجنون والابتلاء بأمراض نفسية والآية: (فَرَجَعُوا اِلى اَنْفُسِهِمْ) تشير الى هذا القسم. * * * 2 ـ هل توجد معرفة فطرية؟ بالرغم من ان الجميع يشعرون بوجود هذا المصدر في ذواتهم اجمالا، أي يشعرون بوجود مجموعة من الخطابات والالهامات، او بتعبير آخر وجود ادراكات لا تحتاج الى معلم أو استاذ، إلاّ أن بعضاً من الفلاسفة شكك في هذا المصدر، وعلى العموم توجد ثلاث نظريات في هذا المجال: الف ـ نظرية الذين يعتقدون أن كل ما لدى الانسان من معلومات موجود في باطنه، وما يتعلمه في الدنيا، يتذكره في الحقيقة، لا أنّه يتعلمه من جديد! هذا ما نقل عن افلاطون واتباعه(1). ب ـ نظرية اولئك الذين يدّعون أن المعرفة بجميع أقسامها عند الانسان فطرية، بالرغم من اذعانهم لِقابلية الانسان على ادراك القضايا المختلفة، ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول افلاطون: إن الروح قبل حلولها في البدن ودخولها في العالم المجازي كانت في عالم المعقولات والمجردات و"المُثل"، أي انها أدركت الحقائق ونسيتها بمجرد دخولها في عالم الكون والفساد، إلاّ انها لم تنمحِ عنها بالكامل، فالانسان كالظل والشبح فما هو في "المُثل" يتذكره بمجرد الالتفات إليه، فكسب العلم والمعرفة تذكر في الحقيقة، واذا كان الانسان جاهلا منذ البدء فلا يمكنه تحصيل العلم (مسير الحكمة في اروبا الجزء 1 الصفحة 23 ـ نظريات افلاطون). [186] ويتصورون ان ادراكهُ الفطري انعكاس لتجاربه وحاجاته والضرورات الاجتماعية. اعتبر "فرويد" عالم النفس المعروف "الوجدان الاخلاقي" مجموعة من النواهي الاجتماعية والميول المكبتوتة في ضمير الانسان. يقول: إن "الوجدان الاخلاقي" لا يمثل سلوكاً ذاتياً وعميقاً لروح الانسان، بل إنه رؤية باطنية بسيطة للنواهي الاجتماعية، ولا يوجد في تاريخ المجتمع ولا تاريخ الفرد تصورات بدائية عن حسن الأشياء وقبحها، وقد تولدت هذه التصورات من البيئة الاجتماعية وتشعبت عنها(1). وقد فسر أتباع المذهب المادي (الديالكتيك) الادراكات الفطرية على أساس مقولتهم المعروفة "كل شيء وليد الظروف والاوضاع الاقتصادية"، فانكروا وجودها. ج ـ نظرية اولئك الذين يرون أن قسماً من معلوماتنا فطرية والقسم الآخر مُكتسب، والمعلومات المكتسبة تنتهي الى تلك المعلومات الفطرية وهي أساسها. وقد أثبتت الأدلة المنطقية العقلية، والأدلة النقلية من الآيات والروايات هذه النظرية وذلك للاسباب الآتية: أولا: أننا نعتقد بوجود قضايا بديهية مُسَلّم بها في الرياضيات وبدون تلك البديهيات لا يمكن اثبات أيّة قضية رياضية، كذلك الأمر بالنسبة للقضايا الاستدلالية الاخرى، فلابد من اعتمادها على قضايا بديهية مسلّم بها تكون الاساس لكلِّ استدلال. وبعبارة اخرى: لو أنكرنا القضايا الفطرية بالكامل لأَنكرنا جميع معارفنا، لان جميع القضايا العقلية ستكون مرفوضة، وسنسقط في النهاية في وادي السفسطة. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - افكار فرويد الصفحة 105، ومجموعة ماذا أعلم ـ للامراض اخر الروحية ـ الصفحة 64 (بالفارسية). [187] وإذا أثبتنا ـ مثلا ـ بالحس والتجربة أو بدليل عقلي وجود أمر ما، فاذا كنا غير واثقين بقضية "استحالة اجتماع النقيضين" التي تعتبر من القضايا البديهية جداً، فعندئذ يمكننا التشكيك بالأمر، والقول بإمكانية عدم وجود الامر الذي اثبتنا وجوده! وإذا أردنا اثبات هذه الاصول البديهية بالتجربة والاستدلال فسينتهي الأمر بنا الى الدور والتسلسل ولا تخفى سلبيات هذا الأمر على أحد. * * * ثانياً: فضلا عمّا سبق، فكما نردّ السفسطائيين (الذين ينكرون كل شيء) وكذا المثاليين (الذين ينكرون الحقائق الخارجية، ويعتقدون بالامور الذهنية فقط) بالاستناد الى الوجدان ونقول: أن الوجدان يشهد ببطلان مثل هذه العقائد، لأننا ندرك أنفسنا والعالم الخارجي الذي يحيط بنا بوضوح، فكذلك الامر هنا، لأن هذه الضرورة الوجدانية دليل على وجود كثير من الادراكات الباطنية. وكما أننا نحس بحاجات جسمية وروحية كثيرة (الحاجات الجسمية مثل الاكل والشرب والنوم، والروحية مثل الميل الى العلم والاحسان والجمال والعبادة والقداسة) ويقول بعض علماء النفس: أن هذه المقتضيات تشكل الابعاد الاربعة لروح الانسان). فهذا الوجدان ذاته يصرح لنا بحسن الاحسان والعدالة وقبح الظلم والاعتداء، وفي هذه الادراكات لا نحتاج الى مصدر اجتماعي او اقتصادي او غير ذلك بل يكفينا الوجدان. أنَّ حجة أمثال "فرويد" و"ماركس" واضحة، حيث أنّهم يعتقدون بأصل واحد وهو رجوع كل قضية اجتماعية وفكرية الى الجنس او الاقتصاد، ويصرون على توجيه كل شيء على ضوء هذا الأصل. ثالثاً: أن الموضوع واضح من جهة نظر توحيدية، لأنا اذا سلمنا أن الانسان [188] خُلِقَ للتكامل على أساس سنة إِلهية، فلا يبغي الشك في أن وسائل ودوافع مثل هذا التكامل يجب أن تكون مهيئة في ذاته، وموجودة، وان ما جاء به الانبياء وما ورد في الكتب السماوية متناسب وهيئة الانسان التكوينية. وعليه، فحاكم التكوين والخلقة متناسب وفي تناسق كامل مع عالَم التشريع. أو بتعبير آخر، فان صفوة هذه التعليمات مودعة في ذات الانسان وان ما جاء في الشرائع السماوية هو شرح مفصل لهذه الصفوة من التعليمات. ولهذا، فلا يمكن التشكيك في التعاليم الفطرية التي يؤيدها العقل والرؤية الكونية التوحيدية. * * * سؤال: لقد صرّح القرآن: (وَالله اَخْرَجَكُم مِنْ بُطُونِ أمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَبْصارَ والاَفْئِدَةَ) (النحل / 78). ألا يستفاد من هذه الآية أن لا وجود للمعلومات الفطرية أبداً؟ الجواب: أولا: أنّ الانسان في ساعات ولادته لا يعلم شيئاً قطعاً، وحتى المعلومات الفطرية ليست فعلية، وعندما يعرف نفسه ويصبح مميزاً يتحسس المعلومات النظرية ويدكرها بلا معلم أو استاذ أو حس او تجربة، وإلاّ فكيف يمكن القول بأن الانسان يعلم كل شيء حتى بوجوده بالذات ـ بالتجربة وأمثالها(1). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نقلت عبارة معروفة عن (دكارت) قال فيها: "كنتُ شاكاً حتى في نفسي، ثم رأيت اني افكر، فأدركتُ اني موجود" إنها عبارة مليئة بالأخطاء، لأن الذي يقول: أنا أُفكر فانه يعترف بالـ (انا) قبل اعترافه بالتفكير، لا أنّه يعترف بالتفكير قبل الأنا. [189] ثانياً: ألَمْ نقل بأن القرآن يفسر بعضه بعضاً؟ حيث ان آيات مثل: (فَاَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) و(فِطْرَةَ الله الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها) التي جاءت في أول البحث تفسر الآية: (وَاللهُ اَخْرَجَكُم مِنْ بُطُونِ اُمَّهاتِكُم لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً)، فتكون المعلومات الفطرية مستثناة من هذه الآية. * * * سؤال آخر: وقد يطرح هنا سؤال آخر عكس الاول وهو: أن القرآن الكريم أطلق كثيراً من مفردة "التذكير" على علوم الانسان، مثل: (اِنَّ فِي ذلِكَ لآيةً لِقوم يَذَّكَّرُونَ)(النحل / 13) ويقول في آية اخرى: (وَما يَذَّكَّرُ اِلاّ اُولُوا الألباب) (آل عمران / 7) وفي اخرى أيضاً: (وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلّناسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البقرة 221). ألَمْ يكن المراد من هذه الآيات وهو نفس ما ذهب إِليه افلاطون، أي ان العلوم عبارة عن تذكير لما هو موجود في سريرة الانسان، وحاصل عنده منذ القدم؟ * * * الجواب: إن "التذكير" من مادة "ذكر" ومعناه الاولي ـ كما يقول أئمة اللغة ـ هو الحفظ، وكما يقول الراغب في مفرداته: الذكر قد يطلق على حالة نفسية تُعين الانسان على حفظ العلوم والمعارف، وقد يقال لحضور الشيء في القلب، أو [190] البيان، وما جاء في لسان العرب قريب لما جاء في المفردات، حيث قال: الذكر، يعني الحفظ كما يعني الموضوع الذي جرى على الألسن. وعلى هذا، فالذكر والتذكر لا يعني حضور الشيء في القلب بعد النسيان أو استعادة الذكرى فقط، بل يشمل جميع المعلومات. * * * 3 ـ "الفطرة" و"الوجدان" في الروايات الاسلامية: لقد أُشير في الرويات الاسلامية الى هذا المصدر كثيراً ونذكر هنا نماذج من تلك الروايات: 1 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث معروف له: "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصّرانه"(1). يدل هذا الحديث بوضوح على أن التوحيد، بل حتى الاصول الاساسية للاسلام مودعة في فطرة الانسان(2). 2 ـ وقد جاء في حديث أن شخصاً سأل الامام الصادق (عليه السلام) عن الآية: (فطرة الله الَّتي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها)، فأجاب الامام(عليه السلام): "التوحيد"(3). 3 ـ وفي حديث آخر أجاب عن نفس السؤال بهذا الجواب: "هي الاسلام"(4). 4 ـ وقد قال الامام (عليه السلام) في حديث آخر في هذا المجال: "فَطَرَهُمْ على المعرفة"(5). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - بحار الانوار الجزء 3 الصفحة 281. 2 - يأتي شرح هذا الحديث مفصلا في المجلد الثاني من هذا التفسير. 3 - (2) (3) اصول الكافي الجزء 2، باب فطرة الخلق على التوحيد، حديث 1 و 2 و 4 و الروايات التي جاءت في هذا المجال كثيرة ويمكن الرجوع الى المصادر التالية: البحار الجزء 3 باب 11 من ابواب التوحيد واصول الكافي الجزء 2 باب فطرة الخلق على التوحيد. [191] 5 ـ وقد جاءت روايات عديدة عن الامام الصادق(عليه السلام) فسرت الآية: (صِبْغَةَ الله وَمَنْ اَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً) بالاسلام(1). 6 ـ وقد جاء في حديث قدسي: "خلقتُ عبادي حُنَفَاء". وقال صاحب مجمع البحرين بعد ذكره لهذا الحديث يعني مؤهلين لقبول الحمد، ثم اعتبر معنى الحديث نفس معنى الحديث المعروف "كل مولد يولد على الفطرة". وهناك ملاحظة جديرة بالذكر وهي: إِن الروايات الاسلامية عبرت عن الاعمال الحسنة بالمعروف وعن الاعمال السيئة والقبيحة بالمنكر وتطلق هذه المفردة على الأمر المجهول، فقد يُثْبِتُ هذا الاطلاق أن الاعمال الحسنة امور تعرفها الروح وتستأنس بها وتسكن إِليها اما الاعمال القبيحة والسيئة فهي امور تنفر منها الروح، ومجهولة عندها. * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - بحار الانوار الجزء 3 الصفحة 280. [192] المصدر الخامس: الوحي السماوي [193] 5 ـ الوحي السماوي تمهيد: توجد آيات كثيرة في القرآن الكريم حول هذا المصدر، بل أن بحث هذا المصدر طرح في جميع الكتب السماوية، وفي الحقيقة أن أتباع الأديان السماوية يعتبرون "الوحي" أهم مصدر للمعرفة، لأنه ينهل من العلم الإِلهي الواسع، في حين ان المصادر الاخرى تتعلق بالانسان نفسه، وهي محدودة جداً بالنسبة لهذا المصدر. أن الرؤية الكونية الالهية تقول: أن الله عزّ وجلّ (ولأجل هداية البشر (أي بيان الطريق له) أوحى الى رجال الوحي (أي الرسل العظام) كل ما يحتاجه الناس في سبيل اجتياز الطريق الى التكامل والسعادة. وفي الحقيقة، إِن العقل اذا كان دا إِنارة قوية فان الفطرة والوجدان والتجربة بمنزلة إِنارة من نوع آخر، و"الوحي" بمنزلة الشمس الساطعة، الأكبر والأعظم من الانارتين السابقتين. وعلى هذا فيُعدُّ الوحي ـ من وجهة نظر الالهيين ـ أهم وأغنى مصدر للمعرفة. والآن نقرأ خاشعين الآيات الآتية. 1 ـ (وَما كانَ لِبَشَر اَنْ يُكَلِّمَهُ الله اِلاّ وَحْياً اَوْ مِنْ وَراءِ حِجاب اَو يُرْسِلَ [194] رَسُولا فَيُوحِي بِاِذْنِهِ ما يَشاءُ اِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشورى / 51). 2 ـ (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * اِنْ هُوَ اِلاّ وَحيٌ يُوحى) (النجم / 3 ـ 4) 3 ـ (قُلْ اِنَّما اَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى اِلَيَّ) (فصلت / 6) 4 ـ (ذلِكَ مَمّا اَوْحِىَ اِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَة) (الاسراء / 39) 5 ـ (قُلْ مَنْ كانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَاِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِاِذْنِ الله) (البقرة / 97) 6 ـ (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شيء) (النحل / 89) 7 ـ (وَكَذلِكَ اَوْحَيْنا اِلَيْكَ رُوحاً مِن اَمْرِنا ما كُنْتَ تَدرِي مَا الكِتابُ وَلاَ الايمان وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإنَّكَ لَتَهْدِي اِلى صِراط مُسْتَقِيم) (الشورى / 52) 8 ـ (وَما اَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ اِلاّ رِجالا نُوحِي اِليهِمْ) (النحل / 43) 9 ـ (وَلَقَدْ اَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وَاَنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد / 25) 10 ـ (اِنّا نَحْنُ نَزَّلنا الذِّكْرَ وَإنّا لَهُ لَحفِظُونَ) (الحجر / 9) 11 ـ (قَدْ بَيَّنا لَكُمُ الاْياتِ اِنْ كُنْتُمْ تَعقِلُونَ) [195] (آل عمران / 118) 12 ـ (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْليماً) (النساء / 164) * * * شرح المفردات: 1 ـ "الوحى" استعملت في القرآن والروايات والأدب العربي بمعان كثيرة، إِلاّ أن المعنى الاولي للوحي ـ كما يقول الراغب في مفرداته ـ هو "الاشارة السريعة"، ولذا يقال للاعمال السريعة "وحي"، كما يقال "وحي" للحديث الرمزي المتضمن كتابات، والذي يُتبادل بسرعة، والذي قد يحصل بالكتابة او الاشارة، ثم اطلقت هذه المفردة على المعارف الالهية التي تقذف في قلوب الانبياء والاولياء. وللوحي أشكال متعددة، فتارة يكون بمشاهدة ملك من الملائكة واسماع حديثه، كما هو الحال لالنسبة لجبرئيل(عليه السلام) حيث كان الله يُوحي الى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بواسطته. وتارة باستماع صوته فقط دون مشاهدته كما كان يوحى الى موسى(عليه السلام). وتارة يُوحى بالالقاء بالقلب فقط. وتارة يوحي الله بالالهام فقط كما هو الحال النسبة لأُم موسى(عليه السلام). وتارة بالمنام (كالرؤيا الصادقة)(1). إِلا أن الخليل بن أحمد في كتاب العين يقول: إِن أصل معنى "الوحي" هو "الكتابة"، ويقول ابن منظور في لسان العرب: إِن الوحي يعني "الاشارة" و"الكتابة" و"والرسالة" و"الالهام" و"والحديث الخفي" و"كل خطاب يُلقى على ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - مفردات الراغب مادة "وحي". [196] آخر". ومن مجموع ما تقدم نستشف أن "الوحي" في الأصل يعني الاشارة السريعة والحديث الرمزي والخطاب الخفي المتبادل بالرسائل أو الاشارات، وبما أن التعاليم الالهية أوحيت الى الانبياء بشكل غامض، أطلقت مفردة "الوحي" عليها. وذلك لأن الألفاظ التي نستعملها وضعت لمستلزمات حياتنا اليومية، فاذا أردنا أن نستعملها في الامور الخارجة عن قضايانا اليومية، فينبغي توسيع معانيها، وتارة تجريدها أو استعمالها فيها بملاحظة مناسبة ما. يقول الشيخ المفيد(قدس سره) في "شرح الاعتقادات": إِن أصل الوحي يعني الكلام الخفي، أطلق على كل شيء قصد به تفهيم المخاطب بحيث يخفى عن الآخرين، واذا نسب الوحي الى الله عزّ وجلّ فالمراد به الخطابات التي تخص الانبياء والرسل(1). 2 ـ امام "الانزال" و"التنزيل" فاشتقتا من مادة "نزول" وتعني ـ في الأصل ـ الهبوط والمجيء من المكان العالي الى المكان الداني، وفرقهما عن النزول أنهما مصدران لفعلين متعديين في حين أن النزول مصدر لفعل لازم. وقد يكتسب الانزال معنىً حسياً مثل ما جاء في هذه الآية: (وَاَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءاً طَهُوراً) (الفرقان / 48). وقد يكون بمعنى موهبة تُؤهب من صاحب مقام عال الى صاحب مقام دان: (َاَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعامِ ثَمانيةَ اَزْواج) (الزمر / 6). وقد يكون الانزال بمعنى إِلقاء المعارف الالهية من قِبَلِ الله، وقد استعمل هذا المعنى في القرآن كثيراً. وهناك بحث لأئمة اللغة في كون الانزال والتنزيل بمعنى واحد، أو ان لكل ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - سفينة البحار الجزء 2 الصفحة 638. [197] معنى يختص به، فبعض يقول: انه لا اختلاف في المعنى بينهما غير ان التنزيل يفيد الكثرة فقط(1). بينما يعتقد بعض آخر: ان "التنزيل" يفيد التدريج، و"الانزال" يفيد التدريج والدفعة الواحدة، واعتمد الراغب في تفريقه هذا على الآية: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَولا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَاِذا اُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأَيْتَ الَّذينَ فِي قُولبِهِم مَرَضٌ يَنْظُرُونَ اِلَيْكَ نَظرَ الْمُغْشِيِّ عَلَيهِ مِنَ الْمَوتِ) (محمد / 20) فالآية تحدثت أولا عن طلب المؤمنين لنزول آيات الجهاد تدريجياً، ثم أشارت الى نزول حكم الجهاد بصورة قاطعة وجامعة، وعندها ينظر المنافقون الى الرسول نظر المغشي عليه من الموت. 3 ـ إِن "تبيين" اشتقت من مادة "بَينْ" أي المسافة الفاصلة بين الشيئين، ثم جاءت بمعنى "الايضاح" و"الفراق"، وذلك لأن الفصل بين الشيئين يستدعي هذين الأمرين، ثم استعملت بعد ذلك لكل من المعنيين بصورة مستقلة، فتارة تعني "الفراق" واخرى "الايضاح". وقد جاء في "صحاح اللغة" أن "بين" تأتي بمعنيين متضادين هما، الفراق والآخر الاتصال. ويظهر أن معناهما في الأصل ـ كما جاء في غصر صحاح اللغة ـ هو الفراق، إِلاّ ان الفراق قد يؤدي الى الاتصال بشيء آخر فاستعمالها في للاتصال لانه يلازم الفراق. وعلى أية حال فان مفردة (تبيين" جاءت في كثير من آيات القرآن بمعنى الظهور والانكشاف والوضوح، ولهذا يقال للدليل الواضح والمنكشف "بيّنة" سواء كان عقلياً أو محسوساً، فيطلق على الشاهدين العادلين (اللذين هما أمرٌ محسوس) "بيّنة"، كما تطلق "البينة" على معاجز الأنبياء، و"البيان" يعني رفع ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - وهذا رأي صاحب لسان العرب، حيث نقله عن ابي الحسن. [198] ستار الأبهام عن شيء، سواء كان بالنطق أو بالكتابة أو بالاشارة. 4 ـ "التكليم" و"تكَلُّم" من مادة "كلم"، وفي الاصل ـ كما يقول الراغب ـ يعني التأثير الذي يُرى أو يُسمع، فالذي يُرى كجُرح الآخرين، والذي يُسمع فهو الحديث الذي نسمعه من الآخرين. يذكر الخليل بن أحمد في كتابه "العين": أن أصل التكليم يعني "الجرح"، وعلى هذا فاطلاقه على النطق كان بسبب التأثير العميق الذي يتركه الحديث في قلوب المستمعين له، بل قد يكوت تأثير الكلام أشد من تأثير السيف والخنجر، وكما يقول الشاعر العربي المعروف: جراحات السنان لها التيام ***** ولا يلتام ما جرح اللسان ويستفاد من بعض العبارات ان "التكليم" و"التكلم" لهما معنى واحد، وكلاهما بمعنى النطق والحديث، ولهذا عدت "متكلِّم" او "كليم" احدى صفات الله في حين إِذا أردنا التقيد بالآية: (وَكَلَّمَ الله مُوسى تَكْلِيما) ينبغي القول أن الله "مُكلِّم". ولا يستبعد احتمال استعمال مفدرة "التكلّم" في موارد حيث يحدّث شخصٌ شخصاً آخرَ، إِلاّ أن "التكليم" مثل "المكالمة" تطلق على الحديث المتبادل بين طرفين، وكلام الله مع موسى(عليه السلام) في جبل طور من هذا القبيل. ومن هنا يطلق "علم الكلام" على علم العقائد، لانه يذكر أن أول بحث بُحث فيه بعد الاسلام هو كلام الله (القرآن)، حيث كان البعض يعتقد أنه أزلي، والبعض الآخر: أنه حادث. وقد أدى الخلاف في هذه المسألة في القرون الاولى من عهد الاسلام الى شجار ونزاعات شديدة، حديثت بين المسلمين آنذاك(1). ونعلم الآن أن ذلك النزاع لم يكن له أساس ولا نتيجة، لأنه إِذا اريد من القرآن محتواه، فالمسلم أنه كان مع علم الله أزلياً، وإِذا كان المراد منه ألفاظه وكتابته ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - ذكر هذا الاحتمال في دائرة معارف القرن العشرين كاول احتمال في مجال التسمية هذه (دائرة معارف القرن العشرين ـ فريد وجدي ـ الجزء 8 مادة كلم). [199] ونزوله بواسطة الوحي، فهذا حادث في زمن بعثة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بلا شك، وعلى أية حال، فالهدف من هذا الحديث كان بيان وجه تسمية "علم العقائد" بـ "علم الكلام". * * * شرح الآيات وتفسيرها: شمس الوحي الساطعة: إِنّ قضية الوحي انعكست في القرآن بشكل واسع. وقد أشارت مئات الآيات إلى الوحي كمصدر عظيم للعلم والمعرفة، حيث أشارت بعضها اليه بهذا العنوان "الوحي" وبعضها بـ "التنزيل" و"الانزال" وبعضها بـ "تبيين الآيات الالهية" وبعضها بـ "تكليم الله والرسل"، وبمصلحات اخرى. وأفضل تعبير في هذا المجال أن يقال: إذا كان العقل في المظار القرآني بمثابة "مصباح" شديد الاضاءة لكونه مبيناً للحقائق، فان الوحي "كالشمس" الساطعة التي تضيء أرجاء المعمورة". اُشير في الآية الاولى الى ثلاثة طرق من طرق اتصال الانبياء بالله عزّ وجلّ، حيث قالت: (وَما كانَ لِبَشَر اَنْ يُكَلِّمَهُ الله اِلاّ وَحْياً اَوْ مِنْ وَراءِ حِجاب اَو يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحى بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ اِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) فالطريق الاول هو الايحاء، والثاني هو التكلم من وراء الحجاب كما تكلم الله مع موسى في جبل طور سيناء، والطريق الثالث هو إرسال رسول لابلاغ الخطاب الالهي الى النبي، كما كان يهبط جبرئيل(عليه السلام) على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لإبلاغه الخطابات الالهية. وعلى هذا، فالالهام القلبي وايجاد الامواج الصوتية (النقر في السمع) وهبوط ملك الوحي، ثلاثة طرق لاتصال الانبياء بعالم ما وراء الطبيعة. [200] * * * والآية الثانية بعد أن أقسمت بالنجم قالت: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى اِنْ هُوَ اِلاّ وَحيٌ يُوحى). إِن القسم (بالنجم إِذا هوى) قد يكون إشارة الى غروب وافول نور الايمان والهداية عن الوجود في عصر الجاهلية، الغروب الذي يكون مقدمة لطلوع آخر، أي طلوع شمس الوحي على لسان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم). وعلى هذا الاساس، فالآية أدرجت كلام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) تحت أصل كليٍّ ناتج عن الوحي والارتباط الغيبي. * * * والآية الثالثة أمرت الرسول بأن يتخذ موقفاً اتجاه مطاليب بعض المشركين العجيبة وغير المألوفة، ويقول لهم: إِني لستُ ملكاً من ملائكة الله ولا موجوداً أعلى من البشر ولا ابن الله، ولا شريكه، (اَنّما بَشَرٌ مِثْلُكُم يُوحى إلَيَّ) وهذا (الإيحاء) هو الذي يفرقني عنكم. وعلى هذا، فالرسول يمتاز عن بقية البشر بميزة خاصة وهي اختصاصه بمصدر المعرفة هذا (الوحي). * * * والآية الرابعة، بعد ما ذكرت ستة من أحكام الاسلام المهمة (حرمة قتل الاولاد وحرمة الزنا وقتل النفس والاقتراب من مال اليتيم ووجوب الوفاء بالعهد وايفاء الكيل) خاطب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قائلة: (ذالِكَ مِمّا اَوْحِى اِلَيكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَة). وطبقاً لهذه الآية، فان الاحكام الجزئية حالها حال اصول الدين والعقيدة [201] توحى إِلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم). * * * إِن خامس آية نزلت لتجيب على اولئك اليهود الذين قالوا: إِن جبرئيل عدونا عندما سمعوا أنه يأتي الرسول بتعاليم الاسلام، فأمرته الآيه بأن يقول لهم: (قُلْ مَنْ كانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَاِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِاِذْنِ الله). والتعبير في هذه الآية يكشف عن أن جبرئيل(عليه السلام) كان يُنزل ـ أحياناً ـ آيات القرآن على قلب الرسول مباشرة في حين أنّ بعض الروايات تشير الى ان جبرئيل كان يأتي للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على هيئة انسان احياناً ويقوم بابلاغه الخطاب الالهي بهذا الطريق(1). * * * والآية السادسة وضحت الحقيقة الآتية: إِن القرآن الذي انزلناه على الرسول هو تبيانٌ لكلِّ شيء وحاملا للهداية والرحمة والبشارة الى جميع المسلمين، وعليه فإن جميع هذه المعارف تصدر عن هذا المصدر العظيم أي الوحي. بديهي أن المراد من "كل شيء" هو جميع القضايا التي تتعلق بسعادة الانسان، فتعلم أن اُسس جميع هذه القضايا قد جاءت في القرآن (سواء المادية منها أو المعنوية) في صورة قوانين كلية. * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - أصرَّ الفخر الرازي على تأويل الآية بما يتناسب مع ما ذهبت إليه الروايات من أن جبرئيل(عليه السلام) كان يتمثل امام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في صورة انسان، وبما أن القلب هو مركز حفظ الآيات عبر الله بهذا التعبير (فَاِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ) (تفسير الفخر الرازي الجزء 3 / 196)، لكننا لا نرى ضرورة لتأويل الآية بالشكل الذي قاله الفخر الرازي، بل يمكن القول بأن اتصال جبرئيل(عليه السلام) بالرسول كان يتم بطريقين: جسماني وروحي. [202] وقد صرحت الآية السابعة بأن القرآن روح نزلت على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من قِبَل الله عزّ وجلّ، ولم يكن يدري ما الكتاب ولم يكن يدري ما الايمان، وقد قيل للقرآن "روح" لأنه يبعث الحياة في قلوب المجتمع البشري، وهذا حديثٌ سلّم به كثير من المفسرين(1). والمراد بـ: "ما كنت تدري ما الكتاب" هو أن الرسول لم يكن عارفاً بمحتوى الايات قبل البعثة، وهناك شواهد تاريخية وروايات تكشف عن سبق معرفته بالله للبعثة. وعلى أية حال ان هذا تأكيد آخر على قبول "الوحي" كأهم مصدر للمعرفة، لأن القرآن عُدَّ هنا "روحاً و"نوراً" و"هداية". * * * والآية الثامنة بعد ما تجاوزت نبوة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أشارت الى الانبياء من قبله وقالت: (وَما اَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ اِلاّ رِجالا نُوحِي اِليهِمْ فاسْئَلوا اَهْلَ الذِّكْرِ) فاهم على ارتباط وعلم بمنبع المعرفة هذا. * * * وتحدثت الآية التاسعة عن "البينات" ونزول الكتب السماوية وقوانين الحق والعدالة على الرسل، وقالت: إِنّا أنزلنا الرسل وزودناهم بمعاجز من جهة، وبكتب وقوانين حقة من جهة اخرى لكي يقوم الناس بالقسط والعدول عن الظلم، وهذه كلها امو ملهمة من مصدر الوحي. * * * وقد تحدثت الآية العاشرة عن انزال "الذكر" أي الآيات التي تكون سبباً لتذكر ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يقول الراغب: "سمي روحاً لكونه القرآن سبباً للحياة الاخروية". [203] الناس ووعيهم، كما أن الله يعد الناس في هذه الآية بحفظ هذه الآيات من أي نقص او تحريف فالوحي ـ إِذن ـ هو عامل يقظة الناس، وبما أن الله له حافظ، فسيحتفظ الوحي كمصدر مهم أو أهم للمعرفة. * * * وتقول الآية الحادية عشرة: (قَدْ بَيَّنا لَكُمُ الآياتِ اِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) وهذا دليل واضح على أن الآيات الالهية سبب ليقظة العقول ونشاطها. * * * واخيراً، وقد تحدثت الآية الثانية عشرة عن تكليم الله لموسى(عليه السلام)، وقد كان الكلام هذا مصدراً لمعرفة موسى الالهية، وهو نوع من الوحي. هذه نماذج من آيات القرآن التي صرحت ـ رافعةً لأي ابهام وشبهة ـ بأن الوحي مصدر أساس للمعرفة. هذا في وقت ينكر فيه الفلاسفة الماديون هذا المصدر على الاطلاق، ويفسرونه بتفاسير نقرؤها في البحوث القادمة. وبعد نما اتضح أصل هذا المصدر، ونذهب الى قضايا مختلفة تحوم حوله. * * * إيضاحات: 1 ـ أقسام "الوحي" في القرآن المجيد: لقد استعملت مفردة "الوحي" في القرآن المجيد في عدة معان، بعضها تكوينية واخرى تشريعية، وبصورة عامه فانها مستعملة في سبعة معان: 1 ـ "الوحي التشريعي" وهو الذي يهبط على الرسل، وقد جاءت في أول البحث نماذج من الآيات التي استعملت فيها هذه المفردة بهذا المعنى. [204] 2 ـ "الالهامات التي توحى لغير الانبياء" كما هو الأمر بالنسبة لأم موسى (وَاَوْحَيْنا اِلى اُمِّ مُوسى اَنْ ارْضِعِيهِ...) (القصص / 7). وهناك إلهام يماثل هذا إلاّ انه يختلف عنه شكلياً، كالذي حدث لمريم، حيث تمثل لها الوحي وبشرها بولادة عيسى (مريم / 17 ـ 19). 3 ـ "وحي الملائكة" أي الخطابات الالهية التي توجه إِليهم، كما جاء ذلك في سورة الأنفال الآية: (اِذْ يُوحي رَبُّكَ اِلى الْمَلآئِكةِ اِنِّي مَعَكُمْ فَثبّتُوا الّذِينَ آمَنوا). 4 ـ (الخطاب مع الاشارة" كما جاء ذلك في حديث زكريا مع قومه: (فَخَرَجَ عَلى قَومِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَاوحى اِلَيْهِم اَنْ سَبِّحوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) (مريم / 11). 5 ـ (الالقاءات الشيطانية الغامضة" كما جاء في الآية: (وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبيّ عَدُوّاً شَياطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحي بَعضُهُمْ اِلى بَعْض زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً)(الانعام / 112). 6 ـ "تقدير القوانين الالهية في عالم التكوين" كما في الآية: (وَاَوْحى فِي كُل سَماء اَمْرَها) (فصلت / 12). وما جاء في شهادة الارض يوم القيامة: (يَومَئِذ تُحَدَّثُ اَخْبارَها بِاَنَّ رَبَّكَ اَوْحى لَها) (الزلزال / 5) قد يكون تلميحاً لهذا المعنى من الوحي. وقد جاءت مفردة الوحي بمعنى "خلق الغرائز" كما في الآية: (وَاَوْحى رَبُّكَ اِلَى النَّحلِ اَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَجَرِ وَمِمّا يَعْرُشُون) (النحل / 68) ومن جهة اخرى فان هبوط الوحي على الرسل جاء على أربع صور على الاقل، كما جاء ذلك في القرآن المجيد، وهي: 1 ـ صورة ملك يشاهده الرسول. 2 ـ وسماع صوت الوحي دون رؤيته. 3 ـ وفي صورة إِلهام قلبي. [205] 4 ـ وفي صورة رؤيا صادقة، كما جاء ذلك في قصة ابراهيم(عليه السلام) عندما أمره الله أن يذبح ابنه اسماعيل (الصافات / 102)، أو ما حصل للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)عندما بشره الله ـ بالرؤيا ـ بدخول المسلمين الكعبة آمنين (الفتح / 27). وقد جاء في رواية أن أحد الصحابة سأل الرسول: كيف ينزل عليك الوحي؟ فأجابه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): "يأتيني احياناً مثل صلصلة الجَرس، وهو أشدُّهُ عليّ، فيفصم عني وقد وعيتُ ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول"(1). وفي حديث آخر عن الامام الصادق(عليه السلام) قال: الانبياء والمرسلون على اربع طبقات: فنبيّ منبّأ في نفسه لا يعدو غيرها، ونبي يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة، ولم تبعث الى أحد وعليه إمام مثل ما كان ابراهيم على لوط(عليه السلام) ونبيٌّ يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك، وقد أرسل الى طائفة قلّوا أو كثروا كيونس(عليه السلام) ... والذي يرى في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة وهو إمام مثل اولي العزم وقد كان ابراهيم(عليه السلام)نبياً وليس بإمام حتى قال الله (اني جاعلك للناس إماماً قال: ومن ذريتي فقال الله: لا ينال عهدي الظالمين" من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً)(2). * * * 2 ـ ما هي حقيقة الوحي؟ لقد قرأنا وسمعنا الكثير عن حقيقة الوحي، لكن رغم ذلك كله، فان معرفتنا لحقيقته غير ممكنة، لعدم ارتباطنا بهذا العالم الغامض، وحتى لو فسره لنا الرسول بنفسه، فانه لا ينطبع شيء في أذهاننا عنه سوى شبح. ومثلنا كمثل الأعمى منذ الولادة الذي يريد تصوير أشعة الشمس الجميلة، ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - بحار الانوار الجزء 18 الصفحة 260. 2 - اصول الكافي، باب طبقات الانبياء، الجزء 1. [206] وأمواج البحر الهائجة وأجنحة الطاووس الملوّنة والمنظر الخلاّب للورد وبراعم الحديقة الخضراء. قد تحصل صور مبهمة ومشوشة لهذه المخلوقات عند الأعمى إِلاّ أن تصويرها الحقيقي أمر محال له. لكننا نستطيع توضيح الوحي عن طريق آثاره وأهدافه ونتائجه، ونقول: إِن الوحي هو الالقاء الالهي الذي يتمّ بهدف تحقيق النبوة والتبشير والانذار، أو نقول: إِنه نور يهدي به الله من يشاء، أو نقول: إِنه وسيلة الارتباط بعالم الغيب وإِدراك معارف ذلك العالم. وقد يكون اختصاص حديث القرآن عن الوحي بآثاره ناشئاً من هذا السبب. ينبغي أن لا نتعجب من هذا الأمر، وأن لا نتخذ عدم ادراك حقيقته دليلا على عدم الوجود، أو نفسره بتفاسير مادية جسمية، فان في عالم الحيوانات التي نعدها في مستوى أدنى من مستوانا فضلا عن عالم النبوّة، تُشاهد آثار أحاسيس وإِدراكات يعجز البشر عن ادراكها، فانا نعلم ان بعض الحيوانات تضطرب قبل حدوث الزلزلة وتصرخ بصورة جماعية احياناً، وتارة تحدث اصواتاً مروعة حاكية عن قرب وقوع حدث مفجع، هذا كله بسبب تحلّيها بحاسة تستطيع بواسطتها أن تكشف قرب وقوع الزلزلة، الأمر الذي تعجز عن كشفه أحدث تكنولوجيا في العصر الحاضر. أو أن بعض الحيوانات تتنبأ بتغييرات الأحوال الجوية للأشهر القادمة، فتبني بيوتها وفقاً لتلك الاحوال في الأشهر المقبلة عليها، وتعد الطعام الذي يتناسب مع طول فصل المطر والشتاء، فاذا كان طويلا ـ مثلا ـ يختلف مقداره عمّا لو كان قصيراً! كما أن بعض الطيور قادرة على الهجرة الجماعية من المناطق القطبية الى الاستوائية أو بالعكس، وقد يتمّ ذلك في الليل بل وحتى في الليالي وفي السماء [207] الملبدة بالغيوم، مع أن الانسان لا يمكنه السير في هذا الطريق وينجح باجتيازه بنسبة واحد بالمائة، إلاّ بالاستعانة بالوسائل الدقيقة، وكذا الأمر بالنسبة لبعض الحيوانات حيث تطلب صيدها في ظلام الليل الدامس، وأحياناً تحت أمواج المياه وغير ذلك من الأمثلة التي يصعب على الانسان تصديقها، إِلاّ أن العلم أثبت صحتها. إِن هذه الواقعيات التي تثبت بالعلم والتجربة تكشف عن وجود إِدراك وشعور خاص لتلك الحيوانات لم نَتَحلَّ به نحن، بالطبع إِن الاطلاع الكامل على عالم حواس الحيوانات الغامض أمر محال، إِلاّ أنه لا يمكن إِنكار هذه الحقائق(1). فبالرغم من ان حواس الحيوانات أمر طبيعي لا يرتبط بما وراء الطبيعة، الا اننا نعرف حقيقته، فكيف يمكن لنا أن ننكر عالم الوحي الغامض او نشكك فيه بسبب عدم إدراكنا له؟ لم نقصد من حديثنا الاخير الاستدلال على ثبوت مسألة الوحي، بل أردنا نفي استبعاد وجود هذا العالم، وهو جواب لاُولئك الذين ينكرون وجوده بسبب عدم امكان ادراكه. ولنا طرق واضحة لاثبات قضية الوحي منها: 1 ـ نشاهد من جهة رجالا يدعون النبوة جاؤوا بكتب وتعاليم تفوق قدرة البشر الفكرية، فالرسول الامي ـ مثلا ـ كيف أمكنه الاتيان بكتاب ذي محتوى مجيد من مجتمع متأخر للغاية كمجتمع الحجاز في عصر الجاهلية؟! 2 ـ ومن جهة اخرى فان دعوى الرسل مقترنة دائماً مع معاجز تفوق قدرة البشر، وهذا يكشف عن ارتباطهم بعالم ما وراء الطبيعة. 3 ـ ومن جهة ثالثة، فان الرواية الكونية التوحيدية تقول لنا: أن الله خلقنا للتكامل والسير نحو ذاته المقدسة الأبدية، وبديهي أن اجتياز هذا الطريق أمر غير ممكن لكثرة مصاعبه وانعطافاته وتعرجاته ومشاكله واخطاره لأننا نشاهد عجز ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - يراجع كتاب "عالم حواس الحيوانات الغريب" (بالفارسية). [208] العقل وضعفه في ادراك كثير من الحقائق، وشاهدنا الاختلاف الفاحش بين العلماء والمفكرين، وشاهدنا مصير الامم التي وضعت قوانينها بالاعتماد على العقل فقط. وعلى هذا، فإنا نقطع بأن الله لم يترك الانسان وعقله بل أمده بقادة يرتبطون بعالم الغيب، ويستفيضون من بحر العلم الالهي، وهذا هو الذي يعينه لاجتياز الطريق والوصول الى الاهداف المقصودة. وبهذه القرائن الثلاث أمكننا ادراك العقلاقة بين عالم الانسانية وعالم ما وراء الطبيعة، وأمكننا الايمان بالوحي رغم أننا لم نتعرف على حقيقته وماهيته، وبتعبير آخر: إِن علمنا بالوحي علم اجمالي وليس علماً تفصيلياً. * * * 3 ـ الوحي عند فلاسفة الشرق والغرب: سعى كثير من فلاسفة الشرق والغرب في العهد القديم والجديد الى فتح الطريق أمامهم نحو عالم الوحي الغامض وسعوا الى تفسيره بما يتناسب مع مبانيهم الفلسفية، إِلاّ أن دراسة بحوثهم في هذا المجال تكشف عن ضياعهم في متاهات الطريق، إِلاّ البعض منهم، ولم ينجلِ لذلك البعض إِلا شبح مبهم عن ذلك العالم. يقول أحد العلماء: كان الغربيون الى القرن السادس عشر كجميع الامم المتديّنة يقولون بالوحي لان كتبهم مشحونة بأخبار الانبياء، فلما جاء العلم الجديد بشكوكه ومادياته ذهبت الفلسفة الغربية الى ان مسألة الوحي من بقايا الخرافات القديمة، وتعالت حتى انكرت الخالق والروح معاً، وعللت ما ورد عن الوحي في الكتب القديمة بأنه اما اختلاف من المتنبأة انفسهم لجذب الناس اليهم وتسخيرهم لمشيئتهم، واما الى هذيان مرضي يعتري بعض العصبيين فيخيل اليهم انهم يرون اشباحاً تكلمهم [209] وهم لا يرون في الواقع شيئاً. .. راج هذا التعليل العالم الغربي حتى صار مذهب العالم الرسمي فلما ظهرت آية الارواح في امريكا سنة 1846 واعاد العلماء البحث بها على قاعدة العلم التجريبي المقرر لا المفرد ولا على اسلوب التقليد الديني ولا من طريق الضرب في مهامة الخيالات. توصلوا الى نتائج وان كانت غير ما قرره علماء الدين الاسلامي الا انها خطوة كبيرة في سبيل اثبات امر عظيم كان قد احيل الى عالم الامو الخرافيه"(1). هناك نظريتان مختلفتان لتبرير ظاهرة الوحي، أحداهما للفلاسفة المتقدمين، والاخرى للمتأخرين، ألاّ أنهما لا تنطبقان مع حقيقة الوحي التي تستشف من القرآن. والنظريتان هما: 1 ـ يعتقد عدد من الفلاسفة المتقدمين أن منشأ الوحي هو "العقل الفعّال"، والعقل الفعّال وجود روحي مستقل عن وجودنا، وهو قرينة، ومصدر لجميع علوم البشر ومعارفه، كما يعتقدون بأن الأنبياء كانت لهم علاقة وثيقة مع هذا العقل الفعّال، وكانوا يستلهمون منه، وما حقيقة الوحي إِلاّ هذه العلاقة. وفي الحقيقة، لا دليل لهؤلاء لاثبات مدعاهم القائل بأن الوحي هو عبارة عن الارتباط والعلاقة مع القع الفعّال، أضافة الى هذا، فانه لا دليل على وجد ما يزعمون وجوده أي "العقل الفعّال" كمصدر مستقل للعلوم، كما ذكر ذلك في المباحث الفلسفية. وعلى هذا، فالنظرية المذكورة عبارة عن احتمال مبني على احتمال، وفرضية مستندة الى فرضية، ولم تثبت أيِ من الفرضيتين، كما أنه لا حاجة لفرض "العقل الفعّال" بل يكفينا القول بأن الوحي عبارة عن التصال بعالم ما وراء الطبيعة والذات المنورة، أما كيف وبأي شكل يتم ذلك؟ فهذا لم يتضح لنا. نحن شاهدنا آثاره فآمنا بوجوده، دون أن نعرف حقيقته، وكثير من حقائق هذا ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - دائرة معارف القرن العشرين الجزء 10 الصفحة 712. [210] العالم حالها كحال الوحي. 2 ـ يعتقد عدد من الفلاسفة المعاصرين أن "الوحي" هو تجلِّ "علم اللاشعور" أو العلاقة الغامضة مع حقائق هذا العالم التي قد تنشأ من "النبوغ الباطني" تارة، وتارة اخرى من "الرياضة الروحية" وعن مساع من هذا النوع. وقد عَدَّ علماء النفس شخصيتين للانسان: "الشخصية الظاهرة والارادية" وهي جهاز الادراك والتفكير والمعلومات الحصالة بالحواس العادية، والشخصية الاخرى هي "الشخصية غير المرئية واللا إرادية" التي قد يعبر عنها بـ "الوجدان الخفي" أو "الضمير الباطني" أو "علم اللاشعور" ويعتبر علماء النفس أنّ حلَّ كثير من المشاكل الروحية كامن في هذه الشخصية. أنهم يعتقدون أن مجالات فعالية ونشاط الشخصية الثانية اوسع بكثير من مجالات نَشاط وفعالية الاولى. وقد كتب أحد علماء النفس في هذا المجال: يمكننا تشبيه الشخصية بقطعة ثلج عائمة في الماء، وعادة ما يكون تُسْعُها خارج الماء، وهذا المقدار الخارج هو الشخصية الظاهرة أو عالم الشعور، ويقابلها الشخصية اللاإرادية او عالم اللاشعور، حيث ان القسم الاعظم من النشاط الذهني لم نُحط به علماً ويحصل بشكل غير إرادي، وهو بمثابة الأجزاء الثمانية من قطعة الثلج تحت الماء(1). لا شأن لنا فيمن كشف الشخصية الثانية للانسان، "فرويد" أم غيره، كما لا شأن لنا في أن كلام المتقدمين فيه إِشارة الى ما ذهب اليه المعاصرون أم لا، المهم بالنسبة لنا هو أن كثيراً من علماء النفس، بعد اكتشاف عالم اللاشعور وحل بعض المعضلات الروحية عن طريق هذا الاكتشاف، سعى لتبرير ظاهرة الوحي بما يتناسب ويتفق مع هذا الاكتشاف، حيث ادعوا أن الوحي هو ترشحات عالم اللاشعور التي تظهر عند الانبياء على شكل طفرات فكرية بالصدفة. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - معرفة النفس ترجمة (الدكتور ساعدي) الصفحات 6 و 7 مع إيضاح بسيط (بالفارسية). [211] وقد ساعد الانبياء في ذلك احياناً ـ أمران: الاول النبوغ الفكري، والثاني هو الترويض والتفكير المستمر. وطبقاً لهذه الفرضية، فان علاقة "الوحي" بعالم ما وراء الطبيعة ليست علاقة من نوع خاص ومغايرة للعلاقات الفكرية والعقلية لبقية أفراد البشر، وان هذا لا يتم عن طريق وجود روحي مستقل باسم "الوحي"، بل هو انعكاس لضمير الانبياء الخفي، وهذه الفرضية كالسابقة القائلة بأن الوحي هو الاتصال بالعقل الفعال، تفتقد الدليل. وقد يكون المراد بهذا من هذا الكلام ليس اثبات حقيقة الوحي، بل مرادهم إِن ظاهرة الوحي لا تتنافى مع العلوم الحديثة، ويمكن بتجلي عالم اللاشعور لدى الانبياء. وبتعبير أوضح، فان العلماء يصرون على تفسير جميع ظواهر العالم طبقاً للقوانين الطبيعية والاصول العلمية التي اكتشفوها، ولهذا فانهم بمجرد مشاهدتهم لظاهرة جديدة، يسعون الى تحليلها في اطار العلم الحديث ، واذا افتقوا الدليل في هذا المجال اكتفوابالفرضيات. لكن تلقي ظواهر العالم بهذا الشكل ليس صحيحاً، وهذا هو خطأ العلماء الطبيعيين، فان مفهوم كلامهم هذا هو: اننا فهمنا الاصول والقوانين الاساسية للعالم، ولا توجد ظاهرة خارجة عن اُطُر هذه القوانين والاصول. وهذا إِدعاء محض ولا دليل له، بل لنا دليل على العكس، حيث نشاهد بمرور الزمن اكتشاف اصول وقوانين جديدة لنظام هذا العالم، ولدينا قرائن تثبت أن نسبة ما نعلمه عن هذا الى ما لا نعلمه كنسبة القطرة الى البحر. لقد عجزنا عن المعرفة الدقيقة لحواس الحيوانات الغامضة، بل وحتى عن معرفة أسرار وجودنا، لذا لا يمكننا سوى ادعاء معرفة قسم من هذه الأسرار فقط. فلماذا ـ إِذن ـ هذا الاصرار كله على تبرى ظاهرة الوحي في اُطُر القوانين العلمية المكتشفة، بل ينبغي القول: إِن الوحي حقيقةٌ شاهدنا آثارها ولم نطلع على ذاتها وحقيقتها. [212] * * * 4 ـ فرضية كون الوحي غريزة: أبدى بعض المفكرين الاسلاميين المتأثرين بأفكار العلماء الغربيين فرضية اخرى في مجال الوحي تختلف في الظاهر عن الفرضيتين السابقتين إلاّ أنها تتفق معهما جوهرياً. وقد بُنيبت هذه الفرضية على الاصول الآتية: 1 ـ أَن "الوحي" لغة يعني النجوى بهدوء، واستعملت في القرآن بماهيم عدة تشمل أنواع الهدايات الغامضة، بدءً بهداية الجمادات والنباتات وانتهاءً بهداية الانسان عن طريق الوحي. 2 ـ إِن الوحي نوع من انواع الغريزة، وهداية الوحي ليس الا هداية غريزية. 3 ـ أن الوحي هداية الانسان من وجهة نظر جماعية، أي ان المجتمع الانساني بما هو كتلة واحدة، له مسير وقوانين وحركة، فيحتاج للهداية، ودور "النبي" في هذا المجال كدور الجهاز المتسلِم الذي يتسلم ما يحتاجه نوع البشر بشكل غريزي. 4 ـ إِن الأحياء تهتدي في مراحلها الاولى بواسطة الغريزة، وكلما تكاملت ونما حس التصور والفكر عندها، كلما نقصت قدرة الغريزة فيها، وفي الحقيقة فان الحس والتفكير يستخلفان الغريزة، وعلى هذا الاساس فالحشرات لها غرائز أكثر وأقوى، والانسان أقل غرائزاً بالقياس الى الحيوانات الاخرى. 5 ـ أَن المجتمعات البشرية ( من وجهة نظر اجتماعية ) تسير دائماً في طريق التكامل وتتجه نحوه، فكما أن الحيوانات في مراحل حياتها الابتدائية كانت تستند الى الهداية الغريزية بالكامل ، ثم اعتمدت تدريجياً على حواسها وتخيلها وايحاناً تفكيرها ، وعندما نما عندها التفكير والحواس تدريجياً ، [213] استخلفا الغريزة ، كذلك المجتمع البشري ، فبنموه وتكامل عقله ضعفت غريزة الوحي عنده. 6 ـ أَن للعالم البشري عهدين ، عهد هداية الوحي، وعهد هداية التعقل والتفكير في طبيعة التاريخ. 7 ـ أَن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي ختمت به النبوة رسول للعهد القديم والحديث ، فانه من حيث مصدر الالهام الذي كان يستفيض منه (لا مصدر التجربة الطبيعية والتاريخ) فهو يتعلق بالعهد القديم. ومن حيث روح تعاليمه التي تدعو الى التفكر والتعقل ودراسة الطبيعة والتاريخ (التي ينتهي عمل الوحي بمجيئها) فهو يتعلق بالعصر الحديث(1). إِن المستخلص من هذه الفرضية أن الوحي نوع معرفة لا إِرادية تشبه الغرائز وهي دون المعرفة الارادية التي تحصل عن طريق الحواس ولاتجربة والعقل، وتضعف هذه القدرة "الوحي" كلما تكامل جهاز العقل والفكر، فيستخلف العقل حينئذ الوحي، ومن هذا الباب ختمت النبوة. بالرغم من إِن هذه الفرضية ـ صدرت عن مفكر اسلامي ـ الا أنها أضعف في بعض جوانبها من الفرضيات التي أبداها علماء وكُتّاب غربيون في هذا المجال، ومثلها من حيث فقدان الدليل، ويمكن القول: إِن هذه النظرية أسوأ نظرية اُبديت في هذا المجال لحد الآن، وذلك للامور الآتية: أولا ـ إِن العلماء الغربيين عدوا الوحي شيئاً فوق الادراك الحسي والعقلي للانسان، بينما عُدَّ في هذه النظرية شيئاً دون ذلك، وهذا شيءٌ عجاب! ثانياً ـ لم يَعِدَّ المفكرون الغربيون الوحي نوعاً من أنواع الغرائز الحيوانية، في حين عُدَّ في هذه النظرية من ذلك القبيل. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - مقدمة في الرؤية العالمية الاسلامية، للشهيد المطهري (وقد ذكر الشهيد المرحوم النقاط السبعة السابقة التي تعكس رأي اقبال اللاهوري في كتابه "احياء الفكر الديني في الاسلام" بشكل ملخص ونقدها). [214] ثالثاً ـ إِن أمر الوحي واضح بالكامل لمسلم عارف بمفاهيم القرآن حيث يُعتبر نوعاً من الاتصال بالعالم الالهي، وتسلم معارف عظيمة وجليلة للغاية من هذا العلم لم يستطع الانسان أن يصل اليها بالعقل. إِن الوحي من وجهة نظر القرآن الكريم هداية إِرادية بالكامل وأرفع بكثير من "الهداية العقلية"، ـ وكما قلنا سابقاً ـ فإنا اذا شبهنا العقل بنور مصباح نيّر فان الوحي بمثابة الشمس الساطعة. يخاطب القرآن الناس ـ من جهة ـ قائلا: (وَما أوتيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ اِلاّ قليلا)(الاسراء / 85). ومن جهة اخرى يصف الله علمه ويقول: (وَلَوْ اَنَّ ما في الاَْرْضِ مِنَ شَجَرَة اَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ اَبْحُرْ مّا نَفَدَتْ كَلِماتُ اللهِ اِنَّ اللهَ عَزيزٌ حَكيمٌ)(لقمان / 27). فوحي النبوة ارتباط بهذا العلم اللامتناهي ولهذا يصرح القرآن الكريم أن الله هو معلم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). (النساء / 113) ان العقل والعلم البشري مهما نميا وتكاملا أضعف من أن يقودا الانسان الى طريق السعادة من دون هداية الوحي، والدليل الحي لهذا الكلام هو مذاهب الفلاسفة وانحرافاتهم العجيبة. ان الذين عُرفوا كمفكرين اسلاميين هم مفكرون غربيون في واقع أمرهم، وأفكارهم اتخذت صبغة الافكار الغربية، ولهذا سعوا دائماً لذكر تبريرات طبيعية للامور غير الطبيعية. ان الغربيين اذا اصروا على ذكر تبريرات طبيعية للامور الغيبية، فذلك لانكارهم عالم الغيب، فلا ينبغي لأي مسلم اقتفاء أثرهم في ذكر تبرير طبيعي لمسألة كهذه. [215] من المؤسف أن الآثار السيئة لهذا التقليد نجدها في كثير من كتب اولئك المفكرين الذين غالباً ما درسوا في الغرب، ومعلوماتهم عن الاسلام قليلة جداً. * * * 5 ـ كيف تيّقن الرسول بأن الوحي من الله؟ إن هذا السؤال من جملة الاسئلة التي طرحت حول مسألة الوحي. كيف علم الرسول بان الوحي من الله وليس إِلقاء شيطانياً؟ وبتعبير آخر: ما هو مصدر هذا العلم واليقين؟ ان الجواب عن هذا السؤال واضح، فاضافة الى أن الفرق بين الالقاءات الرحمانية والالقاءات الشيطانية كالفرق بين السماء والارض، فإِن محتوى كلٍّ منهما يعرف نفسه، وينبغي القول: إِن الرسول عندما يتصل بالوحي يذعن بحقيقته بالنظر الباطني، وأمره كالشمس الساطعة نهاراً، فلا نعتني بالذي يشكك بوجودها ويقول: يُحتمل أن تكون وهماً لا أكثر، وذلك لأن احساسنا بها قطعي ولا يقبل الشك. يقول العلامة الطباطبائي(قدس سره) عند تفسيره للآية (فَلَمّا آتاها نُوديَ يا موسى * إنّي أنَا رَبُّكَ) (طه / 11 ـ 12). وهذا حال النّبي والرسول في أوّل ما يوحى إليه بالنبوّة والرسالة ، لم يختلجه شك ولم يعترضه ريب في ان الذي يوحي اليه هو الله سبحانه، من غير ان يحتاج الى اِعمال نظر، او التماس دليل، او اقامة حجة، ولو افتقر الى شيء من ذلك كان اكتساباً بواسطة القوة النظرية، لا تلقياً من الغيب، من غير توسّط واسطة(1). ومن هنا يتضح سقم ما جاء في بعض الروايات من أن الوحي عندما نزل لأول ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الميزان الجزء 14 الصفحة 138. [216] مرة على الرسول في غار "حراء" ذهب الى بيت خديجة وقصّ عليها ما جرى واضاف: إِني أخاف (أي أخاف أن تكون الايحاءات شيطانية لا إِلهية) فطمأنته خديجة، ثم ذهب الى ورقة بن نوفل (ابن عم خديجة) الذي كان متخذاً المسيحية ديناً له في عهد الجاهلية، وكان يعرف القرءاة والكتابة العربية والعبرية، فطلب من النبي حكاية ما جرى له .. وبعد ما قصَّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الحدث له، قال ورقة: اِنه هو الوحي الذي كان يهبط على موسى ثم أضاف: ليتني أكون حياً عندما يخرجك قومك من هذه المدينة.(1) إِن الاختلاف في هذا الحديث واضح . اذ كيف يحتاج الرسول الذي يتصل بعالم الغيب الى ورقة بن نوفل الكاهن النصراني؟ وكيف يمكن الاعتماد على وحي مثل هذا؟ لماذا لم يشك به موسى بن عمران عندما نزل عليه أوّل مرّة في طور سيناء؟ بالرغم من ان موسى سمع صوته فقط ولم يشاهده ، ألم تكن هناك أيد خفيّة وراء هذه الخرافات لتضعيف أعمدة الوحي والنبوة في الدين الاسلامي؟ * * * 6 ـ القرآن أغنى مصدر للمعرفة في الاحادث الاسلامية: نستمر في البحث مع الاشارة الى أهمية وغنى أكبر مصداق للوحي وهو القرآن المجيد اعتماداً على ما جاء على السنة الأئمة البررة ، كي يكون تأكيداً لأصل وموقعية القرآن كمصدر عظيم للمعرفة ، كما يكون جواباً لأولئك الذين يذهبون شططاً ويعدون الوحي من "الغرائز الحيوانية" وأدنى من الادراكات ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نقل هذا المضمون كثير من المحدثين والمفسرين من أهل السنة منهم "البخاري في صحيحه و"مسلم" و"سيد قطب في تفسيره في ظلال القرآن في بداية سورة العلق" كما ورد في "دائرة معارف القرن العشرين ـ مادة وحي ـ ". [217] العقلية، ويعتقدون أن الانسان استغنى عن الوحي والمعارف التي تنشأ منه بعد تكامله العقلي! ـ قال الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مخاطباً المسلمين: "إِذا التبست عليكم الامور كقِطّع الليل المُظلم فعليكم بالقرآن ... مَن جعله أمامه قاده الى الجنّة، ومن جعله خَلفَهُ ساقه الى النار ، وهو أوضح دليل الى خير سبيل، مَنْ قال به صدق، ومَن عمل به اُجرَ، ومَن حَكَمَ به عَدَلَ"(1). 2 ـ ويقول الامام امير المؤمنين (عليه السلام) في احدى خُطب نهج البلاغة: "ثم أنزل عليه الكتاب نوراً لاتطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقده، وبحراً لا يدرك مقره، ومنهاجاً لا يضل نهجُه، وشعاعاً لا يظلم ضوؤه، وفرقاناً لا يخمد برهانه، وتبيانياً لا تُهدم أركانه، وشفاءً لا تخشى أسقامه، وعزاً لا تُهزم أنصاره، وحقاً لا تُخذل أعوانه". "فهو معدنُ الايمان وبحبوحته وينابيع العلم وبحوره، ورياض العدل وغدرانه، وأثافي الاسلام وبنيانه"(2). 3 ـ ويقول الامام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): سأل رجل الامام الصادق(عليه السلام): "ما بالُ القرآن لا يزداد على النَّشر والدرس إلاّ غضاضة"؟ فقال الامام: "لأن الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كلَّ قوم غضٌّ الى يوم القيامة"(3). والأحاديث الوارده في هذا المجال كثيرة في مصادر السنة والشيعة ، وقد ذكرنا ثلاثة فقط، احدها للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والآخر لأمير المؤمنين(عليه السلام) وحديثاً للامام الصادق(عليه السلام). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نقل المرحوم العلاّمة المجلسي هذه الخطبة في بحار الانوار عن أبي سعيد الخدري من جملة خُطَب الرسول التي نقلها (الجزء 74 الصفحة 177). 2 - نهج البلاغة، الخطبة 198. 3 - بحار الانوار الجزء 89 الصفحة 15. [218] * * * 7 ـ الوحي الخاص الى غير الأنبياء (وحي الالهام): كما ذكرنا في بداية البحث ان للوحي معان كثيرة ، منها "وحي النبوة والرسالة"، وهناك قسم آخر من الوحي وهو "الالهام" الذي يُلقى في قلوب غير الانبياء، أو خطاب يُبلَّغ به غير الانبياء. ومثاله ما جاء عن اُم موسى حيث يقول القرآن في هذا المجال: (وَأوْحَيْنا الى أُمِّ مُوسى أنْ ارْضِعِيهِ فَاذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَاَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافي وَلا تَحْزَني)(القصص / 7)، وقريب من هذا ما جاء عن الحواريين، حيث يقول الله تعالى: (وَاِذْ أَوْحَيْتُ اِلى الْحَوارِيّين اَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولي قالُوا آمَنّا وَاشْهَدْ بِاَنَّنا مُسْلِمُون) (المائدة / 111). كما قال الله في يوسف قبل ان يبعثه نبيّاً، عندما أراد اخوته أن يلقوه في اليم: (وَأَوْحَيْنا اِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِاَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُون) (يوسف / 15). وهذا الوحي ليس هو نفس وحي النبوة ، بل وحي إِلهامي، بقرينة الآية (22) من نفس السورة ، حيث جاء فيها أن الله ألهم نبيّهُ (يوسف) كي يدرك بأنه ليس وحيداً بل الله يحفظه ويرزقه نصيباً من القدرة ويصل الأمر الى أن يندم اخوته على فعلهم، وهذا الوحي هو الذي جعل الأمل ينبعث في قلب يوسف. يذكر "الفخر الرازي" ستة احتمالات في ذيل الآية (38) من سورة طه، وأغلبها خلاف الظاهر ، لأن ظاهر الآية هو الالقاء في القلب ، أو سماع صوت ملك الوحي الذي يتناسب والمعنى اللغوي للوحي(1). ومثال القسم الثاني هو الخطاب الذي أبلغه أحد الملائكة لمريم والذي كان يتعلق بولادة عيسى(عليه السلام) ، وقد حكى القرآن حوار مريم مع الملك الذي تمثل في ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - راجع المجلد 22 من التفسير الكبير الصفحة 51. [219] صورة انسان وسيم. وأوضح مثال للوحي الالهامي هو الذي كان يُقذف في قلوب الأئمة المعصومين(عليهم السلام) والذي اُشير إِليه كثيراً في الروايات. وعندما سُئل الامام الصادق(عليه السلام) عن مصدر علم الأئمة قال: "مَبْلَغُ علمنا ثلاثة وجوه: ماض ، وغابر ، وحادث فامّا الماضي فمُفَسَّرٌ وَأمّا الغابر فمزبور ، وامّا الحادث فقذف في القلوب، ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا ولا نبيَّ بعد نبيّنا"(1) وقد جاء في حديث آخر للامام الرضا(عليه السلام) يقول فيه: "واما النكت في القلوب فهو الالهام واما النقر في الاسماع فحديث الملائكة، نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم"(2). وبصورة عامة ، فان علوم الأئمة(عليهم السلام) تحصل من عدة طرق : العلوم التي ورثوها عن الرسول والائمة الذين سبقوا ، على شكل وصايا وقواعد مدوّنة توضع في متناول أيديهم والتي قد يطلق عليها في بعض الاخبار "الجامعة"، وعندما يصحل لهم أمر مستحدث لا وجود له في المصادر التي في أيديهم ، يوحي الله اليهم إِلهاماً قلبياً أو نقراً في أسماعهم يسمعون به صوت الملائكة "كما هو الحال بالنسبة لمريم(عليه السلام)". لكن المسلَّم به أن هذا الوحي لا علاقة له بوحي النبوة، وهو من قبيل وحي الحواريين وامثال ذلك، وفي الواقع، إِن الاصطلاح العصري للوحي يطلق على وحي النبوة الذي يسمى "إِلهاماً" ، وقد قال العلامة الطباطبائي في هذا المجال: حبذا لوا أطلقنا عليه إِلهاماً لانه يتفق والأدب الديني(3). يراجع ـ للتفصيل ـ المجلد (26) من بحار الأنوار ، باب علوم الائمة(عليهم السلام) ، كما ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - بحار الانوار الجزء 26 الصفحة 50. 2 - ارشاد المفيد الجزء 2 الصفحة 80، وبحار الانوار الجزء 26 الصفحة 18. 3 - الميزان الجزء 12 الصفحة 312. [220] يراجع المجلد الاول من اصول الكافي باب ان الائمة(عليهم السلام) محدَّثون. * * * 8 ـ كيفية نزول الوحي على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): كما قلنا سابقاً، إِنا لا ندرك حقيقة الوحي، وهي من المجهولات عندنا، لأن إِدراكها شيءٌ خارج عن اطار الحس والعقل، نحن ندرك آثار الوحي فحسب، والأثر يدلّ على المؤثِّر، وعلى هذا فالسعي لله للوخول في عالم الوحي الغامض عبث، إِلاّ أن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة(عليهم السلام) عندما كانوا يُسألون عن كيفية الايحاء، يجيبون جواباً وافياً بحيث يرسم في الذهن عن الوحي شبحاً، شبحاً فقط! تحدث الصدوق(قدس سره) في كتابه "الاعتقادات" عن نزول الوحي حديثاً لابدّ أنه استخلصه من الروايات حيث قال فيه: "اعتقادنا في ذلك أنّ بين عيني اسرافيل لوحاً ، فاذا اراد الله عزوجل ان يتكلم بالوحي ضرب اللوح جبين اسرافيل، فنظر فيه فقرأ ما فيه، فيلقيه الى ميكائيل، ويلقيه ميكائيل الى جبرائيل(عليه السلام) ويلقيه جبرئيل الى الانبياء(عليهم السلام) ، وأمّا الغشية التي كانت تأخذ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يثقل ويعرق فانّ ذلك كان يكون منه عند مخاطبة الله عزوجل اياه فأما جبرائيل فانه كان لا يدخل على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يستأذنه اكراماً له، وكان يقعد بين يديه قعدة العبد"(1). وقد جاء في الروايات مضمون هذا الحديث اجمالا(2). ونقرأ في حديث آخر أن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما كان يوحى إِليه يسمع صوتاً هادئاً قرب وجهه. وقد جاء في حديث آخر: إِن الوحي عندما كان ينزل على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يبدأ ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - اعتقادات الصدوق الصفحة 100. 2 - بحار الانوار الجزء 18 الصفحة 254 حديث 9 والصفحة 256 حديث 6. [221] جبينه يتصبب عرقاً وان كان الجو بارداً(1). وبصورة عامة فان الوحي كان يهبط على رسول الله باشكال مختلفة ، ولكل شكل آثاره الخاصة به. كما يستفاد من الروايات أن جبرئيل كان يهبط على الرسول أحياناً ـ بشكله الأصل الذي خلقه الله عليه، ويحتمل انه هبط بهذا الشكل مرتين فقط طوال عمر الرسول (كما أشير الى ذلك في بعض تفاسير سورة النجم)(2)، كما أنه قد يهبط متمثلا في صورة "دحية الكلبي" (3)(4). * * * 9 ـ الالهامات الغريزية: قلنا سابقاً أن للوحي مفهوماً واسعاً سواء في القرآن أو في كتب اللغة، كما قلنا إِن أحد مصاديقه هو الادراك الغريزي عند الحيوانات، ولا يمكن تحليله بأي تحليل مادي، بل وجوده في الحيوانات دليل على وجود ذلك المصدر الغني والعظيم للعلم والمعرفة فيما وراء الطبيعة. وقد أشار القرآن المجيد الى هذا الأمر العجيب بالنسبة للنحل في الآيات (68 و 69) من سورة النحل. لقد اتضح لنا ـ بعد التحقيقات التي اجريت على هذه الحشرة في العصر الحاضر ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - بحار الانوار الجزء 18 الصفحة 261. 2 - في ظلال القرآن الجزء 7 الصفحة 306. 3 - بحار الانوار الجزء 18 الصفحة 267 حديث 29. 4 - إن دحية بن خليفة الكلبي هو أخو الرسول الرضاعي، وكان من أجمل الناس آنذاك، فكان يتمثل في صوته جبرئيل عندما يريد الهبوط على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) (مجمع البحرين مادة وحي). وكان من مشاهير صحابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ويُعرف بحسن الوجه، أرسله الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرسالة الى قيصر الروم "هرقل" في السنة السادسة أو السابعة من الهجرة، وكان حياً حتى خلافة عمر (قاموس دهخدا بالفارسية). [222] ـ أن النحل يعيش حياة اجتماعية وتمدن عجيب يفوق تمدن الانسان في بعض نواحيه، فالعمران والبناء يتم عنده بدقة كاملة وطبقاً للمواصفات الهندسية، وكيفية تجميع العسل وتهيئة وادخاره وحفظه من التلوث، وكيفية تربية الصغار، والتعذية الخاصة للملكة، والتحقق من عدم تلوث بعض النحل بالزهور الملوثة، وكيفية الدفاع ضد العدو، وكيفية إِخبار أعضاء الخلية عن الزهور بواسة النحل الملكف بالبحث، وإعطاء المواصفات الدقيقة من حيث المسافة والانحراف وذلك للحركة الجماعية نحو ذلك المصدر، وغير ذلك من الامور العجيبة التي لا يمكن تفسيرها إلاّ بالقول بأنّ لها إِلهاماً غريزياً. ويقال: انه تم التعرف على (4500) نوعاً من أنواع هذه الحشرة، والعجيب في الأمر ان جميعها تتبع طريقة واحدة في كيفية البناء والمَصّ والتغذية من الزهور(1). أن البحث يستدعي عدم الخروج عن صلب الموضوع كثيراً ، وإلاّ فالحديث عن الحياة الغامضة للنحل طويل، ويكفينا منه الحديث عن بنائه لبيت سداسي الاضلاع مع زوايا هندسية دقيقة، يقول العلماء في هذا المجال: إِن الحجُرات المبنية من قبل النحل بنيت بشكل يتطلب مواد بناء أقل، رغم سعة محتواها، لوجود ثلاثة أشكال فقط من بين الاشكال الهندسية المتعددة ـ يمكن بناء البيوت على أساسها من دون حصول فراغ بينها، والإشكال هي، المثلث متساوي الاضلاع والرباعي، والسداسي الاضلاع، وقد كشفت الدراسات الهندسية أن سداسي الاضلاع يتطلب مواد بناء أقل مع شدة مقاومته، ولهذا السبب رجحه النحل على الشكلين الآخرين. من أين حصلت له هذه الالهامات الغريزية؟ وفي أي مدرسة تعلم هذه التعاليم؟ لم ينحصر هذاا الالهام الغريزي في النحل، بل نجده في كثير من الحيوانات ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - اول جامعة، الجزء 5 الصفحة 55 "بالفارسية". [223] الاخرى تفوق عجائب كلٍّ منها الاخرى، نذكر لذلك الأمثلة الآتية: يقول أحد العلماء في كتاب له باسم "البحر بيت العجائب": "إِن سلوك بعض الأسماك تعتبر من أسرار الطبيعة ولا أحد يستطيع أن يكشف الأسباب لهذا السلوك، فهناك نوع من الأسماك يسمى "النُقْط" يغادر البحر المالح الى أنهر عذبة أي الاماكن التي ولدت فيها نفسها ، وقد يقتضي ذلك أن تسير عكس اتجاه حركة المياه ، أو تصعد الشلالات من اسفلها ، وقد يبلغ عددها حداً بحيث تملأ النهر ، وعندما تصل الى المحل المقصود تبيض ثم تموت! يا تُرى: كيف تشق هذه الأسماك طريقها الى الانهار المناسبة؟ إِنه أمر عجيب ، أعجب من المذياع والتلفاز ، لأنها تفتقد الخارطة ، كما ان بصرها تحت الماء محدود، ولم يدلها أحد الطريق ، وبالرغم من ذلك فهي تصل الى النهر المقصود". ويضيف في نفس الكتاب: "إِن الاعجب من ذلك هو سلوك اسماك "الانكليس" الانجليزية "سمك يشبه الحية" حين تبلغ ثمان سنوات تغادر النهر أو المستنقع ، ثم تزحف ليلا على الأعشاب المتشابكة حتى تصل الى شاطىء البحر ، ثم تجتاز المحيط الاطلسي عرضاً حتى تصل الى المياه القريبة من "برمودا"! وتغوص في المحيط آنذاك وتبيض ثم تموت ... إِن صغار هذا الانكليس تطفو على سطح البحر وتبدأ سفرها الى وطنها، وتستغرق هذه السفة سنتين أو ثلاثاً حتى تصل الى المحل الذي كان فيه أسلافها. كيف وجدت الانكليس طريقها رغم انها لم تعبره سابقاً؟ إنه سؤال لا يمكنك الاجابة عنه، كما لا يستطيع أعقل العلماء الاجابة عنه، فالجواب سلبي ، ولا أحد [224] يعرفه"(1)! وكثير من الطيور المهاجرة تجتاز طرقاً ومسافات طويلة ، وبعضها يجتاز طريق "اوربا" الى "افريقيا الجنوبية" دون خطأ في التجاه ، لم نكتشف كيفية اهتداء هذه الطيور في الطريق حتى فترة ليست ببعيدة. وقد أثبت بعض العلماء ـ بعد التحقيق والتجارب على هذه الطيور ـ أنّها تهتدي الطريق بواسطة مواقع النجوم. وقد أثبت التجارب انها تعرف مواقع النجوم غريزياً ، وتعلم تغير مواقعها حسب فصول السنة، وحتى عندما تتلبد السماء بالغيوم ، فان وميض بعض من النجوم يكفيها للاهتداء في الطريق. كما أثبتت تجارب اخرى أنها ورثت معرفتها عن الفلك ومواقع النجوم ، أي انها تعلم كل شيء عن السماء ومواقع النجوم وإِن لم تشاهد السماء سابقاً ، بالطبع لم تُكتشف كيفية انتقال هذه المعلومات التفصيلية لهذه الطيور بالورثة، خاصة وان السماء تتغير أشكالها بمرور الزمان، ثم: من أين حصل الجيل القديم على هذه المعلومات؟!(2). والنموذج الآخر لهذه الغريزة هو سلوك طير باسم " آكسك لوب " عندما تبيض، فيقول العالم الفرنسي "وارد" حول هذا الحيوان: " إِني درست حالات هذه الطيرو ، فوجدت من خصائصها أنها تموت بعد أن تبيض، ولا ترى أفراخها أبداً، كما أن الأفراخ لا ترى امهاتها الحنونات ، وعندما تفقس البيوض تخرج كالدود بلا أجنحة ولا ريش، ولا قدرة لها على تحصيل الطعام ، ولا قدرة لها للدفاع عن نفسها من الحوادث والمخاطر التي تهدد حياتها ، ولهذا ينبغي أن تبقى في مكان محفوظ فيه طعام يكفيها لمدة سنة ، ولهذا السبب ، ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - البحر، بيت العجائب الصفحة 116 و 117 (بالفارسية). 2 - حواس الحيوانات الغامضة، تأليف (ويتوس دروشر)، ترجمة لاله زاري الصفحة 167 ـ 71 (ملخص) "بالفارسية". [225] فالام عندما تشعر انها على وشك أن تبيض تبحث عن قطعة من خشب ثم تثقبها ثقباً عميقاً ، وتجمع فيها المؤونة الكافية، فتجمع اولا اوراق الاشجار ما يكفي لفرخ واحد لمدة سنة وتلقيها في نهاية الثقب العميق، ثم تضع عليها بيضة وتبني عليها سقفاً محكماً من معجون خشبي. ثم تبدأ ثانياً في جمع مؤونة فرخ آخر لمدة سنة وبعد جمعها المؤونة ووضعها على سطح الغرفة الاولى، تضع بيضة ثانية عليها وسقفاً آخر، وهكذا تبني الغرفة بعد الغرفة حتى تموت(1). من الذي علم هذا الطير هذا الحجم من المعلومات رغم انه لم ير امه ولا أفراخه؟ لا جواب لأحد على هذا السؤال إِلاّ القول، بانها الهامات غريزية من قبل الخالق العظيم. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ "المتلبسون بالفلسفة" الصفحة 229، "بالفارسية". [226] المصدر السادس: الكشف والشهود [227] [228] 6 ـ الكشف والشهود تمهيد: إِن سادس وآخر مصدر للمعرفة هو "الشهود القلبي والمكاشفة". وقبل كل شيء ينغي تعريف هذا المصدر المجهول عند أكثر الناس، كي يتضح فرقه عن "الوحي" و"الالهام" و"الفطرة" و"الادراكات العقلية"، ولكي لا يحملُهُ الجهلة على "اتباع الظن". ومن جهة اخرى، لكي نحول دون استغلال هذا العنوان من قبل البعض، والنظر اليه نظره تشاؤمية من قبل البعض الآخر. ان الكائنات على قسمين: 1 ـ الكائنات التي يمكن إِدراكها بالحواس وهي "عالم الحس". 2 ـ الكائنات الخفية عن حواسنا وتلك هي "عالم الغيب". لكن الانسان ـ أحياناً ـ ينفتح أمامه طريق باتجاه عالم الغيب يمكّنه من معرفة بعض الحقائق الغيبية (حسب قابليته) ، وبتعبير آخر ، تتكشف له بعض حقائق عالم الغيب فيشاهد تلك الحقائق كما يشاهد حقائق عالم الحس ، بل أوضج وأوثق. ويقال لهذه الحالة "المكاشفة" أو "الشهود الباطني". وهذا العلم هو المراد في الايتين (5 و 6) من سورة التكاثر حيث جاء فيهما: [229] (كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينَ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)! وقد جاء في المصادر الاسلامية المختلفة: إِن "المجرمين" و"المؤمنين" تحصل لديهم هذه الحالة عند الاحتضار، فيشاهد المؤمنون عندها ملائكة الله المقدسين بينما يعجز الجالسون حولهم عن ذلك. كما حصل هذا الامر لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة الخندق عندما ضرب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الصخرة ثلاثاً وكان يظهر بريقا في كل ضربة وعند سؤال المسلمين عن هذا البريق قال: أضاءت الحيرة وقصور كسرى في الاولى وفي الثانية أرض الشام والروم وفي الثالثة قصور صنعاء ... وسيأتي تفصيل الحديث(1). كما أنه قد حصل هذا لآمنة ام النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما كانت حبلى به حيث قالت: رأيت نوراً خرج مني شاهدت به قصور بلاد "بصرى" في "الشام"، وهناك كثير من النماذج جاءت في الآيات والروايات نشير إليها فيما بعد، انشاء الله. فهذه كلها لا وحي ولا إلهام قلبي، بل نوع من المشاهده والادراك تختلف عن المشاهدة والادراك الحسي. وعلى هذا، فالكشف والشهود ـ اختصاراً ـ عبارة عن: الدخول في عالم ما وراء الحس ومشاهدة حقائق ذلك العالم بالعين الباطنية، كالمشاهدة الحسية بل أقوى، أو سماع تلك الحقائق باُذن روحانية. بالطبع لا يمكن الوثوق بكلام كل من يدعي التحلي بهذه الملكة ، إلاّ أنه ينبغي الاذعان بأصل وجود مصدر المعرفة ونتحدث أولا عن هذا الأمر، ثم عن كيفية الوصول إليه، ثم طريق تمييز المدعين الصادقين عن الكاذبين. وبعد هذا التمهيد، نصغي خاشعين الى الآيات التالية: (وَكَذلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَواتِ وَالاَْرْضِ وَلَيَكُونَ مِنَ الْمُوْقِنينَ). (الانعام / 75) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - "الكامل في التاريخ"، الجزء 2 الصفحة 179. [230] 2 ـ (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ اِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةَ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). (التوبة / 105). 3 ـ (ما كَذّبَ الْفُوأدُ ما رَأَى * أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرَى * وَلَقَدْ رَاَهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى). (النجم / 11 ـ 14) 4 ـ (كَلاّ لَوْ تَعْلَمُون عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الجَحيم) (التكاثر / 5 ـ 6) 5 ـ (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئذ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً). (الفرقان / 22) 6 ـ ( وَاذْ زَيّنَ لَهُمُ الشَّيْطـانُ أَعْمـالَهُمْ وَقـالَ لا غـالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَاِني جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَرَائَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقـالَ إِنّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ انِّي أَرَى مـا لا تَرَوْن اِنّي أَخـافُ الله وَاللهُ شَديدُ الْعِقـابِ). (الانفال / 48). 7 ـ ( وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قـالَ أَبُوهُمْ إِنّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَولا أَنْ تُفَنِّدُونَ). (يوسف / 94). 8 ـ (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا اِلَيْهـا رُوحَنـا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيّاً). (مريم / 17) * * * [231] شرح المفردات: إنَّ "ملكوت" اشتقت من مادة "المُلْك" والتي تعني الملكية والحكومة، واضيفت لها " الواو " و" التاء " للتأكيد والمبالغة ، أمّا مَلْكُوَة فتعني الحكومة والعزة. يقول الطريحي في " مجمع البحرين "، إن ملكوت جاءت بمعنى العزة والسلطنة والمملكة ، وادعى بعض أئمة اللغة أنها تعني " الحكومة العظيمة " وهو يتفق مع ما قاله الراغب في مفرداته، ويقول صاحب الميزان: كان النظر في ملكوت الاشياء يهدي الانسان الى التوحيد هداية قطعية(1). إنَّ "فؤاد" ـ كما بينا معناه بالتفصيل سابقاً ـ معناه القلب والروح عندما ينضجان ويتكاملان، وهو مشتق من مادة "فأْد" التي تعني الشوي. وإنّ "أجد" من مادة "وجود" ويعني الحصول، فقد يكون الحصول عن طريق احدى الحواس الظاهرية ، مثل الرؤية بالعين ، والسماع بالذن ، أو بواسطة الحاسة الشامة، وقد يحصل عن طريق الحواس الباطنية مثل الاحساس بالجوع أو الشبع والهم والغم ، وقد يصحل عن طريق العقل مثل وجدان الله بالاستدلال العقلي والبراهين المختلفة. كلمة " تمثّل " من مادة " مُثُول " ويعني الوقوف أمام شخص أو شيء ، ويقال مُمَثَّل بشخص او شيء أي ظهر في صورة شخص او شيء آخر ، وقد تكرر موضوع التمثل في الروايات الاسلامية والتواريخ، منها ظهور ابليس في "دار الندوة" أمام المشركين وهم يخططون لقتل الرسول متمثلا في شكل رجل صالح وخير. ومنها تمثل الدنيا في صورة امرأة جميلة وخلابة امام الامام علي(عليه السلام) وعدم استطاعتها من النفوذ في قلبه الطاهر وقصتها معروفة، ومنها تمثل أعمال الانسان ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الميزان الجزء 7 الصفحة 171. [232] امامه في القبر ويوم القيامة، كلٌّ بشكله المناسب له حيث عبرت الروايات الاسلامية عن هذا الأمر بالتمثل، ومفهوم التمثل في جميع هذه الموارد هو ظهور شخص أو شيء في صورة شخص أو شكل آخر من دون تغير في باطنه وماهيته(1). * * * جمع الآيات وتفسيرها: إنّ الآية الاولى بعد اشارتها لمقارنة ابراهيم بطل التوحيد للشرك وعبادة الاصنام، تحدثت عن الشأن الرفيع لايمانه ويقينه، ودليل هذا الشأن هو أن الله أراه ملكوت السموات والأرض، فأصبح من أهل اليقين أي وصل الى درجة عين اليقين وحق اليقين ، وقد يكون هذا عطية من الله له، جزاءً لما عاناه من جراء كفاحه للشرك وعبدة الأصنام، ومع الالتفات الى أن "السموات" تفيد العموم هنا (لانها جاءت جمعاً لا مفرداً ومعرفة لا نكرة)، تدرك أن الله أطلع ابراهيم عن سلطانه على جميع ما في السموات من الكواكب والنجوم والمجرات وغيرها، كذلك سلطانه على الارض ما ظهر منها وما بطن، وقد عبّر القرآن عن هذا الأمر بهذا التعبير "نُريَ ابراهيم ..." ومع الالتفات الى أن الانسان لا يمكنه رؤية هذه الحقائق بعينه الظاهرية واستدلالاته العقلية، ندرك أن الله أراه هذه الحقائق عن طريق الشهود الباطني وإزالة الستار التي تحول دون مشاهدة الانسان الحقائق المكتومة. ويذكر الفخر الرازي احتمالين في تفسيره لـ "الاراده"، أحدهما: انها حسية، والثاني: إنها إرائة عن طريق الاستدلال العقلي، ثم اختار الاحتمال الثاني، وذكر تسعة أدلة عليه(2). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الميزان الجزء 14 الصفحة 37. 2 - التفسير الكبير الجزء 13 الصفحة 43. [233] لكنّ ـ كلما قلنا سابقاً ـ الانسان عاجز عن الاحاطة الكاملة بأسرار سلطان الله على العالم سواء كان عن طريق الحس أو عن طريق العقل، وتحتاج الاحاطة هذه إلى طريق إدراك آخر، وهو الشهود الباطني، ولهذا السبب يذكر صاحب "في ظلال القرآن": ان المراد من الآية إخبار ابراهيم عن أسرار الخلق الخفية ورفع الحجاب عن آيات كتاب الخلق التي نشرت كي يصل ابراهيم الى درجة اليقين الكامل(1). وتعبير آخر: إن ابراهيم اجتاز مراحل التوحيد الفطري والاستدلالي ـ في البداية ـ من مشاهدته لطلوع الشمسُ وغروبها وطلوع النجوم وافولها، وجاهد المشركين واجتاز درجات التوحيد في ظل هذا الجهاد العظيم، الواحدة تلوا الاخرى، الى أن بلغ مرحلة حيث كشف الله له الحقائق، وهي مرحلة الشهود الباطني. وهناك حديث للامام الصادق(عليه السلام) في هذا المجال يشير فيه الى هذا المعنى حيث يقول: "كُشِط لإبراهيم السموات السبع حتى نظر ما فوق العرش، وكشط له الارضون السبع، وفُعِل لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم) مثل ذلك ..." "والائمة من بعده قد فُعل بهم مثل ذلك"(2). وقد جاء صاحب البرهان بكثير من الآيات في تفسيره هذا المجال، تكشف أن الادراك هذا ليس هو نفس الادراك العقلي أو الحسي، بل ـ وكما صرح صاحب الميزان وأشرنا إليه سابقاً ـ إن الملكوت هي مجموعة الامور التي تتعلق بالذات الربانية من حيث انتمائها الى تلك الذات، وهذا ما شاهده ابراهيم وبلغ به الى أن وصل الى التوحيد الخالص(3). وهناك روايـتان نقلتا في تفسير " الدر المنثور " عن أحد صـحابة ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - في ظلال القرآن الجزء 39 الصفحة 291. 2 - تفسير البرهان الجزء 1 الصفحة 531 الحديث 2 (ومضمون الحديث الثالث والرابع قريب من مضمون هذا الحديث). 3 - الميزان الجزء 7 الصفحة 178. [234] الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والاخرى عن ابن عباس تبينان أن الله رفع الستار الحاجب عن ابراهيم وأراه ملكوت السموات والارض أي أسرار قدرته، وتحكمه بأسرار الكون(1). * * * والآية الثانية بعد ذكرها لأحكام "الزكاة والصدقة والتوبة" خاطبت الرسول قائلة: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ اِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةَ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). لا شك ان المراد رؤية الأعمال هو رؤية الله لجميع أعمال الناس سواء الصالحة منها أو غير الصالحة وما ظهر منها وما بطن " بقرينة وحدة السياق " وينبغي القول بأن مشاهدة الرسول مثل مشاهدة الله، لأن الآية مطلقة ولم يقيدها شيء ، وأما المؤمنون، فالمراد منهم خلفاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) المعصومون (لا جميع المؤمنين". ومع الالتفات الى أنه لا يمكن مشاهدة هذه الأعمال مشاهدة حسية أو استدلالية عقلية، ينبغي القول: إن الآية بينت حقيقة وهي أن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)والائمة(عليه السلام) يتحلون بمشاهدة تختلف عن المشاهدة الحسية المتعارفة يشاهدون بها جميع أعمال المؤمنين. وقد ذهب الفخر الرازي الى ان المراد من الآية جميع المؤمنين لا الائمة، وعندما وقع في اشكال أن المؤمنين لا يطلع أحدهم على أعمال الآخر، أجاب: إن المراد أنهم يُخبرون بها. وهذا تكلف بلا نتيجة، وتبرير خلاف الظاهر. كما أنه نقلت روايات عديدة في ذيل هذه الآية بينت أن أعمال العباد تُعرض ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الدر المنثور الجزء 3 الصفحة 24. [235] كل صباح (بعض الروايات ليس فيها قيد الصباح) على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)والائمة(عليهم السلام) فيرونها ويفرحون بها إن كانت طاعات، ويتألمون إن كانت معاصياً(1). وهذا الحجم الكبير من الروايات درس كبير لجميع سالكي طريق الحق والهداية، فان هناك مراقبين أجلاّء يراقبون أعمالهم. إن الايمان بهذه الحقيقة لها مردودات تربوية جمة، وقد نقل هذا المضمون في ضمن روايات كثيرة عن الامام الصادق(عليه السلام) حيث يقول في أحدهما: "إذا صار الأمر إليه جعل له عموداً من نور يُبصِرُ به ما يعمل به أهل كل بلدة"(2). * * * والآية الثالثة إشارة الى ما يعتقده البعض من مشاهدة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)لجبرئيل(عليه السلام) في شكلة الحقيقي، وقد شاهده بهذا النحو مرتين، المرة الاولى في بداية بعثته حيث ظهر عليه السلام في الافق وغطى الشرق والغرب، وكان بدرجة من الجلالة والعظمة حيث اضطرب الرسول حينها اضطراباً شديداً، والمرة الثانية هي عند معراجه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد اشير في النجم لكلا اللقائين. وهناك تفسير آخر وهو أن المراد من الرؤية في الآيه هو حصول الشهود الباطني له، الشهود للذات الالهية المقدسة، وهو شهود بالعين الباطنية لا الظاهرية، وهو مصداق واضح لـ "لقاء الله" في هذا العالم، وقد جاء شرح ذلك مفصلا في تفسير الأمثل ذيل آيات سورة النجم(3). وعلى أي حال فان الآية تصرح: إن ما رآه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بقلبه قد حدث ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - جاء في تفسير البرهان في ذيل الآية المذكورة، وفي البحار الجزء 33 الصفحة 326 فما بعد، عشرات من الروايات المنقولة في هذا المجال، ويمكن القول: انها وصلت الى مستوى التواتر، وفي المجلد الثاني الصفحة 157 فما بعد، والمجلد الاول من اصول الكافي باب "عرض الأعمال" جاء ذلك مفصلاً. 2 - منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة الجزء 5 الصفحة 200 (لقد جمع في هذا الكتاب روايات عديدة بهذا المضمون) وقد ذكر بعضاً منها البحراني في تفسيره "البرهان". 3 - تفسير الأمثل الجزء 22 الصفحة 484 الى 393. [236] بالفعل، وقلبه صادق بما شاهده وغير كاذب. والتعبير هذا شاهد على مسألة الكشف والشهود الباطني الذي يعتبر أحد مصادر المعرفة الانسان، انسان مثل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم). وقد جاء في تفسير الميزان: ولا بدع في نسبة الرؤية وهي مشاهدة العيان الى الفؤاد فان للإنسان نوعاً من الإدراك الشهودي وراء الادراك باحدى الحواس الظاهره والتخيل والتفكر بالقوى الباطنه كما أننا نشاهد من انفسنا أننا نرى وليست هذه المشاهدة العيانية ابصاراً بالبصر ولا معلوماً بفكر، وكذا نرى من انفسنا أننا نسمع ونشم ونذوق ونلمس ونشاهد أننا نتخيل ونفتكر وليست هذه الرؤية ببصر او بشيء من الحواس الظاهرة او الباطنة فإنا كما نشاهد مدركات كل واحدة من هذه القوى بنفس تلك القوة كذلك نشاهد ادراك كل منها لمدركها وليس هذه المشاهدة بنفس تلك القوة بل بأنفسنا المعبر عنها بالفؤاد(1). وقد صرّح المفسرين: إن المراد من الرؤية في الآية هو المشاهدة بالقلب. وقد جاء في حديث أن سأل أحد صحابة الامام أبو الحسن علي بن موسى الرضا(عليه السلام): هل رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ربّه عزّ وجلّ؟ فاجابه(عليه السلام) "نعم بقلبه، أما سمعت الله عزّ وجلَّ يقول: ما كذب الفؤاد ما رأى، لم يَرَه بالبصر ولكن رآه بالفؤاد"(2). بديهي، أن المراد من "الرؤية القلبية" ليس هو الفكر والاستدلال العقلي، لأن هذا أمر لا يختص بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بل يحصل لجميع المؤمنين والموحدين. * * * وقد خاطبت الآية الرابعة المؤمنين كافة قائلةً: (كَلاّ لَوْ تَعْلَمُوَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الميزان: ج19، ص29. 2 - نور الثقلين الجزء 5 الصفحة 153 حديث 34. [237] الجَحيم) ثم تضيف: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ). وهناك بحث بين المفسرين في ان الرؤية هذه تقع في الدنيا أم في الآخرة؟ أو أن الاولى في الدنيا والثانية في الآخرة؟ لكن ظاهر الآية يدل على أن الثانية تقع في الآخرة، بقرينة (ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ) وذلك لأنه لا سؤال في الدنيا، وعلى هذا فالرؤية الاولى "رؤية الجحيم" تقع في الدنيا. وقد جاء في تفسير الميزان: إن ظاهر الآية يدل على وقوع رؤية الجحيم قبل يوم القيامة، بالطبع رؤية قلبية التي تعد من ثمار الايمان واليقين، كما هو الأمر في قصة ابراهيم ورؤيته لملكوت السموات والارض. وقد تقدّم انّ البعض يرى ان الرؤية في كلا الموردين تتعلق بيوم القيامة، ولهذا تكلفوا كثيراً عند بيانهم للفرق بين الرؤيتين، كما يُشاهد ذلك في كلام المفسر الفخر الرازي(1). وعلى أية حال، فان الآية تأكيد في ظاهرها على أن الانسان ـ في بعض الحالات ـ تُرفع عن قلبه الحجب فيتمكن من رؤية بعض حقائق عالم الغيب. * * * والآية الخامسة أشارت الى طلب الكافرين المُلِح، حيث كانوا يسألون: لِمَ لَمْ يُنزَّل علينا ملائك؟ أو لِمَ لَمْ نَرَ الله جهرةً؟ (الفرقان / 21). ويجيبهم القرآن: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً). وهناك خلاف بين المفسرين في المراد من "يوم" في الآية . فأي يوم هو؟ يعتقد البعض ان المراد منه هو يوم القيامة لكن البعض يعتقد ـ مع الالتفات الى الآيات التي تحدثع عن (ملائكة الموت" ومن ضمنها الآية التالية: (وَلَوْ تَرَى اِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ) ـ أن ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الفخر الرازي الجزء 32 الصفحة 80. [238] المراد منه هو لحظات الموت، أو بعد الموت وقبل يوم القيامة. وقد نقل هذا الرأي عن ابن عباس(1). وقد جاء في حديث الامام الباقر(عليه السلام): "فاذا بلغت الحلقوم ضربت الملائكة وجهه ودبره (قيل اخرجوا أنفسكم اليوم تُجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون) وذلك قوله (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذ لِلْمُجْرِمِينَ)(2). وطبقاً لهذا التفسير، فان الانسان عندما يكون على وشك الموت تُرفع عن قلبه الحُجُب، فتحصل له حالة الكشف والشهود، فيرى الملائكة. * * * والآية السادسة تحدثت عن معرك بدر وأن الشيطان زيّن للمشركين أعمالهم وصوَّرها لهم وكأنهم يحسنون صنعاً، وذلك كي يظنون حُسْنَ للظن بعقباهم. ومن جهة اخرى فان جنود قريش رغم عدتهم وعددهم الذي يقدر بعدة أضعاف المسلمين آنذاك اصطفوا أمام المسلمين، والشيطان يوسوس لهم في هذا الحين أنهم سينتصرون (لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَاِنّي جارٌ لَكُمْ). وعندما استعد الحرب ونزلت الملائكة لنصرة المسلمين، تراجع الشيطان، وقال لهم: (اِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ اِنِّي أَرَى ما لا تَرَوْنَ اِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَديدُ الْعِقابِ) لأنه رأى الامدادات الغيبية وآثار رحمة الله! اختار كثير من المفسرين الرأي الأول، وهناك روايات معروفة تؤيد هذا الرأي، حيث قالت : إن الشيطان تمثَّل لهم في صورة " سراقة بن مالك " الذي يعتبر من أشراف "بنى كنانة" وقد حصل هذا الأمر "التمثل" عندما هاجر ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الفخر الرازي الجزء 24 الصفحة 70. 2 - البرهان الجزء 3 الصفحة 158، حديث1. [239] الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث اشترك الشيطان آنذاك في شورى المشركين في "دار الندوة" متمثلا في صورة رجل كبير السن من أهالي "نجد" وليس محالا أن يتمثل في صورة انسان، لأن هذا ممكن بالنسبة للملائكة (كما هو منقول في قصة ابراهيم ومريم). والبحث الآخر هو : هل ان الشيطان رأى الملائكة حقاً يساندون جند الاسلام؟ أو أنه عندما رأى آثار الانتصار غير المرتقب تيقن بنزول الملائكة والامدادات الغيبية؟ هناك نظريتان في هذا المجال: يعتقد كثير من المفسرين أن المراد رؤيتهم حقيقةً، ويؤيد ذلك ظاهر الآيات اللاحقة التي تحدثت عن دخول الملائكة ساحة بدر. وعلى هذا، فما كان المؤمنون ولا المشركون يرون تواجد الملائكة في بدر، بينما كانت الحجب مرفعوعة عن الشيطان، فكان يرى الملائكة. وهذا نوع من الكشف والشهود منحه الله للشيطان لأهداف معينة. * * * والآية السابعة أشارت الى قصة يوسف. فعندما خرج أولاد يعقوب مع القافلة فرحين من مصر، وكانوا قد شاهدوا يوسف على عرش السلطة رجعوا حاملين قميص يوسف لتقرَّ عين أبيهم، وعندما تحركت القافلة من مصر، قال يعقوب لمن حوله في بلاد كنعان: إني أشم رائحة يوسف إذا لم ترموني بالكذب والجهل. إن ما قاله يعقوب كان صدقاً لانه لم يشم الرائحة بالشامة الطبيعية التي يمتلكها جميع الناس ولهذا لم يصدقه أحد ممن كان حوله فنسبوا الضلالة الى الشيخ الكنعاني ذلك النبي العظيم حيث قالوا له: (تالله إنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيم)(يوسف / 95). وقد تبين صدق شيخ كنعان عند رجوع الاخوة الى كنعان. وقد عُدَّت المسافة بين مصر وكنعان بعشرة أيام في بعض الروايات، وبثمانية [240] أيام في بعضها الاخر وفي روايات اخرى بثمانين فرسخاً(1). لا دليل على حمل الآية على المعنى المجازي والقول بأن شم رائحة القميص كناية عن قرب لقائه بيوسف حيث ألهم الأب بذلك اللقاء (مثل قولنا نشم رائحة انتصار المسلمين على الأعداء)، وذلك لأنه مع امكان حمل الألفاظ على الحقيقة لا يمكن الحمل على المجاز. وفي النهاية نستنتج أن مكاشفة حصلت ليعقوب ورفعت عنه الحجب، وباحساس يفوق الاحساس الظاهري استطاع أن يشم رائحة قميص ابنه من بعيد. * * * وقد تحدثت الآية الثامنة والاخيرة عن قصة تمثّل الملك الالهي لمريم حيث يقول القرآن في هذا المجال بصراحة: انعزلت مريم عن أهلها في الضفة الشرقية من " بيت المقدس "، واتخذت حجاباً بينها وبين الناس ( وهذا الحجاب اما أن يكون لأجل التفرغ للعبادة ولانجوى أكثر، أو أن يكون لأجل التطهير والغسل )، وأيّما كان فان الله أرسل إليها روحه، فتمثل لها بشراً وانساناً سويّاً اي كاملا من دون عيب وذا هندام جميل، ففزعت مريم في الوهلة الاولى، لكنها اطمأنت عندما قال لها: (إنما انا رسول ربّك لأهب لك غلاماً زكياً) أي عيسى (عليه السلام). واستمر الحديث بينهما طويلا، وقد ذكر في سورة مريم(2). ادعى البعض ان الملك تمثل لمريم في حس الباصرة فقط، (وليس في الخارج)، لكن هذا خلاف الظاهر ولا دليل عليه، والقرائن على أن هذا الشهود قد حصل لمريم فقط، ويحتمل انه اذا كان أحد معهما ما كان قادراً على الرؤية، وعليه فالآية قرينة اخرى على مسألة امكانية الشهود حتى لغير الأنبياء. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير مجمع البيان الجزء 5 الصفحة 262، وتفسير الفخر الرازي الجزء 18 الصفحة 207. 2 - راجع تفسير الأمثل الجزء 13 الصفحة 32 فما بعد. [241] * * * النتيجة: نستخلص مما مضى أن هناك مصدراً للمعرفة غير المصادر التي قرأنا عنها الى الآن، وهو مصدر مبهم وغامض بالنسبة لنا، لن يستفاد وجوده من آيات القرآن بوضوح، وهو لا يختص بالانبياء والائمة، بل قد يحصل لغيرهم أيضاً، وإذا شككنا في بعض الآيات في مجال استفادة هذا المصدر منها، فانه يُستشف من مجموع الآيات هذا المصدر. بالطبع، إن هذا الحديث لا يعني فسح المجال أمام كل من يدعي الكشف والشهود، بل إنّ لهما علائم سنشير إليها فيما بعد ان شاء الله. * * * إيضاحات: 1 ـ نماذج جميلة من الكشف والشهود في الأحاديث الاسلامية: إنَّ الروايات التي كشفت عن هذا المصدر ليست قليلة وقد وصلت الى درجة "الاستفاضة" على حد تعبير علماء الحديث، وقد أوردنا هنا نماذجاً من هذه الروايات: 1 ـ ذكر في تاريخ معركة الاحزاب أن المسلمين عند حفرهم للخندق حول المدينة (كوسيلة دفاعية أمام العدو" حرجت عليهم صخره كسرت المعول، فأعلموا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهبط إليها ومعه سلمان فأخذ المعول وضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة، فكبر رسول(صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمون ، ثم الثانية كذلك ، ثم الثالثة ، ثم خرج وقد صدعها ، فأسأله سلمان عمّا رأى من البرق، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أضاءت الحيرة وقصور كسرى في البرقة الاولى، وأخبرني جبرئيل أو امتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثانية [242] القصور الحمر من أرض الشام والروم، وأخبرني أن أمتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثلاثة قصور صنعاء، وأخبرني أن امتي ظاهرة عليها، فأبشروا، فاستبشر المسلمون(1). وقد قال المنافقون آنذاك : ألا تعجبون؟ يعدكم الباطل ، ويخبركم أن ينظر من يثرب الحيرة ومدائن كسرى، وأنّها تفتح لم، وأنتم لا تستطيعون أن تبرزوا. إلاّ أن الحوادث المستقبلة أثبتت صحة ما قاله الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم). وقد يحمل البعض الشهود هنا على معنىً مجازي، لكن لا مبرر لهذا الحمل مع امكان الحمل على المعنى الحقيقي. 2 ـ قد جاء اخر حديث الامام الصادق(عليه السلام) حول معركة مؤتة (التي وقعت بين المسلمين والروم الشرقية في شمال الجزيرة): ان المسلمين عندما ذهبوا للقتال بقيادة جعفر بن أبي طالب، فان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يوماً في المسجد وقد تسطحت له الجبال والارتفاعات فشاهد جعفراً يقاتل الكافر ثم قال: قتل جعفر(2). وقد جاءت تفاصيل اُخرى عن هذا الموضوع في روايات اُخرى ، حدث ان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ارتقى يوماً المنبر بعد صلاة الصبح، فصوَّر للمسلمين ساحة المعركة في مؤتة بدقة، وتحدثت بالتفصيل عن شهادة "جعفر" و"زيد بن حارثة" و"عبدالله بن رواحة" وكأنه يرى الساحة بأم عينيه، والجدير بالذكر أن التواريخ المعروفة ـ عند ايرادها لهذه القصة ـ نُقلت هذا الحديث عن الرسول أنه قال: إن الشهداء الثلاثة حُملوا الى السماء على سرر من ذهب ورأيت ازوراراً في سرير "عبدالله بن رواحة" نسبة لسريري الشهيدين الآخرين، فسِئل عمّا هذا؟ قال: مضيا، وتردد بعض التردد ثم مضى)، فالتعبير بالرؤية في الرواية له معنىً عميق وهو نموذج من نماذج الشهود. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الكامل في التاريخ الجزء 2 الصفحة 179. 2 - البحار الجزء 21 الصفحة 58 حديث 9. [243] 3 ـ وهناك حديث في تفسير الآية: (وَاِنَّ مِنْ اَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِالله وَما اُنْزِلَ اِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ اِلَيْهِمْ)، يقول: إن شأن نزول الآية هو النجاشي سلطان الحبشة، فانه عندما توفي أخبر جبرئيل الرسول بالأمر، فدعى الرسول المؤمنين لأن يصلُّوا على أحد اخوتهم، فسألوا: من هو؟ أجاب: النجاشي. ثم جاء الرسول الى مقبرة البقيع، فتجلت له بلاد الحبشة وتابوت النجاشي من المدينة، فصلّى عليه(1). 4 ـ وقد جاء في تاريخ ام الرسول آمنة عليها السلام، أن نزول عليها ملك عندما كان الرسول في رحمها وقال لها: إن في رحمك سيد هذه الامة فقولي عند ولادته: إني أعوذ بالله الأحد من شرِّ الحاسدين، وسمّيه "محمد"، وقد شاهدت عند حملها أنه خرج منها نوراً أضاء لها قصور بُصْرى من أرض الشام!(2). وهذا الحديث يكشف عن امكان حصول حالة الشهود لغير الأنبياء والائمة 5 ـ وفي الحديث المعروف: ان امير المؤمنين(عليه السلام) كان في بعض حيطان فدك وفي يده مسحاة فهجمت عليه امرأة من اجمل النساء فقالت: يا ابن ابي طالب ان تزوجتني اغنك عن هذه المسحاة وادلك على خزائن الارض ويكون لك الملك ما بقيت. قال لها: فمن أنتِ حتى اخطبك من اهلكِ؟ قالت: انا الدنيا: فقال(عليه السلام): ارجعي فاطلبي زوجاً غيري فلست من شأني فأقبل على مسحاته وانشأ. لقد خاب من غرته دنيا دنية ***** وما هي ان غرت قروناً بطائل اتتنا على زي العروس بثينة ***** وزينتها في مثل تلك الشمائل ... الخ(3). وقد حمل البعض الرواية على "التشبيه" و"التمثيل" و"المجاز" لكنا اذا اردنا ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - البحار الجزء 8 الصفحة 411. 2 - سيرة ابن هشام الجزء 1 الصفحة 166. 3 - بحار الانوار الجزء 40 الصفحة 328 الحديث 10. [244] حفظ الظاهر، فمفهومها هو ان الدنيا تمثلت للامام علي(عليه السلام) في عالم المكاشفة في صورة امرأه جميلة واجابها(عليه السلام) بالسلب. وقد نقل تمثل الدنيا للمسيح (عليه السلام) كذلك في صورة امرأة مخادعة مع اختلاف بسيط عمّا نقل عن الامام علي(عليه السلام)(1). 6 ـ وقد جاء في احوال الامام السجاد(عليه السلام) (وعندما كان فتنة عبدالله بن الزبير في الحجاز مستعرة والكل كان يرتقب نهاية الامر ) أن الامام(عليه السلام) قال : خرجت حتى انتهيت الى هذا الحائط فاتكأت عليه فاذا برجل عليه ثوبان ابيضان ينظر في تجاه وجهي ثم قال: يا علي بن الحسين ما لي أراك كثيباً حزيناً أعلى الدنيا فرزق الله حاضر للبر والفاجر. قلت: ما على هذا أحزن وانه لكما تقول. قال : فعلى الآخرة فوعد صادق يحكم فيه ملك قاهر ـ او قال قادر ـ قلت: ما على هذا احزن وانه كما تقول: فقال: مم حزنك؟ قلت: مما نتخوف عليه فتنة ابن الزبير وما فيه الناس قال: فضحك ثم قال: يا علي بن الحسين هل رأيت أحداً دعا الله فلم يجبه قلت: لا، قال: فهل رأيت احداً توكل على الله فلم يكفه؟ قلت: لا، قال: فهل رأيت احداً سأل الله فلم يعطه؟ قلت: لا، ثم غاب عني(2). 7 ـ وفي حديث للامام نفسه(عليه السلام) يقول فيه: كأني بالقصور وقد شيدت حول قبر الحسين(عليه السلام) وكأني بالأسواق قد حفت حول قبره فلا تذهب الايام والليالي حتى سار اليه من الآفاق وذلك عند انقطاع ملك بني مروان(3). 8 ـ جاء في أمالي الصدوق عن احوال الحر بن يزيد الرياحي: لما خرجت من الكوفة نوديت أبشر يا حُر بالجنة. فقلت: ويلٌ للحر يبشر بالجنة وهو يسير الى حرب ابن بنت رسول ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - بحار الانوار الجزء 70 الصفحة 126 باب حب الدنيا وذمها الحديث 120. 2 - اصول كافي الجزء 2 باب التفويض الى الله الحديث 2. 3 - البحار الجزء 98 الصفحة 114 ـ كتاب المزار ـ الحديث 36. [245] الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!(1). 9 ـ وقد جاء في حديث معروف دار بين ام سلمة زوجه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)والامام الحسين(عليه السلام) ان الامام(عليه السلام) أراها كربلاء ومحل شهادته(2). 10 ـ وقد نقلت حكايات متعددة عن العلماء العظام والمتقين والمؤمنين الصادقين في مجال المكاشفات وذكرها هنا يطيل بحثنا ـ الا انه ينبغي القول بانها خرجت عن فحوى الخبر الواحد ووصلت الى درجة الاستفاضة ويمكنها ان تكون مؤيداً جيداً لموضوعنا. 2 ـ كيف تُرفع الحجب؟ إضافة إلى الاحاديث السابقة، فان هناك تعابيرات في الروايات تدل على ان الانسان كلما ازداد ايمانه ويقينه زالت عنه الحُجُب والنفسيات والصفات الذميمة (التي اصطنعها الانسان نفسه بذنوبه) عن قلبه وتكشفت له حقائق أكثر عن الكون الى درجة تمكنه من النظر الى ملكوت السموات والارض كما نظر ابراهيم الخليل. إن قلب الانسان وروحه كالمرآة التي قد لا تعكس حقيقة بسبب المعاصي وسوء الأخلاق، لكنها عندما تطهر بماء التوبة، ويزول غبار المعاصي عنها، ويعقل القلب جيداً، فان الحقائق ستسطع فيها ويكون صاحبها أمين اسرار الله، ويسمع نداءاته التي لا يسمعها إلاّ من اؤتمن. ويمكن عدّ الأحاديث التالية شواهداً على ما قلناه! 1 ـ يقول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في ضمن حديث له: "لولا أن الشياطين يحومون الى قلوب بني آم لنظروا الى الملكوت"(3). 2 ـ وقد جاء في خبر آخر عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: " ليس العلم بكثرة ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - أمالي الصدوق الصفحة 93 مجلس 30. 2 - مدينة المعاجز الصفحة 224. 3 - البحار الجزء 70 الصفحة 59، باب القلب وصلاحه الحديث 39. [246] التعلّم، وانّما العلم نور يقدفه الله في قلب من يحب، فينفتح له، ويشاهد الغَيب، وينشرح صدره فيتحمل البلاء، قيل: يا رسول الله هل لذلك من علامة؟ قال: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله"(1). 3 ـ وقد وصف نهج البلاغة حُجَجَ الله على الناس في الارض هكذا: "هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين، واستدانوا ما استعوره المُترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواها مُعلَّقة بالمحلِّ الأعلى، اولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه"(2). 4 ـ وقد جاء في حديث " ذعلب اليماني " الخطيب النبه الذي كان من صحابة الامام علي(عليه السلام): سأل الامام يوماً هذا السؤال: "هل رأيت ربَّك يا أمير المؤمنين"؟ أجاب الامام: "افأعبد ما لا أرى"؟! فقال: "وكيف تراه"؟ فقال الامام : " لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان" ثم أضاف: "قريبٌ من الأشياء غير ملابس، بعيد منها غير مباين"(3). ليس مراد الامام من ادراك الله إدراك بالاستدلال العقلي، وهذا واضح، لأن هذا الأمر حاصل لجميع الموحدين وحتى لتلك العجوز صاحبة الغزل المعروفة، فانها تستدل على وجود الله بحركة آلة الغزل التي تحتاج الى محرك، فكيف بالفلك العظيم والسموات والارضين. فالمراد ـ إذن ـ إدراك لله يفوق الادراك الطبيعي، أي الشهود الباطني، فانه يرى ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الصراط المستقيم الجزء 1 الصفحة 267. 2 - نهج البلاغة، الكلمات القصار: 147. 3 - نهج البلاغة، الخطبة: 179. [247] الله به واضحاً بدرجة وكأنه يراه بعينه. (دققوا). 5 ـ وقد جاء في حديث معروف للامام امير المؤمنين(عليه السلام): "لو كشف لي الغطاء ما ازددتُ يقيناً". أي اني أرى جميع الحقائق من وراء ستار الغيب أراها بالشهود الباطني، وبصيرتي تشق حاجز العيب وتنفذ فيه. 6 ـ قال الامام علي بن الحسين(عليه السلام): "ألا إن للعبد أربع أعيُن: عينان يُبصر بهما دينه ودنياه، وعينان يُبْصر بهما أمر آخرته، فاذا أراد الله بعبد خيراً فتح له العينين اللتين في قلبه، فأبصر بهما الغيب وأمر آخرته"(1). وقد جاءت روايات عن الشيعة الصادقين يشبه مضمونها مضمون هذا الحديث(2). 7 ـ ونقرأ في حديث الامام الصادق(عليه السلام): ان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) رأى يوماً الصحابي "حارثة" فسأله عن حاله. فاجابه حارثة: "يا رسول الله مؤمن حقّاً"! فقال رسول(صلى الله عليه وآله): "لكلِّ شيء حقيقةٌ فما حقيقة قولك؟" فأجابه حارثة: "يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأضمأت هواجري وكأني انظر الى عرش ربي وقد وضع للحساب وكأني انظر الى اهل الجنة يتزاورون في الجنة وكأني اسمع عواء اهل النار في النار". فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "عبدٌ نوّر الله قلبه أبْصَرْتَ فاثبت". فقال حارثة: "يا رسول الله ادعُ الله لي أن يرزُقني الشهادة معك". فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "اللهُمَّ ارزق حارثة الشهادة". ولم تمضِ أيام كثيرة حتى أرسل الرسول فريقاً لاحدى المعارك وكان معهم ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - خصال الصدوق الصفحة 265 الحديث 90. 2 - بحار الانوار الجزء 67 الصفحة 58 الحديث 35. [248] حارثة فقاتل وقَتل ثمانية أو تسعة من الأعداء ثم قُتِلَ شهيداً(1). 8 ـ وقد جـاء في حديث للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نقل في كتب هل السنة : "لولا تكثير في كلامهم وتمريج في قلوبكم لرأيتم ما أرى ولسمعتم ما أسمع"(2). إن هذه الأحاديث وأحاديث اخرى من هذا النوع، وضحت العلاقة بين الكشف الروحاني والايمان واليقين، وبينت امكانية حصول الانسان بالتكامل المعنوي ـ على هذا الادراك الذي لا نعلم عنه غير أنه موجود فحسب. * * * 3 ـ سبعة منامات صادقة في القرآن المجيد: إن "الرؤيا الصادقة" احدى فروع الشهود والكشف، والصادقة هي التي تتحق وتطابق الواقع، فتُعد منامات كهذه نوعاً من الكشف. إن الفلاسفة الروحيين ـ خلافاً للفلاسفة الماديين الذين يعتقدون بأن الاحلام هي وليدة النشاطات اليومية أو الآمال غير المتحققة أو الخوف من الامور المختلفة ـ يعتقدون ان الاحلام تنقسم الى الأقسام التالية: 1 ـ الرؤيا التي تتعلق بالذكرات والميول والآمال. 2 ـ الرؤيا غير المفهومة والمضطربة ويعبر عنها بـ "أضغات أحلام" وهي نتيجة قوة الوهم والخيال. 3 ـ الرؤيا التي تتعلق بالمستقبل وترفع الستار عن بعض أسراره، وبتعبير آخر انها شهود يحصل للانسان وهو نائم. لا دليل الفلاسفة الماديين على نفي القسم الثالث، بل لدنيا قرائين كثيرة تثبت واقعية هذا القسم من الرؤيا، وقذ ذكرنا عدة نماذج حية لا تقبل الرد في التفسير ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - اصول الكافي الجزء 2 الصفحة 54 باب حقيقة الايمان واليقين الحديث 3. 2 - تفسير الميزان الجزء 2 الصفحة 292. [249] الأمثل(1). والجدير ذكره ان القرآن ذكر سبعة موارد على الأقل من موارد الرؤيا الصادقة، وذكرها هنا يناسب تفسيرنا الموضوعي: 1 ـ تحدث القرآن في سورة الفتح عن الرؤيا الصادقة للرسول، حيث رأى نفسه مع أصحابه يدخلون مكة لأداء مناسك العمرة وزيارة بيت الله الحرم، فأفصح الرسول عن منامه هذا للمسلمين ففرحوا، إلاّ أنهم تصورا أن الرؤيا هذه تحققت في السنة السادسة عندما حصل صلح الحديبية، ولم يحصل الفتح يومذاك، إلاّ أن الرسول طمئنهم بأن الرؤيا صادقة وستتحق يوماً ما. وقد أجاب القرآن اولئك الذين شككوا في صدق الرؤيا بقوله: (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامِ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُؤا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتحاً قَرِيبا) (الفتح / 27) تحقق المنام بجزئياته في ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة، وقد عرفت العمرة في تلك السنة بـ "عمرة القضاء" لأن المسلمين كانوا قاصدين أدائها في السنة السادسة، لكن قريش منعتهم منها. رغم ان المسلمين دخلوا مكة (التي تعتبر مركزاً لقدرة المشركين وسلطانهم) من دون سلاح، إلاّ أنّ ابهتهم كانت مشهودة للأعداء، وقد صدق عليهم تعبير "آمنين" و"لا تخافون" بالكامل فأدوا مراسم زيارة بيت الله وبه تحقق منام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بجميع خصوصياته رغم أن تخمين وقوع أمر كهذا كان شبه مستحيل، وهذا من عجائب تاريخ الاسلام. 2 ـ وقد أشير في سورة الاسراء الى رؤيا اخرى للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إشارة عابرة وقصيرة حيث قال تعالى: ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - التفسير الأمثل الجزء 9 الصفحة 315 الى 317. [250] (وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الّتي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرانِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزيدُهُمْ إلاّ طُغْياناً كَبِيراً) (الاسراء / 60) وقد نقل مفسروا الشيعة والسنة حديثاً معروفاً جاء فيه: ان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)رأى في المنام قروداً ترتقي منبره وتنزل منه، فحزن الرسول من جراء هذا الأمر، لأنه يحكي عن الحوادث المفاجئة في قيادة المسلمين بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) (إن الكثير فسّرَ المنام بحكومة بني امية، حيث خلفوا لارسول ـ ظلماً ـ واحداً بعد الآخر وأفسدوا في الخلافة، وكانوا فاقدي الشخصية واتبعوا ما كان عليه آباؤهم في الجاهلية)(1). وادعى البعض ان هذه الرؤيا هي نفس رؤيا دخول مكة، بينما سورة الاسراء نزلت بمكة، والرؤيا كانت في المدينة وقبل حدث صلح الحديبية في السنة السادسة. وقد رجح البعض مثل الفخر الرازي أن تكون الرؤيا بمعنى المشاهدة في حالة اليقظة، والآية تشير الى مسألة المعراج(2). لكن هذا التفسير ضعيف لأن المعنى الأصلي واللغوي للرؤيا هو المشاهدة عند النوم لا لليقظة، وعليه فالصحيح هو التفسير الأول. أما المراد من "الشجرة الملعونة"، فقد ادعى البعض: إنها هي "شجرة الزقوم" التي تنبت في قعر جهنم طبقاً للآيه (64) من سورة الصافات، وهي طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون طبقاً للآيات (46 و 47) من سورة الدخان. وادعى بعض آخر: إنها كناية عن اليهود العصاة، فانهم كالشجرة مع ما فيها من غصون وأوراق إلاّ أنّهم ملعونون عند الله. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الفخر الرازي الجزء 20 الصفحة 236. 2 - جاءت هذه الرواية في تفسير القرطبي ومجمع البيان والصافي والفخر الرازي، وقد قال الفيض الكاشاني: إنها من الروايات المشهورة عند العامة والخاصة. [251] إلاّ انها فُسِّرت في كثير من كتب الشيعة والسنة ببني امية، وقد نقل الفخر الرازي هذا التفسير عن ابن عباس المفسر الاسلامي الكبير(1)، وهذا التفسير يتفق مع رؤية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالكامل. قد يقال: لِمَ لم يُشِر القرآن الى الشجرة الملعونة في القرآن المجيد؟ إلاّ ان المسألة محلولة بالالتفات الى لعن المنافقين بشدة في سورة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) الآية (23)، وبني امية من طلائع النفاق في الاسلام. إضافة الى هذا، فان تعبير القرآن (نُخَوِّفُهُم فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيرا)يصدق عليهم بالكامل. وقد جاء في رواية أن عدداً من صحابة الامام الصادق(عليه السلام) سألوه نفسه أو أباه(عليه السلام) عن المراد من الشجرة الملعونة في الآية، فأجابهم: "بني امية"(2). وقد نقل نفس المضمون عن امير المؤمنين(عليه السلام) وكذلك عن الامام الباقر(عليه السلام)، وقد ذكر علي بن ابراهيم الروايات الثلاث في تفسيره(3). وقد نقل السيوطي في تفسيره "الدر المنثور" روايات كثيرة عن الشجرة الملعونة، ورؤيا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث فُسِّرت الشجرة الملعونة في بعضها ببني امية وفي بعضها ببني الحكم وبني العاص، وكلهم من شجرة خبيثة واحدة(4). وعلى أية حال ، فان رؤيا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) تحققت بعد رحيله ، وخلفته الشجرة الملعونة نسلا بعد نسل، وكانوا بلاءً عظيماً على المسلمين، وامتحاناً كبيراً لهم. 3 ـ والرؤيا الصادقة الاخرى هي رؤيا ابراهيم الخليل(عليه السلام) فيما يخص ذبح اسماعيل(عليه السلام)، ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نقلها القرطبي عن ابن عباس في تفسيره الجزء 6 الصفحة 2، 39، ونقلها الفخر الرازي عنه أيضاً في الجزء 20 الصفحة 237. 2 - نور الثقلين الجزء 3 الصفحة 180 الحديث 278. 3 - نور الثقلين الجزء 3 الصفحة 180 و 181 الحديث 282 و 283 و 286. 4 - تفسير الميزان الجزء 13 الصفحة 175. [252] فانه كان محلا لامتحان عظيم للوصل الى مقام الامامة وقيادة الامة الرفيع، فقد أُمر بذبح ابنه العزيز "اسماعيل"، رغم أنّ الأمر أوحي إليه وهو نائم، أي ان الايعاز كان مناماً لا شيئاً آخر، ولنقرأ ما يقوله القرآن في هذا المجال: (فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قالَ يا بُنَىَّ إنِّي أُرى في الْمَنامِ أَني أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرَى قَالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إنْ شاء اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ) (الصافات / 102) إن التعبير بـ "أرى" الذي هو فعل مضارع يفيد الاستمرار يدل على أن ابراهيم(عليه السلام) كان يرى الرؤيا كراراً، بحيث حصل له اطمئنان بأن الأمر من الله، ولهذا أجابه اسماعيل بهذا الجواب: (يا أَبتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاء اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ). ولهذا السبب نفسه جاء في الآيتين ( 104 و 105 ) من نفس السورة : (وَنادَيْناهُ أَنْ يا إبْرَاهِيمْ ـ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا). والحادث هذا ، دليل واضح لأولئك الذين يـقولون بامكانية عـد الرؤيا الصادقة نوعاً من أنواع الوحي للانبياء والرسل، كما أنه قد جاء في بعض الروايات: "إن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءً من النبوة"(1). وقد شكك بعض الاصوليين في مسألة نسخ الحكم قبل العمل به إلاّ أن كلامهم ـ وكما ذُكِرَ في محله ـ يختص بالأوامر غير الامتحانية، أما في الامتحانية فهو غير صادق، والتعبير بـ "قد صدَّقَتْ الرؤيا" دليل على أن ابراهيم(عليه السلام)قد أدى ما عليه بما جاء به من تتهيئة المقدمات لهذا الايثار الكبير. 4 ـ ومن الرؤى الصادقة في القرآن، هي رؤيا يوسف في بيت أبيه، حيث أشارت إليها الآيات الاولى من سورة يوسف: (إِذْ قالَ يُوسُفُ لاَِبِيهِ يا أَبَتِ إنّي رَأَيْتُ أَخَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - بحار الانواز الجزء 58 الصفحة 167 و 177 و 178. [253] وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) (يوسف / 4) تنبأ يعقوب مستقبل يوسف والحوادث المقبلة عليه فبشره: (يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ... وَيَتُمُ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ وَعَلى آلَ يَعْقُوبْ). يعتقده بعض المفسرين ان يوسف رأى هذا في المنام وهو في الثانية عشر من عمره، وقد تحقق منامه بعد أربعين سنة حيث جلس على عرش الحكومة في مصر، وجاءه اخوته مع أبويه خاضعين له، أو ساجدين لله شكراً، كما أُشير الى ذلك في نهاية السورة: (وَرَفَعَ أَبَويْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سَجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقّا) (يوسف / 100) إن هذا الحديث يحكي بوضوح عن امكانية تحقق أحلام صادقة منقوشة في قلب طاهر قبل أربعين رغم انه لم يُذكر العدد (40) سنة في آيات القرآن، إلاّ أن المستفاد من قرائن الآيات ان الفاصل بين المنام وتحققه كان طويلا جداً. وجدير بالذكر هنا أن من ضمن البشائر التي بشر يعقوب بها يوسف هذه البشرى: (وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحاديثِ) (يوسف / 6). وهذه الجملة (سواء عنت علم تعبير المنام كما يعتقده كثير من المفسرين أو عنت مفهوماً أوسع من ذلك ليشمل الخبرة والحاطة باصول وأسباب الحوادث ونتائجها)(1)، فانها على كل حال دليل واضحْ على امكانية صدق بعض الرؤى وتحققها عيناً وواقعاً في الخارج. 5 و 6 ـ وهما مناما اللذين كانا مع يوسف في السجن عندما كان مسجوناً بذنب طهارته، فيحكي الله قصتهما في نفس السورة ويقول: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قَالَ أَحَدُهُما انِّى أراني أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الآخَرُ ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الميزان الجزء 11 الصفحة 86. [254] اِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئنا بِتَأْوِيلِهِ ارنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف / 36) فداعهما يوسف للتوحيد وعبادة الله قبل أن يُأوّل ما رأيا ، ثم قال للذي رأى أنه يعصر خمراً اي عنباً: إنك تخرج من السجن، وقال للذي رأى فوق رأسه خبراً يأكل منه الطير: إنك ستُحال للاعدام وقد تحقق المنامان (من المتعارف في بيئة فاسدة وحكومة جبارة مثل بيئة وحكومة مصر آنذاك حيث يحكم على يوسف بالسجن بذنب العفة والطهارة ، أن يطلق سراح الذي يسالم الحكومة ويحضر الخمر لطغاتها، اما الذين يتحلون بروع الدفاع عن المستضعفين ويعطون خبراً للطيور فيحكم عليهم بالاعدام). وعلى أي حال ، فان هاتين الرؤيتين اللتين حكاهما القرآن بصراحة يكشفان عن امكان اعتبار الرؤيا كمصدر للمعرفة، بالطبع لا كل رؤيا ولا كل معبّر ومفسر لها. 7 ـ رؤيا سلطان مصر التي جـاءت في نفس السورة ، وهـي نموذج واضح آخر للرؤيا الصادقة، يحكي القرآن هذه الرؤيا قائلا: (وَقالَ الْمَلِكُ اِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرات سِمان يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعُ سُنْبُلات خُضْر واُخَرَ يابِسات يا أَيُّها الْمَلأ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ اِنْ كُنْتُم لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ) (يوسف / 43). وبما أن حاشية الملك لم يكونوا خبراء بتعبير الرؤيا، قالوا له : "أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين". يحتمل أنهم أرادوا طمأنة سلطان مصر بحديثهم هذا ( ينبغي الالتفات الى أن ملك مصر وفرعونها هو الحاكم العام لمصر، بينما عزيز مصر فهو ـ كما يقول بعض المفسرين ـ وزير الخزينة، واسم فرعون المعاصر ليوسف هو "ريان بن وليد" [255] واسم عزيز مصر "قطفير او عطفير"(1). فتذكَّر عندها ساقي الملك الذي اُطلق صراحه من السجن بعد أن رأى الرؤيا وأولها يوسف، فحكى القصة للملك فبعث الملك شخصاً الى يوسف كي يأوّل المنام، فأوله هكذا: (قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنينَ دَاَباً فَمآ حَصَدْتّمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ اِلاّ قَليلا مِمّا تَاكُلُونَ * ثُمَّ يَاتي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَّاْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ اِلاّ قَليلا مِمّا تُحْصِنُونَ) (يوسف / 47 ـ 48) وقد تحقق المنام بعد ذلك، وعندما شاهدوا الصدق والمعرفة في يوسف(عليه السلام)، أطلقوا سراحه، وقد أدى به الأمر أن أصبح عزيز مصر ووزير الخزينة، ثم من بعده أصبح ملك مصر كلها مع سعتها وعمرانها. * * * النتيجة: يستفاد من الآيات السابقة امكانية لاختبار بعض الرؤى مصدراً لإدراك بعض الحقائق، وبتعبير آخر، فان مسألة الكشف والشهود يمكنها أن تحصل في المنام كما تحصل في اليقظة، وهذه الرؤى على ثلاثة أقسام (طبقاً للآيات الماضية): 1 ـ بعض تتحقق في الخارج عيناً من دون أي تغيير، مثل رؤيا الرسول، زيارته مع الصحابة لبيت الله الحرام التي جاءت في سورة الفتح. 2 ـ منامات تتحقق وهي بخاحة الى تفسير وتعبير، وتتحقق بتفسيرها لا بعينها، ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نقل هذا المضمون في التفسير الكبير للفخر الرازي الجزء 18 الصفحة 108 (وللتفصيل يراجع "اعلام القرآن" الصفحة673، كما قد صرّح "ابو الفتوح الرازي" أن نهاية يوسف وصوله الى سلطة مصر" تفسير أبي الفتوح الجزء 6 الصفحة 401. [256] ولا يفسرها إلاّ الخبير بها، مثل المنامات الأربعة التي حصلت ليوسف ولصديقه في السجن ولملك مصر، وقد ذكرت كلها في سورة يوسف. 3 ـ الرؤيا التي فيها جانب حكم وإيعاز، وتُعدُّ نوعاً من الوحي يحصل عند النوم مثل رؤيا ابراهيم(عليه السلام). بالطـبع ليس مفهوم الكلام هذا أن كل حلم يُعدُّ كشفاً أو شهوداً ، بل إن كـثيراً من المنامات تُعدُّ أضغاث أحلام، وتفتقد لأي معنىً، وهي رؤى ناتجة عن نشاط قوة الوهم، أو عم الحرمان والكبت والمآسي والانزعاج والتألّم. * * * سؤال؟ قد يسـأل البعض عن المنامـات التي تتعلق بحوادث المستقبل ، فهل هي نوع من العلم؟ أم هي (كما يعتقد فرويد العالم النفساني المعروف) لا شيء سوى إرضاء للشهوات والميول المكبوتة والحرمان الحاصل للانسان، فتتجلى له في المنام مع تغيّر وتبدّل لخداع " الأنا " ولإرضاء الشهوة المكبوتة فان الحلم إشباع خيالي لها ، وقد ينعكس هذا الميل بنفسه عيناً في الحلم ( مثل رؤية عاشق لمعشوقته الفقيدة عيناً ) وقد ينعكس في منامه مع تغيير وتبديل ، فيحتاج الى تعبير وتفسير حينها. * * * الجواب: إن ما يقوله فرويد هو فرضية لا أكثر ، وفي الحقيقة لا دليل على ما يدعيه أبداً ، فقد تكون بعض المنامات مصادقاً لما يدعيه ، أما كون الاحلام كلها من هذا القبيل [257] فهذا ما لا دليل له عليه(1). نحن نعتقد أن للمنامات أقساماً، وقسم منها هو الرؤيا الصادقة، ونعدها وسيلة للكشف أي كشف بعض الحقائق ، وهذه حقيقة استفدناها من القرآن (الذي هو وحي الهي) بالدرجة الاولى، وبالدرجة الثانية من التجارب التي حصلت في هذ المجال، ليس المراد تلك الحكايات التي لا سند لها، بل المراد الحوادث التي وقعت لشخصيات كبيرة ومعروفة في عصرنا أو في العصور الماضية، وقد نقلوا هذه المنامات في كتبهم (وقد أشرنا الى بعض من نماذجها الواضحة في الجزء التاسع من التفسير الأمثل). ومن هنا يعرف انه لا يمكن عدّ الرؤيا لوحدها مصدراً للمعرفة، ولهذا يقال بعدم حجية الرؤيا، بل ينبغي ضم قرائن من الخارج موضحة ولا تقبل النفي، لتصحب الرؤيا مصدراً مقبولا للمعرفة. * * * 4 ـ المكاشافات الرحمانية والمكاشفات الشيطانية: قد نستغني عن التذكير بأنه كما يوجد كشف وشهود واقعي يحصل تارة بالايمان واليقين الكامل ، وتارة اخرى بالرياضات النفسية، فانه يوجد كشف وشهود وهمي كثير ، فقد يحصل هذا الكشف بسبب التلقينات المكررة وانحراف الذهن والفكر عن جادة الصواب، وتارة بسبب الالقاءات الشيطانية ، فتتمثل في ذهن الانسان صور وحوادث لا واقع لها ، إنها مجموتة أوهام لا أكثر ، ومن هذا القبيل الكشف والشهود الذي يدعيه كثير من " الصوفية "، فان المريد البسيط يعتقد في بداية عمله ( من جراء الاعلام والدعاية التي يتلقاها من البعض ) أنه ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - لم يكشف العلماء منشأ النوم (لا المنام) بعد، فلا يعلمون هل أنّ منشأه نشاط فيزياوي أو كيمياوي أو كلاهما، أو ناشيء عن نشاط الجهاز العصبي، فاذا كان النوم نفسه لغزاً لم يُحل بعدُ، فكيف يمكن القول بحل مسألة المنام التي هي أعقد من مسألة النوم أضعافاً مضاعفة!. [258] ينبغي له أن يرى مرشده الحقيقي في المنام ، وتقوى هذه الفكرة عنده كل يوم، فيتوقع في كل يوم رؤية جمال مرشده ومراده في عالم الرؤيا يزوره ويرشده (عالباً ما يضع أشخاصاً معينين نصب عينيه لهذا المنصب ، واذا لم يعينهم بالدقة فانه يعين صفات ومميزات خاصة لهم). قد يفقد هذا الصوفي تعادل فكره الطبيعي من جراء الرياضات الشاقة وانحراف المزاج ، فتزداد قدرة الوهم عنده ، فيرى في المنام يوماً أشخاصاً قريبين ـ من حيث الصفات والميزات ـ من الأشخاص الذين رسمهم في ذهنه، وقد يتطابقان في الصفات بالكامل، وقد يحصل هذا في عالم اليقظة، لأن عيني هذا السالك البسيط راحلة الى الطريق، واُذنيه صاغية إليه دائماً: فتنمو هذه الفكرة عنده ليلا ونهاراً ، وقد تصنع قوة الوهم عنده ـ لا إرادياً ـ صوتاً ينقر اُذنه، أو تتمثل أمامه صورة، فيتخذها أساس اعتقاده. كما أن الاستماع الى المواضيع المؤنسة والمنشطة (التي قد تبين في اطار أشارات جميلة وتتزامن مع الحان مخذّرة، يزيد م تأثير التلقينات عليه أضعافاً مضاعفة. إن تلك الفرقة من الصوفية التي تؤيد " الوجد والسماع "(1)، يذوبون فيهما بشكل حيث يفقدون توازنهم ، ويُعطِّل العقل عندهم ، فيترك الساحة فارغة لقوة الوهم ، وأولئك الغامرون في وهم الكشـف والشهود ومشاهدة عالم الغيب يسـيرون في عوالم خيالية تتوقف سعتها على شدة الـوهم والخيال عندهم ، فتتمثل أمامهم صور مثل بحار النور ، وجبل الطور ، والسموات السبع والارضين السبع، وكلما مالت قوة الوهم عندهم الى شكل أو صورة، تمثل ذلك الشكل او تلك الصورة أمام أعينهم. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - المراد من المساع، الألحان الموسيقية أو نغمات المطربين الدارجة في بعض مجالس الصوفيين، والمراد من الجد، الذوق والشوق واللهفة التي تحصل للصوفيين الذين يحسنون السماع ويقترن مع حركات تشبه الرقص. [259] إنهم يفرحون لهذه اللـحظات كثيراً ، وكأنـهم التقوا بالمراد وعانقوه ، فيصرخون وتعلو اصواتهم، مما يزيد ويفاقم هذه الحالة عندهم، ثم يرمون بحالة شبيه بالاغماء ، وبعدما يصحون ويهدءون من هذه الحالة ، يحكون للناس ما رأوا ظناً منهم أنه كشف. إنـهم في الحقيقة يسعون نـحو السراب ظناً منهم أنه مـاء ، ورغم عدم وصولـهم الى شيء، يبتلون بأمور بعيدة عن الحق والحقيقة. وبعبارة مختصرة: لا يمكننا تصديق كل من ادعى الكشف والشهود، وكذا لا يمكننا اعتبار كل تمثل وكل نداء إلهياً واقعياً، وذلك لأن هناك كشفاً شيطانياً. وقد جاء في حديث للامام علي(عليه السلام) مع حسن البصري: أن الامام(عليه السلام) مر بالحسن البصري وهو يتوضأ فقال: يا حسن اسبغ الوضوء، فقال: يا امير المؤمنين لقد قتلت بالامس اناساً يشهدون ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمداً عبده ورسوله، يصلون الخمس، ويسبغون الوضوء. فقال له امير المؤمنين(عليه السلام): قد كان ما رأيت فما منعك ان تعين علينا عدونا. فقال: والله لأصدقنك يا امير المؤمنين لقد خرجت في اول يوم فاغتسلت وتحنطت وصببت عليّ سلاحي وانا لا شك في ان التخلف عن ام المؤمنين عائشة هو الكفر، فلما انتهيت الى موضع من الخريبة ناداني مناد "يا حسن الى اين ارجع فان القاتل والمقتول في النار" فرجعت ذعراً وجلست في بيتي، فلما كان في اليوم الثاني لم أشك ان التخلف عن ام المؤمنين عائشة هو الكفر، فتحنطت، وصببت عليّ سلاحي وخرجت اريد القتال، حتى انهيت الى موضع من الخريبة فناداني مناد من خلفي: "يا حسن الى اين مرةً بعد اخرى فان القاتل والمقتول في النار" قال علي(عليه السلام): صدقك افتدري من ذلك المنادي؟ قال: لا. قال(عليه السلام): ذاك اخوك ابليس، وصدقك ان القاتل والمقتول منهم في النار، فقال الحسن البصري الآن عرفت يا اميرالمؤمنين ان [260] القوم هلكى(1). إن نداءات كهذه أشير إليها في القرآن بصفة وحي الشياطين ، حيث يقول تعالى في سورة الانعام الآية (112): (وكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواً شَياطِينَ الإنْسِ وَالْجِنَّ بَعْضُهُمْ اِلى بَعْض زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورا). إنها نوع من الامتحان للتمييز بين صفوف المؤمنين وغيرهم، فقد جاء في الآية (121) من نفس السورة: (وَاِنَّ الشَّياطِيْنَ لَيُوحُونَ اِلى أَوْلِيائِهم) وللسبب الذي مضى، نرى كتب الصوفيين مليئة بهذا النوع من المكاشفات، مكاشفات غربية وموحشة، ومردوداتها السلبية كثيرة، نشير الى بعض منها هنا بشكل مختصر: 1 ـ كتب محي الدين العربي في كتابه "مسامرة الأبرار" إن الرجبيين لأشخاص مرتضاون برياضات خاصة، ومن صفاتهم أنهم يرون الرافضين (الشيعة) في حالة الكشف في صورة خنازير. 2 ـ وكتب الشيخ عطار في كتابه "تذكرة للأولياء" عن "يزيد البسطامي": طِفْتُ البيت فترة، وعندما وصلت الى الحق، رأيت أن الكعبة تطوف حولي!... إن الله بلغ بي الى درجة حيث أستطيع أن أرى الخلق جملة بين اصبعي!!(2). 3 ـ وقد جاء في نفس الكتاب، أن يزيد قال: عرض عليَّ الحقُ الفي مقام عنده وفي كل مقام سلطان، وما قبلتُ(3). إن هذه إدعاءات لم تُسمع من نبي مرسل ولا من إمام معصوم ، بل إن أدعيتهم ومناجاتهم في جنب بيت الله التي تكون في غاية التذلل والتواضع تكشف عن أن كشفاً كهذا إن لم يكن فهو ـ قطعاً ـ أوهام وتخيلات شيطانية ترتسم ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - احتجاج الطبرسي الجزء 1 الصفحة 250. 2 - تذكرة الاولياء الصحفة 102. 3 - تذكرة الاولياء الصفحة 101. [261] في أذهان البعض، لأسباب وعوامل مختلفة، أشرنا الى بعضها سابقاً ، وإن سعة هذه الأوهام تتوقف على مدى وطول امنيات الشخص وتخيلاته. * * * سؤال: ثمت سؤال يطرح نفسه هنا، وهو: هل من طريق لتمييز المكاشفات "الرحمانية" عن "الشيطانية" و"الحقيقية" عن "الوهمية" أم لا؟ * * * الجواب: نعم توجد ثلاث علائم تتميز بها ـ اجمالا ـ المكاشفات الشيطانية عن الرحمانية، وهي: إن الرحمانية اضافة الى كونها يقينية وقطعية تقترن بمستوى عال من الايمان واليقين والمعرفة والاخلاص والتوحيد والعمل الصالح. بينما تفتقد المكاشفات الشيطانية هذه المواصفات، وعلى هذا الأساس فلا اعتبار يقول من يدعي المكاشفات الرحمانية وهو يفتقد هذه المواصفات. ولقد قرأنا في رواية مضت أن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "العلم نورٌ يقذفه الله في قلب من يحب، فينفتح له، ويشاهد الغيب، وينشرح صدره فيتحمل البلاء، قيل: يا رسول الله وهل لذلك من علامة؟ قال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله".(1) ثم إن المكاشفات الحقيقية تتفق دائماً مع الكتاب والسنة، وفي نفس الاتجاه الذي يتجه إليه كلام الله والمعصومين (عليهم السلام)، ولا تميل بقدر لأنملة عن جادة الاطاعة الربانية، وغير ملوّثة بأصغر إثم أو ذنب. وثالثاً، إن محتوى المكاشفات الحقيقية تتفق دائماً مع العقل اتفاقاً كاملا، وتكون بعيدة عن الامنيات والأوهام غير المعقولة ، فالذي يقول: "إني رأيت ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الصراط المستقيم الجزء 1 الصفحة 267. [262] الرافضية ـ مكاشفة ـ كالخنازير"، في الحقيقة رأى نفسه في مرآة ذاته. والذي يقول: "عندما وصلت الى الحق، فرأيت بيت الله يطوف حولي" فانه مُصاب بوكع في رأسه، وشخصاً كهذا يرى نفسه مستغنياً عن الطواف، ويرى الطواف أدنى من شأنه، بينما الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعظمته لم ير نفسه مستغنياً عن ذلك، وقد حج حتى في آخر سنة من عمره الشريف ودى المناسك. وآخر الحديث في الكشف والشهود هو هذا: لا يمكن عدّ الكشف والشهود كمصدر عام للمعرفة مثل "العقل" و"الحس" و"التاريخ" بل انه مصدر خاص، وله شروط ومواصفات صعبة (دقِّق). * * * [263] حُجُب المعرفة وآفاتها [264] [265] حُجُب المعرفة وآفاتها تمهيد: توقفنا حتى الآن ـ في طينا الطُرُق العلم والمعرفة ـ في محطات واجتزناها. لقد قبلنا وجود واقعيات خارج اطار الذهن، وقبلنا كذلك امكانية إدراك تلك الواقعيات الى حد ما، وقد عرفنا بدقة مصادر المعرفة الستة. كما علمنا أن خمسةً من مصادر المعرفة أي "الحس" و"العقل" و"الفطرة" و "التاريخ " و " الـوحي " عـامة ويستطيع الـجميع الاستعانة بها للوصـول الى المعرفة المرادة، إلاّ أن المصدر السادس وهو الشهود الباطني مصدر خاص بفريق من المؤمنين وأولياء الله، ولا يعم الجميع. بقي محطتان ينبغي العبور منهما للوصول الى المراد ، الاولى " مواضع طرق المعرفة "، والاخرى "ممهدات المعرفة"، والبحث الآن يصب في الموانع. مما لا شك فيه : ان العين لوحدها لا تكفي لرؤية الأشياء والأشخاص، بل ينبغي أن لا يكون هناك حجاب يحول دون الرؤية ، فان كان هـناك دخان أسود أو غبار أو ضباب غليظ بيننا وبين الشيء المراد رؤيته فانّا لا نرى ما أمامنا وحوالينا القريب مـنّا ، فضلا عن البعيد ، كذا الأمر بالنسبة للشمس فلا يمكن رؤيتها إذا حالت الغيوم بينها وبيننا رغم نورها الساطع. إذا لبس شخص نظارة سوداء ، فطبيعي أن لا يرى شيئاً ، واذا لبس نـظارة [266] ملونة فانه سيرى الاشياء ملونة كذلك ( حسب لون نظارته )، وإذا كان عدستا نظراته غير مصقولتين جيداً فانه سيرى الاشياء معوجة ، واذا كان شخص مبتل بمرض اليرقان فانه سيرى الأشياء صفراء، وإذا كان أحولا فانه سيرى صوراً لا تتطابق مع الواقع. وأمثال هذه الموانع بالضبط قد تحصل للعقل والفطرة ، وقد تحصل موانع في فهم التاريخ وحتى الوحي وكلمات المعصومين(عليهم السلام)، فقد يُساء فهمه لنفس الموانع والحجب التي تحصل للانسان في مصادر المعرفة الاخرى، ومن هنا نفهم أهمية بحث موانع المعرفة وندرك أهمية العلم بها للوصول الى المعرفة. وبما أن القرآن منطلق بحثنا في التفسير الموضوعي، فنسعى لمعرفة الموانع والحجب التي ذكرت فيه بالدرجة الاولى، لأنه هو أساس بحثنا. بَحَثَ القرآن موانع المعرفة بنحوين: الاول بحوث كلية و "منذرة" والثاني: بحوث جزئية و"تعليمية"، ونذهب الآن الى البحوث الكلية. * * * حُجُب المعرفة: نصغي خاشعين أولا الى الآيات التالية: (اَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سَوءُ عَمَلِهِ فَرآهُ حَسَناً) (فاطر / 8) 2 ـ (وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُؤا يَعْمَلُونَ) (الانعام / 43) 3 ـ (فَأمّا الَّذِيْنَ فِي قُلُوبِهِمْ زِيغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ) (آل عمران / 7) 4 ـ (كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) [267] (المطففين / 14) 5 ـ (لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِيْنَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) (الحج / 53) 6 ـ (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِم أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفي آذانِهِمْ وَقْرَاً) (الاسراء / 46) 7 ـ (وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهَمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُون) (البقرة / 88) 8 ـ (وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِم فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) (الاعراف / 100) 9 ـ (وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) (التوبة / 87) 10 ـ (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصارِهِمْ غُشَاوَةٌ) (البقرة / 7) 11 ـ (أَفَرَأَيْتَ مَنِ التَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْم وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشاوَةٌ) (الجاثية / 23) 12 ـ (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفالُها) (محمد / 24) 13 ـ (اُنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتي فِي الصُّدُورِ) (الحج / 46) 14 ـ (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْينٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ [268] آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالاَنْعامِ بَلْ هُمْ اَضَلُّ اُولئِكَ هُمُ الْغافِلونَ) (الأعراف / 179) * * * شرح المفردات: قبل كل شيء ينبغي الخوض في البحث عن المفردات الجميلة التي استعملت في الآيات السابقة التي أشارت الى حجب المعرفة وموانعها، لأن كلا منها تشير الى مرحلة من مراحل انحراف ذهن الانسان وحرمانه من المعرفة، فتبدأ بالمراحل الأضعف، وتنتهي بمراحل أشد وأقوى من الحرمان بحيث تسلب الانسان قدرته على التمييز، بل تصوّر له الحقائق بالعكس فيرى الشيطان ـ من جرائها ـ مَلَكاً بريئاً، والقُبح حُسناً، والباطل حقاً! * * * إنّ "زيغ" تـعني ـ كما يقول كثير من أئـمة اللغة ـ الانـحراف ، أو الانـحراف عن الحق والحقيقة، ولهذا جاء في القرآن: (رَبّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا)(1). و" رَانَ " من مادة " رَيْن " وهو الصدأ الذي يـصيب بعض الفلزات هذا ما قاله الراغب في مفرداته، وقد قال بعض أهل اللغة: " إنّه يشر أحمر يرتسب من الهواء ويظهر على بعض المعادن مثل الحديد". وهذا الصدأ علامة للتفسخ والتلف وزوال شفافية ولمعان الفلز. وقد فسر البعض هذه المفردة بـ "غلبة أمر على أمر آخر" أو "الوقوع فيما لا مخرج منه". ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - آل عمران: 8. [269] وقد قيل للشراب "رَيْنه" لانه يتغلب على العقل(1). "الوَقْر" هو الثقل في السمع بدرجة يستصحب السمع بها. أمّا "الوِقْر" فهو الثقل الذي يوضع على ظهر الانسان أو رأسه، كما يقال "وِقْر للحمل الثقيل، ولهذا قيل لصاحب العقل "ذي وقار". " الغشاوة " تطلق على كل شيء غطّى شيئاً آخر ، ومن هذا الباب قيل للستارة غشاوة، وقد اُطلق، "غاشية" على يوم القيامة من حيث ان الخوف الناشيء منها يغطي جميع الناس ويخيّم عليهم، وقد اطلقت هذه المفردة على الليل الأظلم كذلك لأنه كالستار يغطي الأرض ، كما اطلقت على " الخيمة " كذلك. " أكِنة " جمع كِنان ، وفي الاصل تعني غطاء يُستر به شيء ، و " الكِنّ " يعني الوعاء الذي تحفظ به الأشياء، وقد أطلقت هذه المفردة على البيت أو على أي شيء يحفظ الانسان من الحرارة والبرودة، وجعل الأكِنة على القلوب يعني: سلب قدرتها في التمييز. "الغُلْف" جمع "أغلُف" ومن مادة "غِلاف" وتعني غلاف السيف او غلاف أي شيء آخر، و"قلوب غلف" تعني قلوباً لا تفهم ولا تعي شيئاً، وكأنها مُغلَّفة. " قَسَتْ " من مادة " قَسْوَة " ، وَالقساوة تعنى الصلابة والغـلظة ، ويـقال للدراهم الزائفة " قسّي "، والقلوب القاسية هي الصلبة والغليظة تجاه الحق والعدالة. و" نَطْبع " من مادة " طَبْع " ويعني الختم النقش، ومن هذا الباب تستعمل المفردة هذه في مجال المسكوكات الذهبية والفضية ، ويقال للخاتم الذي تختم به الكتب والرسائل طابع، وعندما تستعمل هذه المفردة في مجال العقل فتعني أنه مُغطَّى ومختوم عليه فلا يفهم ولا يعي شيئاً ، وكأن أبوابه مغلقة ومختوم عليها ، أما مفردة " طَبَع " فتعني الصدأ الذي يعلو السيف كما تطلق على المعاصي والذنوب ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الفخر الرازي ذيل الآية 14 من سورة المطففين والمنجد مادة (رين). [270] التي تعلو القلب وتغطيه. و" الخَتْم " يعني الانتهاء والفراغ من الشيء ، وبما أن الرسائل تختم عند الفراغ منها ، قبل لوسيلة الختم خاتم، وفي الماضي كان كثير من الناس ينقشون أسمائهم على نصوص ما يتختمون به ، فيختمون بها الرسائل ، ولهذا اُطلق على خاتم اليد خاتماً. وكان وما زال العرف ( اذا ارادوا أن يغلقوا بيتاً أو صندوقاً بحيث لا يفتحه أحد) يغلقون الباب أولا بحبل أو قفل ، ثم يصبون مادة لصقة أو طين لزج على القفل أو الحبل ثم يختمون على تلك المادة ، بحيث اذا أراد شخصٌ فتح الباب أو الصندوق اضطرَّ لأن يكسر الختم. إن استعمال القرآن لهذه المفردة في مجال العقول ، إشارة الى انها عقول مقفلة ومختوم عليها ولا تعي شيئاً بدرجة لا يمكن طريق فيها نحو العلم والمعرفة. * * * جمع الآيات وتفسيرها: 4النفوذ التدريجي لآفات المعرفة: (الانحرافات والرين والأمراض والأكنة والأقفال): كما قلنا سابقاً: إن أهمية بحث "موانع المعرفة" تستدعي عرض الموضوع في مرحلتين: المرحلة الاولى: ونبحث فيها ـ اجمالا ـ عن وجود الموانع والحجب وكيفية تأثيرها على العقل، وكيفية تلوث مصادر المعرفة بها تدريجياً، الى درجة تنتهي الى تعطيلها. المرحلة الثانية: ونبحث فيها عن جزئيات وخصائص كل من هذا الموانع والآفات وللقرآن بحث واسع وجذّاب في هذا المجال. وتذهب في البداية الى المرحلة الاولى، ومما تجدر الاشارة إليه، هو ان القرآن تحدث عن موانع المعرفة والآفات ونفوذها التدريجي والغامض، بشكل حيث [271] عرّف سالكي طريق العلم، والمعرفة بها تعريفاً كاملا، وأنذرهم كراراً بأن لا يفنوا عمرهم ساعين نحو السراب ظناً منهم أنه ماء، وبعد سنوات من السعي الحثيث ينتهون الى الباطل. * * * والآن نبحث معاً الآيات المذكورة: الحديث في الآية الاولي والثانية يدور حول تزيين الاعمال، فتارة يزينها الشيطان للانسان (كما جاء ذلك في الآية الثانية) وتارة تكون ذهنيات الانسان ونفسه أو عوامل اخرى هي التي تزين للانسان سوء أعماله (كما جاء ذلك في الآية الاولى، حيث ان العفل فيها مبني للمجهول) فقالت: (اَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سوء عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فإن الله يُضلُّ مَنْ يَشاء وَيَهْدي منْ يشاء) فان الاول يتجه نحو الهاوية والثاني نحو الصراط المستقيم، واذا ما صدر منه عملٌ سيءٌ أسرع الى التوبة وجبران ما عمل. وتضيف الآية الثانية: إن قلب الانسان يقسو في المرحلة الاولى، ثم يتأهل لتقبل وسوسة الشيطان فتتمثل الأعمال السيئة حسنةً أمامه، ومن هنا نرى بعض الناس غير نادمين على أعمالهم السيئة، بل قد يفرحون ويتباهون بها، ويصرون على منطقيتها وصحتها. وقد حصل هذا الأمر لأخوة يوسف، فعندما ألقوه في البئر وجاءوا أباهم بقميصه ملطخاً بدم كاذب ادعوا أكل الذئب له، وانهم صادقون في كلامهم. فأجابهم أبوهم: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً) (يوسف / 18). أي ظننتم أنكم أحسنتم عملا بهذه الجـريمة ، وانكـم ستحلون مـحل يوسف في قلبي، وأن يوسف انتهى أمره الى الأبد، غافلين عن أنكم تهيؤن [272] بعملكم هذا مقدمات عزه وسلطانه، وان مكانه سيبقى فارغاً في قلبي حتى أراه مرة اُخرى. وممّا يستحق الاشارة إليه هو ان القرآن ينسب تزيين الأعمال تارة للشيطان وتارة لنفس الانسان، وتارة يأتي التزيين في صيغة فعل مبني للمجهول وتارة ينسبه الى الله تـعالى كما جـاء ذلك في الآية ( 4 ) من سورة النحل: ( اِنَّ الَّذِينَ لا يُـؤْمِنُؤنَ بـِالآخِرَةِ زَيَّنـا لَهُمْ اَعمـالَهم) ، وهذه ترجع الى أن مـقدمات هذا الأمر تبدأ من نفس الانسان، فيتمسك بها الشيطان ويفعل فعلته ، وبما أن الله سبب الأسباب وخالق العلل والمعلولات فتنسب إليه نتيجة الأعمال، وتقتضي حكمته بأن يبتلي البعض بمصير كهذا وما أصعب حال الذي تتمثل السيئات أمامه حسنات! * * * وقد تحدثت الآية الثالثة عن المراحل الاولى لانحراف القلب، وبعد تقسيمها للآيات الى محكمات (وهي ذات المفاهيم الواضحة) ومتشابهات (وهي ذات المعاني المعقدة) قالت: (فَأَمّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُؤنَ ما تَشابَهَ مَنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنةِ وابتغاءَ تَأويلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأويلَهُ إلاّ الله والراسخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا)، فالراسخون في العلم يفسرون المشتشابهات بالمحكمات، واما الذين في قلوبهم زيغ فيأخذون بالمتشابهات ويفسرونها برأيهم ابتغاء الفتنة. إنهم يتمسكون بما تشابه من القرآن لتبرير نواياهم غير الخالصة، ولهذا نرى كثيراً من المنافقين وأصحاب البدع وأتباع المذاهب المنحرفة يستغلون صفاء قلوب المخلصين والمؤمنين بآيات الله بالكامل ، ويبررون بدعهم بالاستعانة بـ " التفسير بالرأي " والاستعانة بالآيات المتشابهة. وبتعبير آخر: بما [273] أن قلوبهم وأفكارهم منحرفة فيرون آيات الله منحرفة ايضاً، كالمرآة المعوجة تنعكس فيها الصور معوجة. * * * والآية الرابعة تشير الى الصدأ والرين الذي يعلوا القلوب ، فإنه كالغبار الذي يـعلو القلوب بسبب الذنوب والمعاصي ، فيتراكم الغبار عليها حتى تتحجر ، ويغطي الصدأ القلب كله، حيث قالت الآية: (كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِم ما كانُؤا يَكسِبُون)فلا عجب في عدم تمكّنهم من رؤية الحقيقة. * * * وتحدثت الآية الخامسة عن تفاقم الحالة السابقة وتبدلها الى مرض باطني، فبعد إشارتها الى الالقاءات والوساوس الشيطانية حتى للانبياء والمرسلين قالت: (لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِيْنَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ). نعم، إن هذه القلوب التي لا تستلذ بطعم الحقيقة، بسبب مرضها، وحلاوة الحقيقة عندما كالمرارة، مؤهلة لوسوسة الشياطين. ومما يلتف النظر هنا أن جملة (فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ). تكررت اثنا عشر مرة في القرآن، مما يكشف الأهمية التي أولاها الله لهذه المسألة، مع الالتفات الى أن أغلب هذه الآيات عنت المنافقين وصُرّح بذلك في عدد منها(1). إلاّ أن المرض جاء في بعض من هذه الآيات بمعنى "الشهوات والميول والهوى"، كما هو الحال في الآية (32) من سورة الاحزاب، حيث يقول فيها تعالى: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَولِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ). وعلى أية حال ، فان المستفاد من الآيـات هو أن الانسان كما يصاب جسمه بامراض، كذلك روحه فانها قد تصاب أمراض سببها "النفاق" تارة و"الاهواء والميول" تارة اخرى، وتغيّر عند عروضها ـ ذائقة روح الانسان بالكامل، كما ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الانفال: 49، والاحزاب: 12 و 32. [274] نرى ذلك في أمراض الجسم فقد تُغير مزاجه بشكل تجعله يستلذ بالأغذية الشاذة والكريهة ولا يستلذ بالأكلات اللذيذة والمفيدة، فان انساناً كهذا غير قادر على إدراك الحقائق ووعي الامور وفهمها. ومن الـمؤسف أنّهم كما استمروا في طريقهم كلـما تفاقـم عندهم المرض ، فاذا كانوا في مرحلة الشك. فسيتفاقم عندهم ويشتد ويصل تدريجياً الى مرحلة الانكار ومن الانكار الى مرحلة أخطر وهي الاستهزاء ومخالفة الحق، يقول القرآن في هذا المجال: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمْ الله مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة / 10). * * * تحدثت الآية السادسة عن جعل الأكنة والحجب على القلوب، وليس حجاباً واحداً بل حُجب وأكنة وذلك للحيلولة دون فمهم القرآن، حيث جاء فيها: (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِم أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِم وَقْرَاً). ذكر بعض المفسرين أن التعبير بالأكنة يدل على تعدد الكِنان(1). ومما لا شك فيه أنه لم يجعل وقر في آذانهم الظاهرية بل الروحية كي لا يسمعون من الحق شيئاً، كما لم تجعل الأكنة على القلوب التي هي وسيلة نضح الدم في الأوعية، بل جعلت الأكنة على أرواحهم وعقولهم. وقد وقع كثير من المفسرين ـ عند الاجابة على هذه المسألة ـ في إشكال، فتارة قالوا: انها معجزة حيث كان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يختفي عن انظار اعدائه المعاندين، فلا يكادون يسمعون شيئاً من كلامه، وذلك كي لا يؤذوه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتارة قالوا، إن الله يمنع لطفه عن اشخاص كهؤلاء فيتركهم لحالهم، وهذا هو معنى جعل الأكنة على القلوب والوقر في الآذان. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - روح المعاني الجزء 15 الصفحة 82. [275] إلاّ أن ظاهر هذه الآية ( التي تماثل آيات اخرى من القرآن ) شيء آخر ، وفي الحقيقة إن هذه استعمالات مجازية في حق المعاندين والمعصبين والمغرورين والغارقين في الاثم، وبتعبير آخر: ان حرمانهم من إدراك الحقيقة نتيجة لـصفائهم وأفعالهم القبيحة ، فقد جـعل الله هذه الميزة في هذه الأعـمال ، فهي كخاصية القتل بالنسبة للسلم، فلا يُلام خالق السم والنار إذا فتناول شخص سماً أو ألقى نفسه في النار فمات ، فانه في مورد كـهذا ينبغي لوم القائم بالعمل فقط. * * * وقد نقلت الآية السابعة ما كان يقوله اليهود للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أو الانبياء الاخرين، حيث كانوا يقولون: (وَقالُوا قُلُوبنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا ما يُؤْمُنُون)، نعم لعنهم الله لكفهرم، وأبعدهم عن رحمته، وإن اشخاصاً كاليهود كيف يمكنهم استذواق حلاوة الحقيقة. قد يكون التعبير بـ "الغلاف" يختلف عن التعبير بـ "الأكنة"، وذلك لأن الغلاف يستر المغلَّف ويغطيه من الجهات، بينما يغطي الستار جهة واحدة من المستور، وبتعبير آخر: تارة تعُطّل الموانع مصادراً واحداً من مصادر المعرفة كالفطرة لوحدها أو العقل لوحده، وتارة اخرى تعطل جميع المصادر وتجعلها في غلاف يحول دون المعرفة. نعم، كلما تلوّث الانسان بالذنوب والفساد أكثر ابتعد عقله وروحه من المعرفة وحُرِم منها اكثر. * * * وتحدثت الآية الثامنة والتاسعة عن الطبع على القلوب الذي يحول دون [276] المعرفة، وقد اعتبرت الآية الثامنة الطبع سبباً لعدم السمع (فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ)، واعتبرت الآية التاسعة الطبع سبباً لعدم الفقه والفهم (فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ)، والمراد في الموردين واحد، فكما قلنا: إن المراد من عدم السمع هو عدم الادراك والوعي والفهم. وهذه المرحلة أشد من المراحل السابقة، فالمرحلة الاولى هي جعل الاكنة على القلوب، ثم الغلاف عليها، وفي النهاية يطبع عليها للحيلولة دون نفوذ أي شيء فيها، كما ذكرنا ذلك في بحث شرح المفردات. طبعاً: إن ابتلائهم بهذا المصير ليس اعتباطياً، بل لأسباب أشارت إليها لآية السابقة حيث قالت: (اِذا أنزلت سُورةٌ أن آمِنوا بالله وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتأذَنَك أُولُوا الطوْل مِنْهُمْ وَقالُؤا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعدِين رضوا بأن يكونوا مع الخوالِف وَطُبع عَلى قُلوبِهم فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ). إذن إعراضهم عن الجهاد وتـخلفهم عـنه هـو السبب في الـطبع على القلوب. وآية اخرى أشارت الى سبب آخر من أسباب الطبع، حيث قالت: (أوَلَمْ يهدِ لِلَّذينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعد أهلها أنْ لَو نَشاء أصبْناهُم بِذُنُوبِهِم) أي انهم يذنبون رغم رؤيتهم وعملهم بأحوال السابقين وابتلائهم بالعذاب الالهي من جراء ذنبوهم، فطبع على قلوبهم. ومما يذكر هنا ان الطبع جاء في الآية الثامنة بصيغة المضارع "نطبع" وفي التاسعة بصيغة الماضي "طبع" وهذا تلميح الى أنَّ الطبع نتيجة سوء أعمالهم وتصرفاتهم. يقول بعض المفسرين : إن المراد من " الطبع " في مثل هذه الآيات هو نفس السبك والنقش الذي يستخدم للدراهم والمسكوكات، وهو نقش ثابت [277] وباق، لا يتغير بسهولة(1)، فانَّ نَقْشَ الكفر والنفاق والاثم نُقِشَ على قلوبهم فلا يمحى بسهولة. * * * وتحدثت الآية العاشرة والحادية عشرة عن "الختم" وكما قلنا سابقاً في شرح المفردات: إن الختم يعني الانتهاء والفراغ من شيء، وبما أن الرسائل تختم عند الفراغ منها استعملت هذه المفردة هناك ايضاً، وختم الشيء قفله وشده بحيث لا يمكن لأحد فتحه، والمراد من الختم على القلوب والأسماع والابصار في الآيات، هو سلب قدرتها عن التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر وذلك بسبب أعمال أصحابها وتصرفاتهم، ولهذا يذكر القرآن في الآية السابقة: (اِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ ءأنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (البقرة / 6). المسلم به هو ان هذا الخطاب لا يعم الكافرين كلهم بل يخص المتعصبين والمعاندين منهم، أي اولئك الذين عرقوا بذنوبهم الى درجة حيث أصبحت قلوبهم ظلماء، والاّ فالنبي أُرسل مبشراً ومنذراً للكافرين والمنحرفين. والـجدير ذكره هنا هو أن الآيات تحدثت عـن الختم على الابصار والسمع كما تحدثت عن الختم على القلوب، وهذا تلميح منها الى أن السمع والبصر قد يتعطلان، أي قد يتعطل الادراك الحسي كما يتعطل العقلي، وكما تعلم ان أغلب العلوم البشرية تحصل بواسطة هذين الحسين، وحتى حقانية الوحي ودعوة الانبياء تكتشف بهما، ومع تعطلهما فان طرق الهداية والنجاه ستغلق أمامهم، وهذا من سوء أعمالهم بأنفسهم، ولا يستلزم جبراً كما يدعيه بعض الظانين. وقد جاء هذا التعبير في مجال الطبع كذلك، حيث يقول تعالى في الآية (108) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير المنار الجزء 9 الصفحة 33. [278] من سورة النحل: (اُولئِكَ الَّذِينَ طَبعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ). والآية التي سبقت الاخير أشارت الى أن هذا الامر ليس عاماً وشاملا لجميع الكفار، بل يختص بمن شُرِح صدره لكفر، حيث يقول في الآية (106) من نفس السورة: (وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً). * * * وقد تحدثت الآية الثانية عشرة عن أقفال القلوب التي قد تكون أشد من الختم(1)، حيث قالت: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفالُها) أي أن آيات القرآن تنفذ في القلوب ولو من نوافذ صغيرة، وذلك لأن منطق القرآن هو البيان البديع، والبلاغة في التعبير، والعمق والدقة في التحليل، وهو نور وضياء خاص ينفذ في قلب كل مؤهل ولو بأقلٍّ تأهيل، ويستحوذ على القلوب ويهز الضمائر، رغم هذا فانه لا ينفذ في قلوب هؤلاء ولا يهز ضمائرهم أبداً، وذلك لانغلاق قلوبهم. إن "أقفال" جمع "قفل" ومن مادة "قُفول" ويعني الرجوع، وبما أن كلَّ من أتى باباً مقفوله رجع استعملت هذه المفردة في هذا المجال. إنَّ التعبير بـ " الاقفال " قد يكون اشارة الـى تعدد أقفال القلب بحيث اذا ما فتح قفل بقيت اقفال اخرى، وهذه في الحقيقة أسوء مرحلة وأشدها من مراحل حرمان ادراك الحقائق. ويلاحظ هنا عدم اضافة "قلوب" الى الاقفال بل جاءت بصيغة النكرة، وكأن هذا إشارة الى أن هذه القلوب ليست لهم، والأعجب من هذا هو اضافة "الأقفال" الى "القلوب" وكأنّ قلوبهم أهل للاقفال فقط لا لشيء آخر. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - وقد أشار الفخر الرازي في تفسيره الى هذا الأمر. [279] * * * وفي الآية الثالثة عشرة تعبير يهز الضمائر حيث يقول تعالى: (اِنَّها لا تَعَمَى الأَبْصارُ وَلْكَنْ تَعَمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج / 46)، أي ان الحاسة الباصرة اذا فقدت فهذا ليس بعمى، لإمكان أن يسد العقل اليقظ فراغها، وانما الشقاء والبؤس والتعاسة في القلوب اذا عميت، فعمي القلوب أكبر حاجب عن إدراك الحقيقة، والانسان بنفسه يعمي قلبه، ولقد أثبتت التجربة ان الانسان إذا ما جعل عصابة على عينيه أو مكث في ظلام لمدة طويلة، فان سيفقد باصرته تدريجياً، كذلك الأمر بالنسبة للذين يغمضون عيون قلوبهم عن الحقائق، أو يمكثون مدة طويلة في ظلمات الجهل والغرور والإثم فان قلوبهم ستعمى، وتكون غير قادرة على إدراك أي حقيقة. يُشكِكُ البعض أنه لا يمكن أن يراد من القلب (الذي في الصدر ويضخ الدم الى جميع أعضاء البدن) العقل والروح. إلاّ أنه بملاحظة استعمال " الـصدر " بمعنى الـذات والفطرة يتضح لـنا أن المراد من (القلُوبُ الِّتِي فِي الصُّدُورِ) هو الادراك العقلي المودع في طبيعة الانسان. إضافة الى هذا، فان القلب أول عضو في بدن الانسان يتأثر بعواطف وأحاسيس وادراكات الانسان، نلاحظ ان اتخاذ قرار مهم ، أو حصول حالة غضب شديدة ، أو الاحساس بالحب القوي تجاه شخص ما يُزيد من دقات القلب ، فإذا استعمل القلب الظاهري كناية عن العقل ، فلأجل العلاقة الوثيقة التي بينه وبين الروح(1). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - للمزيد من العلم راجع (التفسير الأمثل) الجزء 1 ذيل الآية 7 من سورة البقرة والجزء 14 صفحة 131. [280] * * * وقد تحدثت الآية الرابعة عشرة والاخيرة عن آخر مرحلة لحرمان الانسان من المعرفة، والتي يتعطّل فيها العقل والفطرة والعين والاذن عن العمل بالكامل، فيهوى الانسان الى مستوى الانعام بل أضلّ. والآية تلميح الى فريق من اهل النار وكانهم خلقوا لأجلها لا لشيء آخر: (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُؤنَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالاَنْعامِ بَلْ هُمْ اَضَلُّ اُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) وعليه، فانهم فقدوا "هويتهم الانسانية"، وأغلقوا أبواب الرجوع على أنفسهم، فهووا من قمم السعادة السماوية المعدة لهم الى شقاء جهنم التي أُعدت لأولئك الذين غلقوا جميع أبواب المعرفة على أنفسهم، وهو مصير صنعتهُ نفوسهم وذنوبهم وعصيانهم. * * * النتيجة الأخيرة: إن في القرآن الكريم نماذجاً كثيرة تشبه الآيات الاربعة عشرة التي ذكرناها في أول هذا الفصل، وانتخبنا هذه الاربعة عشرة للمواصفات التي تتحلى بها، وقد انتهينا الى حقيقة واضحة وهي أنه قد تعرض آفات لمصادر المعرفة بالخصوص العقل والفطرة والحس، وبعض تلك الآفات خفيفة طفيفة، وبعضها شديدة، وبعضها بدرجة من الشدة حيث تترك الانسان في ظلمات مطلقة تمنعه من استيعاب أوضح الحقائق الحسية. وقد سعينا لمتابعة هذا الانحراف التدريجي لجميع مراحله مع الاستشهاد [281] بآيات القرآن، ولا ندعي أن الترتيب الطبيعي لهذا الانحراف هو نفس الترتيب الذي جاء في الآيات عيناً، بل نقول: إن الآيات المذكورة قد بيّنت نفوذ الآفات في جميع. وما أجمل تعبير القرآن في هـذا المجال ، ومـا أدقه ؟ فتارة تحدث عن العوامل الخارجية مثل " تزيين الشيطان " وتـارة تحدث عن انحراف القلب والفكر. وتارة عن صدأ القلوب. وتارة عن تحول هذا الانحراف الى مرض مزمن. وتارة عن الأكنة المجعولة على القلوب. وتارة عن تغلُّف القلوب بالكامل. وتارة عن الطبع على القلوب والنقش عليها. وتارة عن وضع القلوب في أوعية وختم تلك الأوعية. وتارة عن تجاوز الأكنة القلوب لتشمل السمع والبصر. وتارة عن تقفل القلوب. وتارة عن العمى الكامل. وأخيراً عن سلب الانسان هويته الانسانية وإسقاطه الى درجة الأنعام بل درجة أدنى منها. أما دواعي هذه المآسي والمصائب؟ فهو ما نتناوله في بحثنا اللاحق، لأن الهدف من بحثنا الماضي كان التعريف بالآفات والحجب وتوضيح أمرها بصورة اجمالية. ثم نصل الى مرحلة علاج هذه الأمرض وكيفية رفع الأكنة ومسح الصدأ والرين والوقاية من الوصول الى مرحلة لا خروج منها. وننهي بحثنا هذا بحديث عن الامام الصادق(عليه السلام): [282] "إنّ لك قلباً ومسامع وإن الله إذا أراد أن يهدي عبداً فتح مسامع قلبه، وإذ أراد به غير ذلك ختم مسامع قلبه فلا يصلح أبداً وهو قول الله عزَّوجلَّ (عَلَى قُلُوب أَقْفالُها)(1). * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير نور الثقلين الجزء 5 الصفحة 41. [283] [284] حُجُب المعرفة وآفاتها "بالتفصيل" [285] [286] تمهيد: كان الحديث في البحث السابق عن انسداد أبواب المعرفة وطرقها بالاجمال. وحديثنا الآن عن "العلل والعوامل" لهذه الظاهرة المؤلمة التيى يمكنها أن تؤدي بالانسان الى السقوط الى درجة الأنعام والبهائم. حديثنا عن الامور التي تسبب ظهور الصدأ على قلب الانسان، وجعل الوقرفي الاذان، والعمى في القلب، واختلال توازن العقل، واخيراً تسبب عدم رؤية الحق او رؤيته معكوساً! تابع القرآن هذه المس.لة المهمة في آيات عديدة وبيّن العلل الأساسية لهذه الظاهرة، ويمكن تلخيص العلل في ثلاثة أقسام: 1 ـ الصفات والاخلاقيات التي يمكنها أن تكون حاجباً عن الرؤية الروحية. 2 ـ الأعمال والسلوك التي تسوّد مرآة العقل. 3 ـ العوامل الخارجية التي تؤثر على فكر الانسان وعقله وعواطفه وفطرته. وسنبحث هذه العناوين الثلاثة كلا على حده (وأؤكد هنا على أننا نطرح العلل التي انعكست في القرآن الكريم بوضوح فحسب). * * * [287] القسم الاول: الصفات التي تحول دون المعرفة [288] القسم الاول: الصفات التي تحول دون المعرفة إن هذه الصفات التي ذكرت في القرآن بصراحة تارة وبالكناية تارة اخرى عبارة عن: 1 ـ حجاب اتخاذ الهوى إلهاً: قبل كل شيء نصغي خاشعين للآيات التالية: 1 ـ (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ اِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْم وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشـاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُون) (الجاثيه / 23) 2 ـ (كُلَّما جائَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَريقاً كَذَّبُوا وَفَرْيقاً يَقْتُلُون وَحَسِبُوا ألاّ تكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِم ثُمَّ عَمُؤا وَصَمُّوا كَثِيْرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصيْرٌ بِما يَعْمَلُونَ) (المائدة / 70 ـ 71) 3 ـ (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ اِلَيْكَ حَتّى اِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ اُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولْئِكَ الَّذِيْنَ طَبَعَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوائَهُمْ) [289] (محمد / 16) * * * شرح المفردات "الهوى" بمعنى رغبة النفس وميلها الى الشهوات ويقال انها مشتقة من "اَلهوي" الذي يعني السقوط من الارتفاع، وذلك لأن الهوى يسبب سقوط الانسان في المصائب في الدنيا، وابتلاءه بالعذاب في الاخرة، ومن هنا قيل لجهنم "هاوية" لأن قعرها منحفض للغاية. وقد ذكر البعض معنيين لهذه المفردة : ( الصعود والارتفاع ) و( السقوط )، وذكر بعض آخر معنى واحداً لها وهو (الارتفاع والسقوط الى الأسفل) وهذا في الحقيقة تركيب من المعنيين السابقين. وقال البعض: إن الهُوىّ يعني "السقوط" والهَويّ يعني "الصعود"(1). * * * جمع الآيات وتفسيرها: إتباع الهوى يُعمي القلب: تحدثت الآية الاولى عن اتخاذ الهوى إلهاً واتباعه، والتضحية لأجله بكل ما يملك، وكل من كان كذلك فسوف يختم على قلبه وعلى سمعه ويجعل على بصره غشاوة، فلا يهتدي بعد ذلك، فلنقرأ الآية: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ اِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْم ...). * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - راجع مفردات الراغب، ومجمع البحرين، وكتاب العين، واقرب الموارد، والمنجد. [290] والآية الثانية تحدثت عن فريق من اليهود المعاندين حيث كلما جاءتهم رُسُل الله وأتوا بما يخالف أهواهم، قاموا بتكذيب بعضهم وقتل البعض الآخر، إن عنادهم هذا جعل حجاباً بينهم وبين الحقائق، فيرون أنفسهم آمنين من عذاب الله، تاب الله عليهم، وشملتهم رحمته الواسعة في المرة الاولى، لكن في المرة الثانية شملتهم نقمته، وذلك لنقضهم عهدهم وطغيانهم، فعموا وصُمّوا. وهذه من المردودات السلبية لاتباع الهوى، حيث يهرقون دماء الانبياء ولا يدركون قبح عملهم. إن التعبير بـ "يقتلون" يدل على أن ديدن هذا الفريق من اليهود هو قتل الأنبياء لما يأتون به من الشرائع المخالفة لأهوائهم. * * * والآية الثالثة تشير الى فريق من المنافقين الذين يستمعون للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبمجرد ابتعادهم عنه استهزؤا به أمام المؤمنين. يقول القرآن عن هذا الفريق من المنافقين: (أُولئِكَ الَّذِيْنَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوائِهِم). إن هذه الآيات الثلاث تبين بوضوح العلاقة بين اتباع الهوى وفقدان قدرة التمييز. لِمَ لا يكون اتباع الهوى مانعاً عن إدراك الحقيقة وقد استحوذ حبه على جمع جوانب الانسان، فلا يرى شيئاً غيره ولا يفكر إلاّ به؟ وقد سمعنا قول الرسول كثيراً حيث يقول فيه: "حُبُّكَ لُلشَّيء يُعْمِي وَيُصِمُّ"(1). كما سمعت في هذا المجال حدياً آخر نقل عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وعن اميرالمؤمنين: "أمّا اتباع الهوى فيصدُّ عن الحق"(2). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - روضة المتقين الجزء 13 الصفحة 21. 2 - البحار الجزء 7 الصفحة 75، ونهج البلاغة الخطبة 42. [291] إن هذه المسألة واضحة الى درجة أنها اصبحت مثلا في كلام العرب: "صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلاّ حاجته"(1). إن الانسان الذي خسر قلبه وروحه في حب الجاه والمال والشهوة ، وعبّاً كل رأس مال وجوده في هذا المجال ، لا يرى شيئاً في الدنيا غير هذا الحب ، وقد جعل هذا الحب ستاراً ضخماً على عقله وفكره. وما أجمال ما قاله علي(عليه السلام) في إحدى خطبه: "مَنْ عشقَ شيئاً أعشى بصره"(2). وقد نقلت الرواية التالية في شأن نزول الآية (23) من سورة الجاثية التي أشرنا إليها سابقاً: انّ ابا جهل طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد ابن المغيرة (فقد كانت الكعبة محترمة في الجاهلية ايضاً ومحلاّ للطواف) فتحدثنا في شأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال ابوجهل والله إني لأعلم انه صادق، فقا له مَهْ، ومالك على ذلك؟ قال، يا ابا عبد شمس كنا نسميه في صباه الصادق الأمين، فلما تم عقله وكمل رشده نسميه الكذاب الخائن، والله إني لأعلم انه صادق، قال: فما يمنعك ان تصدقه وتؤمن به؟ قال: تتحَدث عني بنات قريش أني اتبعت يتيم ابي طالب من أجل، كسرة، واللات والعزّى إن اتبعته أبدا. فنزلت "وختم على سمعه وقلبه"(3). وما أجمل ما قاله علي(عليه السلام) عن الهوى: "آفة العقل الهوى"، كما قال في محل آخر: "الهوى آفة الألباب"(4). * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نهج البلاغة الخطبة 109. 2 - تفسير المراغي الجزء 5 الصفحة 157. 3 - تفسير المراغي الجزء 25 الصفحة 157. 4 - غرر الحكم. [292] 2 ـ حجاب حب الدنيا يقول القرآن في هذا المجال: (ذلِكَ بِأَنَّهُم اسْتَحَبّوا الْحِياهَ الدُّنْيا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْم الْكافِرِيْنَ * أُولئِكَ الَّذِيْنَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) النحل / 107 ـ 108) * * * جمع الآيات وتفسيرها: إن الآية تشير الى قوم أسلموا رغبة في الاسلام ، ثم ارتدوا عنه ، فلمحت الآية الى أن ارتدادهم لم يكن لرؤيتهم في الاسلام ما يخالف الحق ، بل لأنهم استحبوا الدنيا على الاخرة ، ورجحوها عليها ، فودعوا الاسلام واتجهوا نحو وادي الكفر تارة اخرى، ولم يرَ الله فيهم الأهلية للهداية مرة اخرى، وذلك لحبهم للحياة الدنيا، فطبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأغلق عليهم أبواب المعرفة فأصبحوا من الغافلين. إن حب الدنيا سواء كان في غطاء حب المال والثروة أو في غطاء حب الجاه والمقام، أو في غطاء حب الشهوات المختلفة، كالريح العاصف للذي يهب في باطن الانسان فيفقده توازن عقله بالكامل. نعلم ان الميزان الدقيق يُجعل في محفظة تحول دون تأثير النسيم عليه، وحتى الوزّان ينبغي له حبس أنفاسه حتى الانتهاء من الوزن، وذلك للحيلولة دون تأثير امواج الهواء الخارج من رئته على تعادل الميزان، فما فائدة ميزان كهذا عند [293] هبوب ريح عاصف؟ إن حب الدنيا سواء كانت بشكلها القاروني أو الفرعوني أو السامري أو غير ذلك، لا يسمح لفكر الانسان أن يحكم على الامور صحيحاً، واذا صرح الله تعالى في الآية السابقة بانه طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، فلذلك مردود حب الدنيا الطبيعي، وبما أنهم يتجهون نحو السبب فيبتلون بالمسبَّب. ويشاهد في الأحاديث الاسلامية تعابير جميلة في هذا المجال، يقول الامام الباقر(عليه السلام). "مثلُ الحريص على الدنيا كمثل دودة القز كلما ازدادت من القز على نفسها كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غماً"(1). كما نُقل حديث آخر عن امير المؤمنين(عليه السلام) يقول فيه: "الدنيا تفرّ وتضرّ وتمرّ"(2). ويقول الامام نفسه في رسالته كتبها لأحد أصحابه ينصحه فيها ويقول: "فارفض الدنيا فانّ حب الدنيا يُمر، ويُصم ويبكم ويُذلُّ الرِّقاب فتدارك ما بقي من عمرك ولا تقل غداً أوْ بعد غد فانّما هلك من كان قبلك باقامتهم على الأماني والتسويف"(3). * * * 3 ـ حجاب الكبر والغرور وسكرة القدرة! ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - البحار الجزء 7 الصفحة 23 الحديث 13. 2 - نهج البلاغة. 3 - البحار الجزء 70 الصفحة 75، اصول الكافي الجزء 2 باب ذم الدنيا والزهد فيها الحديث 23. [294] 1 ـ (اَلَّذِيْنَ يُجادِللُونَ فِي آياتِ الله بِغَيْر سُلْطان آتاهُمْ كَبُرَ مَقَتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِيْنَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلٍّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبّارِ). 2 ـ (وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُه أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا هُدَى وَشِفاءٌ وَالَّذِيْنَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكان بَعِيْد). * * * جمع الآيات وتفسيرها: الجبارون والمعرورون لا يدركون الحق! تحدثت الآية الاولى عن "مؤمن آل فرعون" صاحب الضمير الحي الذي كان في بلاط فرعون يؤ د موسى بن عمران ويؤمن به سراً، فصرحت الآية: (اَلَّذِيْنَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطان آتاهُمْ كَبُرَ مَقَتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِيْنَ آمَنوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر). نعم، إن عناد الحق والاصرار في ذلك العناد يجعل حجاباً على فكر الانسان ويسلبه حسن معرفته، فيبلغ به الأمر الى أن يصبح قلبه كالوعاء المغلق لا يخرج محتواه الفاسد ولا ينفذ فيه المحتوى السليم والمفيد. يقول البعض في الفرق بين "البجار" و"المتكبر" ان "التكبر" يقابل "الخضوع للحق" و"الجبروت" يقابل "الشفقه والمحبة للخلق"، فالظَّلَمَة المغرورون لا يخضعون للحق ولا يرحمون الخلق. [295] * * * والآية الثانية نقلت أقوال فريق من المتكبرين المعاندين حول القرآن حيث كانوا يقولون: لِمَ لَمْ ينزّل القرآن أعجمياً كي نهتم به أكثر وكي يفهمه غير العرب؟ (قد يكون مرادهم هو الحؤول دون فهم الناس له). فأجابهم القرآن: لو نزّل القرآن أعجمياً لأشكلتم إشكالا آخر وهو "لولا فصلت آياته" أي ان محتوام معقد ومبهم ولا نعي شيئاً منه، ثم قلتم، عجيب أن يكون القرآن أعجمياً ونازلا على عربي؟! ثم أمر الله الرسول ب.ن يقول لأولئك المغرورين: (هُوَ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا هُدَى وَشِفاءٌ وَالَّذِيْنَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذنِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكان بَعِيْد) وواضح ان الذي ينادى من مكان بعيد لا يسمع ولا يُرى. إذا أنكرت أعينهم نور شمس القرآن الساطعة فذلك لرمدها، واذا أنكرت آذانهم نداء الحق المدوّي فلذك للوقر الذي فيها. حجاب الغرور في الأحاديث الاسلامية: 1 ـ جاء في حديث للامام الباقر(عليه السلام): "ما دخل قلب امرىء شيء من الكبر إلاّ نقص من عقله ما دخله من ذلك قلَّ ذلك أكثر"(1). 2 ـ وقد خاطب امير المؤمنين(عليه السلام) فريقاً من المنحرفين في كلماته القصار قائلا: "بينكم وبين الموعظة حجاب من العزّة"(2). عندما يتمحور حب الذات في نفس الانسان، يسعى الانسان لأن يجمع كل شيء في نفسه، وعندما يصل الى مستوى "العجب" يرى نفسه أعلى وأرفع من أي ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - البحار الجزء 75 الصفحة 186 باب وصايا الامام الباقر(عليه السلام) الحديث 26. 2 - نهج البلاغة: الكلمات القصار رقم 20082. [296] انسان آخر، وعندما يصل الى مستوى "الانانية" يرى نفسه المقياس الوحيد للقيم والجمال. وهذه الحالات تجعل ستار عجيب على عقله تحجب الحقيقة عنه، فيرى جميع القيم منحسره في نفسه، وينسى غيره. ولهذا، فان أول خطوة في مجال تهذيب النفس هو الترفع عن "الكبر والغرور"، ولا يتأهل الانسان للقرب من الله من دون ذلك. 3 ـ وقد جاء في كلام لأمير المؤمنين(عليه السلام) : " سرّ آفات العقل الكبر "(1)، كما جاء في كلام آخر له: "العجب آفة"(2). * * * 4 ـ حجاب الجهل والغفلة 1 ـ (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِيْنَ لا يَعْلَمُونَ) (الروم / 59) 2 ـ (لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آبائُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ * وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْبدِيْهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسواءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (يس / 6 / و 9 و 10) * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - غرر الحكم. 2 - غرر الحكم. [297] جمع الآيات وتفسيرها: أكدت الآية الأولى على أن الله ضرب للناس في هذا القرآن من كلِّ مثل ، فتارة بآيات الآفاق والأنفس وتارة بالوعد والوعيد، وتارة بالأمر والنهي، وتارة بالبشرى والانذار، وتارة بالسبل العاطفية والفطرية، وتارة بالاستدلال، ورغم هذا البيان فان فريقاً من الجاهلين والغافلين يجحدون بآيات الله ويقولون: أنتم مبطلون أي على باطل. ويضيف الله في الآية: هذا كله لأجل أن الله طبع على قلوبهم وذلك يجهلهم. إن الآية ـ في الحقيقة ـ تشير الى أسوأ أنواع الجهل وهو "الجهل المركب" الجهل الذي يحسبه صاحبه علماً، ولا يصغي لمن أراد ايقاظه من غفلة الجهل هذه، ولهذا فان شخصاً كهذا يضلُّ جاهاً جهلا مركباً الى أبد الدهر. اذا كان اخطاب موجهاً لجاهل "جهلا بسيطاً" أي لا يعلم ويعلم أنه لا يعلم، ومستعد في نفس الوقت لقبول نداء الحق والهداية، فان الأمر اتجاهه بسيط، والحجاب المانع يطبع على القلب عندما يكون الجهل مركباً وممتزجاً بروح العناد وعدم التسليم لنداء الحق. وقد نقل في بعض التفاسير شعر جميل لشاعر عربي يقول فيه: قال حمار الحكيم يوماً ***** لو تنصفوني لكنتُ أركب لأنّني جاهل بسيط ***** وصاحبي جاهل مركب(1) * * * وتشير الآية الثانية الى فريق من الغافلين الذين صدر حكم العذاب بحقهم وذلك لجهلهم وعنادهم وأنّهم ليسوا أهلا للهداية. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - روح المعاني الجزء 21 الصفحة 55 ذيل الآية 59 من سورة الروم. [298] ثم صوّر القرآن الحُجُب التي قد تحيط العقل تصويراً عجيباً حيث قال: (إنَّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِم أغْلالا فَهيَ اِلى الاذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنا مِنْ بَينِ أَيدِيهِم سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْناهُم فَهُمْ لا يُبْصِرُون). إنَ عبارة (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِم سَداً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً) إشارة الى الحجب التي تحول دون رؤية آيات الافاق والكون. إن الأغلال التي جاءت في الآية قد تكون اشارة الى الحجب التي تحول دون رؤية آيات الأنفس، والأسوأ من هذا كله هو جعل الغشاوة على الابصار بحيث لا امكان للرؤية، وهي ستار الغفلة والجهل والغرور. وبديهي أن أشخاصاً كهؤلاء مع كل هذه الحجب ، سواء أنذرهم الرسول أم لم ينذرهم وسواء سمعوا آيات القرآن من شفاه محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) الطاهرة أم لم يسمعوا ، فهُم لا يؤمنون ولا يهتدون ، إنهم رهائن لا لغل واحد، بل لأغلال عديدة ( فالأغلال جاء بصيغة الجمع لا المفرد ). وقد فسر البعض السد ( الذي يجعل امام الشخص ) بالحجب التي تحرم الانسان من الهداية النظرية والاستدلال، والسد ( الذي يجعل من الخلق ) بالحجب التي تمنع من الهداية الفطرية والرجوع إليها(1). * * * حجاب الجهل في الأحاديث الاسلامية: 1 ـ قال الامـام امير المـؤمنين(عليه السلام) عن الجهـل : " الجـاهل مـيت بـين الأحياء "(2). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الفخر الرازي الجزء 26 الصفحة 45 ذيل الآيات المذكورة في بحثنا. 2 - غرر الحكم الصفحة 99. [299] 2 ـ كما قال في محل آخر: "الحمق من ثمار الجهل"(1). واضح، كما ان الميت فاقد الادراك والاحساس كذا الجاهل العنود، لا نتوقع منه الفهم الحقيقي للامور. 3 ـ من خصائص الجاهلين بالجهل المركب أنهم يعدون العلماء الحقيقيين ضالين، ولهذا جاء في حديث الامام موسى بن جعفر(عليه السلام): "تعجب الجاهل من العاقل أكثر من تعجب العاقل من الجاهل"(2). 4 ـ ننهي البحث بحديث للامام امـير المـؤمنين(عليه السلام) حيث يقول فيه : " إن قلوب الجُهّال تستفزها الأطماع وترتهنها الُمنى وتستعقلها الخدايع"(3). * * * 5 ـ حجاب النفاق 1 ـ ( يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمـا يَخْدَعـُونَ اِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمـا يَشْعُـرُونَ * فِي قُلُـوبِهِمْ مَـرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَـرَضاً وَلَهُمْ عَـذبٌ أَليمٌ بِـمـا كانُـوا يَكْذِبُـونَ) (البقرة / 9 ـ 10) 2 ـ (مَثَلُـهُمْ كَـمَثَلِ الَّـذِي اسْتَوْقَدَ نـاراً فَلَمّا أضـاءَتْ مـا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُـورِهِمْ وَتَرَكَـهُمْ فـِي ظُلُمـات لا يُبْصِـرُونَ * صُمٌّ بُكْـمٌ عُمْـيٌ فَهُـمْ لا يَرْجِعُونَ) (البقرة / 17 ـ 18) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نفس المصدر الصفحة 41. 2 - سفينة البحار الجزء 1 الصفحة 199. 3 - الكافي الجزء 1 الصفحة 23 كتاب العقل والجهل الحديث 18. [300] 3 ـ (اِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِيْنَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هـؤُلاء دِيْنُهُـمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَاِنَّ اللهَ عَزِيْز حَكِيمْ) (الانفال / 49) 4 ـ (وَاِذْ يَقُولُ الْمُنـافِقُونَ وَالَّذِيْنَ فِـي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مـا وَعَـدَنا اللهُ وَرَسُولُهُ اِلاّ غُرُورا) (الاحزاب / 12) * * * جمع الآيات وتفسيرها: المنافقون عمي القلوب: إنّ في أوائل سورة البقرة ثلاث عشرة آية تحدثت عن النفاق والمنافقين، وقد صورتهما بدقة متناهية وبتعابير وافية، والآية الاولى هي من ضمن الآيات التي جاءت هناك. يقول القرآن في هذه الآية: إن احد أخطاء المنافقين أنهم يخادعون الله وكذا المؤمنين، وفي الحقيقة لا يخادعون إلاّ أنفسهم وهم لا يشعرون ولا يعلمون، وذلك لأن النفاق قد غطّى قلوبهم بستاره السميك، ثم يضيف القرآن: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً). من الـواضح، إن المـراد من المـرض في الآية هـو " مرض النفاق " الذي يتغلب على قلوبهم، فالانـسان المـريض لا يستطيع ان يفكر تفكير سليماً (لأن العقل السليم في الجسم السليم)، وكذلك حواسه الظاهرية، ولهذا نرى بعض المـرضى تـبدو ألـذ الاغـذية عنـدهم كـريـهة الطـعم، وبـعض الأغذية كـريهة الطعم لذيذة. [301] * * * وقد شبهت الآية الثانية المنافقين بالذي ضلَّ متورطاً في ظلمات الليل، ثم استوقد ناراً ليرى مما حوله، فجاء ريح عاصف وأطفأ ما استوقده فبقي في الظلمات تارة اخرى، فلا يبصر ولا يسمع ولا ينطق شسيئاً، ولا طريق له للرجوع. قد يكون المراد من النور الذي جاء في الآية هو نور الايمان الظاهري الذي يراه المنافق ويستضيء به ما حوله ويحفظ نفسه وماله تحت ظله. أو أن المراد منه هو نـور الفطرة الذي جُبل عليه الانسان، والمنافقون يستثمرون هذا النور في البداية، ولا يمضي زمن طويل حتى تأتي زوبعة النفاق فتطفئه. * * * تحدثت الآيـة الثالثة والـرابعة عن المـنافقين مرضى القلـوب، وبقرينة الآيات السابقة ندرك أن المراد من "الذين في قلوبهم مرض" هو نفس المنافقين وان العطف عطف تفسيري(1)، إلاّ أن الآية الثالثة تحدثت عن موقفهم في معركة بـدر، والـرابعة عن موقفهم في معركة الاحزاب، والفرق هو انهم كانوا في "بدر" في صفوف المشركين لان المشركين يوم ذاك كانوا القوة الراجحة، وفي معركة الاحزاب كانوا مع المسلمين. كانوا يقولون: "اغترَّ هؤلاء المسلمون بدينهم، وقد خطوا هذه الخطوة الخطيرة ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - لقد جاء في تفسير الميزان الصفحة 164 و 302، وكذلك تفسير الفخر الرازي الجزء 15 الصفحة 176: إن المراد من الذين في قلوبهم مرض هو ضعف الايمان وهم غير المنافقين. لكن لا يتناسب ضعف الايمان مع المرض في القلب، إضافة الى أن الآيات الثلاثة عشرة التي جاءت في اوائل سورة البقرة استعملت هذا التعبير في حقهم. كما يبدو بُعد الرأي الذي يفسر المرض بالترديد والشك، لان المرض نوع من الانحراف، بينما الشك نوع من الفقدان. [302] (الجهاد) رغم قلة العدّة والعدد ظناً منهم بالنصر، أو بالشهادة التي مصيرها الموت"! بالطبع، إنهم غير قادرين ـ بسبب المرض للذي في قلوبهم ـ على الادراك الصحيح لعوامل النصر الحقيقة أي الايمان والثبات والفتوة التي هي وليدة الايمان فما كانوا يدركون أن من يتوكّل على الله القادر فهو حسبه وهو ناصره، والشاهد على هذا الحديث هو ما حصل في صدر الاسلام، حيث ان بعض المسلمين رفض الهجرة الى المدينة، والعجيب في الأمر أن قريشاً عندما تحركوا نحو بدر لقتال المسلمين، اصطف هؤلاء المسلمون (المنافقون) في صفوفهم، وكانوا يحدثون أنفسهم أنهم سيلتحقون بجيش محمد اذا كان جيشه ذا عدد كبير، وسيبقون مع جيش قريش اذا ما كان عدد المسلمين قليلا(1). وهل للنفاق مفهوم غير هذا الذي تجسد في هذه المجموعة؟ وإذا لم يكونوا منافقين، فمن هم المنافقون؟ وقد حصل هذا الأمر بالذات في معركة الأحزاب فان شخصيات كثيرة من المنافقين كانت قد حشرت نفسها مع المسلمين، وعندما شاهدوا كثرة الاحزاب قالوا بصراحة: ما وعدنا الرسول إلاّ كذباً وباطلا. وهذا هو حجاب النفاق الذي لا يسمح لهم من إدراك الحقائق، رغم أنهم شاهدوا بأم أعينهم أن النصر ليس بكثرة العدد، بل بالايمان والثبات الناشيء عنه. سؤال: يطرح سؤال هنا وهو: كيف يكون النفاق حجاباً يجب عن الحقائق؟ * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الفخر الرازي الجزء 15 الصفحة 176 ذيل الآية 49 من سورة الانفال. [303] الجواب: يـمكننا الاجابة على هذا السـؤال بالالتفات الى ملاحظة في هذا المجال وهي: إن روح النفاق تستلزم أن يتحرك الانسان مع كل التيارات وأن يكون مع جميع الفرق، وأن يتخذ صبغة الـمحيط الـذي يعيش فيه، فيفقـد فـي النهاية اصالته واستقلاله الفكري، إن طريقة تفكير انسان كهذا تكون متطابقة دائماً مع طريقة تفكير الفريق الذي يكون معهم، فلا عجب أن يكون حكمه غير صحيح. وقد جاء في بعض التفاسير: إن التـعبير بـ "فـي قلوبهم مـرض" يصدق في موارد كهذه الموارد، من حيث ان غاية القلب (العقل) الخاص هو معرفة الله وعبوديته، وكل صفة منعت وحجبت عن غاية القلب هذه، قيل لها مرض (لانها تحجب الهدف وتمنعه من الظهور)(1). ولـهذا جاء في سورة المـنافقين الآية 7: (وَلـكِنَّ الْمُنـافِقِيْنَ لا يَفْقَهُـونَ). كما قد جاء في حديث الامام البـاقر(عليه السلام): "إن القلوب أِبعة: قلب فيه نفاق وايمان وقلب منكوس وقلب مطبوع وقلب أزهر أجرد" فقلت ما الأزهر؟ قال: "فيه كهيئة الشِّراج، فأما المطبوع فقلب المنافق، وأما الأزهر فقلب المؤمن إن أعطاه شكر وان ابتلاه صَبَر، وأما المنكوس فقلب المشرك"(2). وننهي حديثنا هذا بكلام للامام امير المؤمنين(عليه السلام): "النفاق على أربع دعائم على الهوى والهوينا والحفيضة والطمع"(3). ونعلم أن كلا من هذه الامور الأربع تشكل حجاباً سميكاً أمام نظر العقل. * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الفخر الرازي الجزء 2 الصفحة 64 ذيل الآية 10 من سورة البقرة. 2 - اصول الكافي الجزء 2 الصفحة 442 باب "في ظلمة قلب المنافق" حديث 1. 3 - اصول الكافي الجزء 2 الصفحة 393 باب "صفة المنافق والنفاق". [304] 6 ـ حجاب التعصب والعناد 1 ـ ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ اِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَاِنْ يَرَؤا كُلَّ آيَة لا يُؤْمِنُوا بِهـا حَتّى اِذا جائُوكَ يُجدِلُوَكَ يَقُولُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا اِنْ هذا اِلاّ أَساطِيْرُ الأَوَّلِيْنَ) (الانعام / 25) 2 ـ ( وَاِذا قَـرَأْتَ الْقُـرْآنَ جَعَلْنـا بَيْنَـكَ وَبَيْـنَ الَّـذِينَ لا يُـؤْمِنُـؤنَ بِالآخِرَةِ حِجـاباً مَسْتُوراً * وَجَـعَلنـا عَلى قُلُـوبِهِـمْ أَكِـنَّةً اَنْ يَفْقَهُـوهُ وَفِـي آذانِهِمْ وَقْـراً وَاِذا ذَكَـرْتَ رَبَّـكَ فِـي الْقُـرآنِ وَحْـدَهُ وَلَّـوا عَـلَى أَدْبـارِهِـمْ نُـفُورا) (الاسراء / 45 ـ 46) 3 ـ ( فَـاِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَـوْتَى وَلا تُسْـمِـعُ الصُـمَ الـدُّعـاءَ اِذا وَلّـوا مُـدْبِرِيْنَ وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْي عَـنْ ضِلالَتِهِـمْ اِن تُسْـمِعُ اِلاَّ مَـنْ يُؤْمِنُ بِـآياتِـنا فَهُمْ مُسْلِمُونْ) (الروم / 52 ـ 53) 4 ـ ( وَلَقَـدْ ضَـربنـا لِلنّـاسِ فِـي هَـذا القُرآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلً وَلَئِئنْ جِئْتَهُـم بِآية لَيَقُولَنَّ الَّـذِيـنَ كَفَـروا اِنْ أَنْتُـمْ اِلاَّ مُبْطلُونَ * كَذلِكَ يَطْبَعُ الله عَلـى قُلُـوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (الروم / 85 ـ 89) 5 ـ (وَقالوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةِ مِمّا تَدْعُونا اِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بِيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ اِنَّنا عامِلونَ) [305] (فصلت / 5) * * * تجمع الآيات وتفسيرها: الموتى المتحركون: حضر عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ابو سفيان والوليد ابن المغيرة والنضر بن الحارث وابو جهل وافراد آخرون واستمعوا الى حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا للنضر ما يقول محمد؟ (وكان النضر تاجراً يسافر الى ايران وله اطّلاع واسع بالاساطير والقصص التاريخية الايرانية) فقال: لا ادري ما يقول لكني اراه يحرك شفتيه ويتكلم باساطير الاولين كالذي كنت احدثكم به عن اخبار القرون الاولى وقال ابوسفيان اني لا ارى بعض ما يقول حقا. فقال ابوجهل: كلا. فانزل الله تعالى: (ومنهم من يستمع اليك وجعلنا على قلوبهم اكنه ان يفقهوه)(1). وقال بعض المفسر تفسير هذه الآية انهم لما أصروا على الكفر وعاندوا وصمموا عليه فصار عدو لهم عن الايمان والحالة هذه كالكنان المانع عن الايمان(2). ولهذا نزلت هذه الآية وقالت بصراحة: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ اِلَيْكَ ...). وقد قال بعض المفسرين في تفسير هذه الآية: (وَجَعَلْنا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً): إن عناد هؤلاء الكفرة واصرارهم في معاداة الحق، ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الفخر الرازي الجزء 12 الصفحة 186. 2 - تفسير الفخر الرازي الجزء 12 الصفحة 187. [306] يجعل ستاراً على قلوبهم تحول دون ايمانها(1). * * * وقـد تحدثت الآية الثانية عن الحجاب الذي كان يُجعل بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وبين فريق من المنافقين عندما كان يتلو القرآن الكريم. وقد فسـر البعض هذا الحجـاب بسـتار حقيقي كان يجعله الله بين الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبينـهم بحيث لا يرونه، إلاّ انه مع الالتفات الى الآيات التي لحقت هذه الآية من نـفس السـورة، يتضح لنا أن الحجاب لم يكن سوى "حجاب التعصب والعنـاد والغـرور والجهل" الذي كتم حقـائق القرآن عن عقولهم وادراكهم. والشاهد على ذلك هو قوله تعالى: (وَاذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرآنِ وَحْدَهُ وَلَّوا عَلَى أَدْبارِهِمْ نُفُورا) فالمستفاد من هذا التعبير هو أنهم كانوا يصغون في البداية الى حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ثم يولون مدبرين لعدم سماح العناد لهم لادراك القرآن، وادراك حديث التوحيد. ونشاهد في نفس السورة تعابيرات اخرى تحـكي روح العنـاد المنجسمة فيهم، ومع هذا، فهل يمكنهم إدراك حقيقة ما؟ * * * وخـاطبت الآية الثـالثة الرسـول(صلى الله عليه وآله وسلم) قائلة له: إنـك لا تُسمع الموتى ولا الصم عندما يولـون مدبرين، كما أنـك لا تستطيع هدايـة العمى وانقاذه من ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نفس المصدر السابق الصفحة 187. [307] الهلاك، فما يسمع كلامك إلاّ الذين آمنوا بآيات الله وسلموا للحق (أي الذين تتلهف قلوبهم تلهف للـحق، فان قلوباً كهذه كالأرض المعدَّه للزرع، تسطع عليها الشمس، وتقطر السماء عليهـا قطرات الحيـاة، فتنمو فيها البذور بسرعة، وأما القلوب التي عطّلتها حُجب التعصب والجهل فانها محرومة من هذه الحقائق)(1). * * * والآيـة الـرابعة تحدثت عن اولئك الكفار الذين وقفوا أمـام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)عناداً، وخالفوا كل ما جاء به، فكـانوا يرمون الرسـول والقرآن بالباطل تارة، وتارة اخرى يقولون: إن ما جاء به الرسول سحر وأساطير الاولين ولا مجال للحق فيه: فتحدث في هذه عن هؤلاء وقال: (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِيْنَ لا يَعْلَمُونَ). لأنـهم لا يعلمون شيئـاً عن هذا الكتـاب السماوي الذي هو مصدر للحقائق كما ان الآية توضح العلاقة بين "الجهل" و"العناد". * * * وعكست الآية الخامسة النموذح الكامل من العناد، فما قيل الى الآن كان خطاباً بين الله ورسولن، أما هنا فهم يعترفون بأنفسهم بأن على قلوبهم أكنة، وفي آذانهم وقراً، وبينهم وبين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حجاب لا يسمح لهم إدراك ما يقول والتسليم له، فاعمل على شاكلتك ونحن عاملون على شاكلتنا. إن هذه التعابيرات تبين بوضوح مـا هـو العـامل الاساسي لهذه الحجب وما هو السبب الرئيسي للوقر الذي يجعل في الاذن؟ إنهـا عبارات تمطـرُ تعصباً ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - وقد جاء في سورة النمل الآية 11 مضمون يشبه مضمون هذه الآية. [308] وعناداً وتبين سبب شقائهم وتعاستهم. كما ان "التعصب" مشتقة من مادة "عصب" وهـو فـي البدن خلايا تسبب اتصال العضلات احداها بالاخرى أو بالعظام، كما هو وسيلة لنقل الايعاز الى المخ، وبما أن لها بنياناً قوياً ومحكماً استعملت هذه المفردة بمعنى الشدة والاستحكام، ويوم عصيب يعني يوم شـديد وصعب، ولهـذا يطـلق "العصب" على حالة الارتباط الشديد بشيء، كما أن "العُصْبة" تعني جماعة من الرجال (المقتدرين) الذين لا يقلون عن عشرة، وأمّا "عَصَبة" فتعني أقارب الرجل من جهة الأب(1). إن "اللجاجة" هو التمادي في العناد، وملازمة أمر ما وعدم الانصراف عنه، و"اللجّة" تعني حركة أمواج البحر، أو التباس ظلمات الليل، و"البحر اللُجي" هو البحر الواسع والمتلاطم، والتلجلج في الكلام هو التردد فيه، أو اختلاط الاصوات(2). * * * النتيجة: إن التعصب واللجاجة والعناد تلازم أحدها الآخر، لأن الارتباط الشـديد بشيء يدعو الانسان الى الالحاح والعناد والدفاع عنه بلا حدود. بالطبع قـد يستـعمل التعصب بـمعنى الارتباط بالحق، إلاّ ان الاستعمـال الغالب له هو الارتباط بالباطل. إن منشأ الـتعصب واللجاجة والعنـاد ـ بجميع أشـكالها ـ هو الجهل والقصور في الافكار، لأن صاحب التعصب واللجاجة يظن انه اذا تخلى عن عقيدته ورأيه فهذا يعني تخليه عن كلِّ شيء، أو أن هذا إهانة لشخصيته. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - كتاب العين، والمفردات، ومجمع البيان، ولسان العرب. 2 - كتاب العين، ومفردات، ومجمع البحرين، ولسان العرب. [309] وقد يـكون منشأه هو التـكبر والغرور اللذين يمنعانه من الخضوع أمام الحق والتسليم له، وقد يكون منشأه عوامل أخرى. إن التعصب واللجاجة يجعلان ستـاراً على العقل لا يسمح للانسان أن يرى الحقائق، فإنّا نرى أشخاصاً غير مستعدين للتخلي عن عقائدهم بأي شكل كان رغم اقامة الأدلة القطعية على بـطلانها، وإن أشخـاصاً كهؤلاء لو أقمنا لهم ألف دليل ودليل على أن للدجاج رجلان، قالوا: كلا، بل رجل واحدة! وأخذناهم بأيدينا تحت نور الشمس الساطعة وقلنا لهم: إنه نهار. قالوا: لا بل ليل! لقد عكست الآيـات التي ذكرت في بداية البحث هذه الحقيقة بوضوح، واعتبرت هولاء صُمّاً وعمياً وأمواتاً، ومطبوع على قلوبـهم، أو ان قلوبهم فـي ملغقة فلا يفقهون شيئاً. وقد جاء في الروايات الاسلامية مضـامين تستنـد الى نفس المضمون الذي جاء في الآيات المذكورة، وفيها توبيخ اللجوجين والمعاندين. منها قول امير المؤمنين(عليه السلام): "اللجوج لا رأيَ له"(1). ومنها قوله كذلك: "الَلاّزجُ يُفسد الرأي"(2). وكذا قوله: "ليس للجوجِ تدبير"(3). وقال الامام (عليه السلام) نفسه في خطبة القاصعة: "فـالله الله فـي كِبْر الحَمية وفخر الجاهلية فإنّه ملاقح الشنان، ومنافخ الشيطان، التي خـدع بها الامـم الماضية والقرون الخالية حتى أعنقوا في حنادس جهالته ومهاوي ضلالته"(4). ننهي حديثنا بكلام آخر لنفس الامام العظيم، في جواب لـه علـى رسائل ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - غرر الحكم. 2 - غرر الحكم. 3 - غرر الحكم. 4 - نهج البلاغة الخطبة 192. [310] أهالي مـدن مختلفة حول حوادث صغيرة: "مَنْ لَـجّ وتمادى فهو الراكسُ الذي رانَ اللهُ عَلى قلبه وصارت دائرة السوء على رأسه"(1). بالطبع ـ وكما قلنا سابقاً ـ إن الاصرار والالحاح في الحق ليس تعصباً، وإذا أطلقنا عليه تعصباً فهو "تعصب ممدوح"، ولهذا جاء في حديث للامام علي بن الحسين(عليه السلام) عندما سُئِل عن مفهوم التعصب: "العصبية التي يأثم عليهـا صاحبهـا أن يرى الرجلُ شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يُحب الرجلُ قومه ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم"(2). * * * 7 ـ حجاب التقليد الأعمى نصغي خاشعين أولا للآيات التالية: 1 ـ ( قـالُوا سَـواءٌ عَلَيْنـا أَوَعَـظْتَ أَمْ لَمْ تَـكُنْ مِـنَ الْواعِظِيْنَ اِنْ هـذا اِلاَّ خُلُقُ الاْوَّلِـيْنَ " وَمـا نَحْنُ بِمُعَذَّبِيْنَ) (الشعراء / 136 ـ 138) 2 ـ ( وَاِذا قِيـلَ لَهُـمْ تَعـالَوا اِلى مـا أَنْـزَلَ اللهُ وَاِلَـى الـرَّسُولِ قـالُوا حَسْبُنـا ما وَجَـدْنا عَلَيْـهِ آبائَنـا أَوَلَوْ كـانَ آبـائُهُمْ لا يَعْلَمُـونَ شَيْئـاً وَلا يَهْتَـدُونَ) (المائدة / 104) 3 ـ ( وَاِذا فَعَـلُوا فاحِشَةً قـالُوا وَجَـدْنا عَلَيْهـا آبـائَنـا وَاللهُ أَمَـرَنـا بِهـا ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - المصدر السابق الرسالة 85. 2 - بحار الأنوار الجزء 73 الصفحة 288. [311] قُـلْ اِنَّ اللهَ لا يَأْمُـرُ بِالْفَحْشـاءِ أَتَـقُولُـونَ عَلَـى اللهِ مـا لا تَعْـلَمُـونَ) (الأعراف / 28) 4 ـ ( وَاِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُؤا ما أَنْزَلَ الله قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آبائَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطـانُ يَـدْعُوهُمْ اِلى عَذابِ السَّعِيْر) (لقمان / 21) 5 ـ ( وَكَـذلِكَ مـا اَرْسَلْنا مِنْ قَبـلِكَ فِـي قَـرْيَة مِنْ نَـذِيْر اِلاّ قـالَ مُتْرَفُوهـا اِنّا وَجَـدْنا آبـائَنـا عَلـى أُمَّـة وَاِنّـا عَلـى آثـارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (الزخرف / 23) * * * شرح المفردات: رغم انه لم ترد مفردة "التقليد" عيناً في الآيات السابقة بل جاءت مفردة الاقتداء أو الاهتداء أو اتباع ما كان عليه الآباء والاسلاف وامثال هذه المفردات، إلاّ أنه من المستحسن ايضاح مفهوم هذه المفردة جيداً. إن هذه المفردة مشتقة من مادة "قَلْد"، وتعني في الاصل ـ كمـا ورد عن الراغب في المفـردات ـ فتل الحبل، وقيل للقلادة "قلادة" من حيث ان حبالا كانت تُفتل وتعلق في العنق، "والقلائد" جمع قلادة، استعملها القرآن وأراد بها الانعام التي تُعد للاضحية في مناسك الحج، فانها تُقـلَّد لتمييز عن غيرها من الأنعام (الآية الثانية من سورة المائدة)، كما أن اطلاق التقـليد على اتباع الآخرين، من حيث أن المقلِّد يجعل كلام المقلَّد كالقلادة في عنقه، أو من حيث أنه يلقي المسؤولية على عاتق المقلَّد. [312] أمّا "مقاليد" ـ وكما يقول كثير من اللغويين ـ فجمع "مقليد" أو "مِقْلد"، إلاّ أن الزمخشري ادعى في كشافه: عدم وجود مفرد لهذه الكلمة. وأما "مقليد" و "اقليد"، فبمعنى المفتاح، وقـد نقل ابـن منظور في لسـان العرب: إن أصل هذه المفردة هو كلمة "كليد" الفـارسية والتـي تعني مفتـاح كذلك، واستعملت في العـربية بنـفس المعنى، وتستـعمل "مقاليد" بـمعنى الخزائن أيضاً، وذلك من حيث انّها تقفل ولا طريق لها إلاّ بالمفتاح. إذن، لا علاقة بين مفردة "مقاليد" مع مادة "التقليد" و"القلادة"(1). إلاّ أنه يحتمل رجوع كلا المفردتين الى مادة واحدة من حيث ان كثيراً من الناس يجعلون المفاتيح في فتائل ويقلدون بها أعناقهم(2). * * * شرح الآيات وتفسيرها: قومٌ أهلكهم تقليدهم: إن الآيـة الاولـى أشارت الى حـديث قـوم " عاد " مـع رسـولهم العطـوف "هود"، فعندما دعاهم الى التوحيد وترك الظلم والاجحاف والترف أجابوه: (سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَـمْ تَكُنْ مِنَ ... ) وبهـذا كشفـوا عن تحجـرهم وصلابتهم تجاه كـلام النبي المنطقـي، وذلك لعدم سماح حجـاب التقـليد لهم بقبول الواقعيات. * * * وقد كشفت الآية الثانية عن موقاف مشركي العرب عندما كانوا يُـدعون الـى ما أنزل الله، وإلى ترك عبادة الأصنام، وترك البُدَع في تحريم كثير من الامور ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - مفردات الراغب، ومجمع البحرين، ولسان العرب، والبرهان القاطع، وكتب اخرى. 2 - وقد اعتبر البعض "اقليد" مفردة يمنية أو رومية (مجمع البحرين ولسان العرب ـ مادة قلد ـ ). [313] الحلال، وكان جوابهم آنذاك: (حَسْبُنـا ما وَجَدْنـا عَلَيْهِ آبـائَنـا) فيظنون أنّ وهذا يغنيهم عن القرآن هادياً!! إلاّ ان القرآن أراد ايقاظهم من غفلتهم هذه وأراد تمزيق حجاب التقليد عندهم فأجابهم: (أَوَلَوْ كانَ آبائُهُم لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُؤنَ) وهل يجوز تقليد الجاهل الضالّ: ؟! * * * والآية الثالثة أشارت الى مشركي العرب أيضاً (أو فريق من ذوي الصفات الشيطانية) فانـهم اذا ما سُئِلوا عن سبب اتيـانهم الفاحشة والعمـل القبيـح؟ أجابـوا: (وَجَدْنا عَلَيْها آبائَنا) ولا يكتفـون بهـذا بـل قد يضيقـون: (وَاللهُ أَمَـرَنا بِها). فينفي القرآن هذه التهمة الكبيرة ويقول: (اِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشـاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ). يعتقد كثيـر مـن المفسـرين أن المراد مـن "الفحشـاء" في الآيـة الكريمـة هـو طوافهم رجالا ونساءً عراة فـي عصـر الجاهلية، حـيث كانـوا يعتقدون: ان الملابس التي ارتكب بها ذنباً ليست أهلا لأن يُطاف بها حول بيت الله الحرام. وعلى هذا المنوال، كان ينتقل عملهم القبيح هذا من نسل الى نسل بالتقيد الاعمى، وما كان التقليد يسمح لهم لأن يدركوا قبح هذا الفعل. * * * إن رابع وخامس آية أشارتا الى موقف وكلام فريقاً من المشركين في عهد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أو العهود التي سبقت عهده تجاه دعوة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو الانبياء السالفين، خيث كانوا يقولون: (اِنّا وَجَدْنا آبائَنا عَلى أُمَّة وَاِنّا عَلى آثارِهِمْ [314] مُقْتَدُونَ). وهكذا توارثت الأجيال بعد الأجيال الكفر وعبادة الأصنام والآثام والعادات والسنن القبيحة، وقد نسجت روح التقليد حجاباً سميكاً على عقولهم لا يسمح لهم لقبول أي حقيقة، فيقول القرآن عن هؤلاء تارة: (أَوَلَوْ كانَ آبائُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُون). (المائدة / 104) ويقـول تـارة اخـرى: (أَوَلَـوْ كـانَ الشَّيطـانُ يَـدْعُـوهُـمْ اِلـى عَذابِ السَّعِيْر) (لقمان / 21). واخـرى: (قـالَ أَوَلَـوْ جِئْتُـكُمْ بِأَهْـدَى مِمّـا وَجـدتُـم عَلَيْـهِ آبـائُكُمْ). (الزخرف / 24). * * * إيضاحات: 1 ـ أنواع التقليد المختلفة: إن تقـليد الآخـرين، سواء كان تقـليداً لحـي أو ميت، أو تقليداً لشخص أو فريق لا يخرج عن صور أربع: 1 ـ تقليد الجاهل للعالم: أي تقليد الجاهل بشيء لمن له تخصص أو خبرة بفن أو علم، مثل مراجعة المريض للطبيب الخبير بعلم الطب. 2 ـ تقليد العالم للعالم: أي مراجعة أهل العلم أحدهم للآخر واتباع كلٌّ منهم للآخر. [315] 3 ـ تقليد العالم للجاهل: أي يترك الانسان علمه وخبرته، ويتبع الجاهل ويقلده عشوائياً. 4 ـ تقليد الجاهل للجاهل: بأن يتخـذ قـوم جُهّال عادات ومعتقدات لأنفسهم بلا مبرر، ويقوم قوم آخر باتباع اولئك القوم وتقـليدهم فيهـا، وهـذا هو أكبر عامل لانتقال المعتقدات الفاسدة والتقاليد الخاطئة من قوم الى آخر، وهذا النوع من التقليد استهدفته أكثر الآيات التي ذمت التقليد. واضح أن القسم الاول مـن التقليد هـو القسـم المنطقـي الوحيـد، وقد اعتمدت حياة الناس على ذوي الاختصاصات وعلى هذا النوع من التقليد المنطقي، لأن الانسان حتى لو كان نابغة زمانه لا يمكنه التخصص في جميع الاختصاصات والفروع العلمية، خصوصاً، وأن العلم ـ في هذا العصر ـ أصبحت له فروع وتشعبات لا تُعد ولا تُحصى، ومن المحال أن يتخصص انسان في فروع علم أو فن واحد، فضلا عن جميع العلوم والفنون. وعلى هذا، فكل انسان يمكنه أن يكون مجتهداً فـي فرع من فـروع العـلوم، أما في الفروع الاخرى التي لم يجتهد فيها، فلا طريق له إلاّ الرجوع الى المتخصصين فيها. إن المعمار يـراجع الطبيب اذا مـرض، والطيب يـراجع المعمار اذا أراد بناء عمـارة، أي أنّ كلا منهما "مجتهد" في تخصصه و"مقلِّد" في التخصص الآخر، وهذا (رجوع الجاهل الى العالم وغيـر المجتهد الـى المجتهـد وغيـر المتخصص الى المتخصص) أصل عقلائي كان ولا يزال متعـارفاً ودارجاً بين النـاس، بـل إن آيـات الحياة تسير علـى عتلات هذا النـوع من التقليد، بالطبع إن هناك شروطاً ينبغي توفرها في المجتهد الذي يُرجع إليه، سنتعرض لها بعد ذلك. وهذا التقليد هو الذي أشار إليه الله في القرآن الكريم وعنونه بـ (الأُسوة الحَسَنَةَ). [316] (الاحزاب / 21). كما جاء في سـورة الانعام الآية 90: (أولـئِكَ الَّـذِيْنَ هَـدَى اللهُ فَبِهُـداهُمُ اقْتَدِه). ورغم أنّ الخطاب موجه للرسـول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لـكن لا يبعـد ان يكون المراد الاُمة أجمع. أما الاقسام الثلاثة الباقية من التقليد فكلها باطلة ولا أساس مـنطقي لهـا، فتقليد (العالم للجاهل) و(الجاهل للجاهل) حالهما واضح، وأما تقليد (العالم للعالم) فاهن كان من باب مراجعة أحدهما الآخر للتشاور وتكميل المعلومات، فلا يُعدُّ هذا تقليداً بل هو نوع من "التحقيق". إن التقليد هو غض الطـرف عن التخصص الذي يـمتلكه الانسـان واتباع شخص آخر اتباعاً عشوائياً، فالمسلّم أن التقليد لـشخص قادر على التحقيق أمر مذموم ونادر، ولهذا ورد (حرمة التقليد للمجتهد) في الفقه الاسلامي. ويتضـح ممـا قلنا فلسفـة تقـليد غيـر الفقهـاء في المسائل الفقهيـة للمجتهدين، ومثل هذا دراج في جميع الفروع العلمية، وبما أن الفقه الاسلامي واسع الى درجة حيث لا يمـكن للنـاس جميعاً أن يجتهـدوا، فجميـع أبوابه والتحقيق فيها تعيّن على فريق منهم الاجتهاد بالفقـه، وعلـى الناس اتباعهم، إلاّ أن الأمر يختلف عنه في اصول الدين، فيتعين التحقيق والاجتهاد فيها على كل مسلم، وذلك لامكانيتهما، فلا يجوز التقليد فيها. * * * 2 ـ شروط التقليد الممدوح: [317] عادة ما يقال في تعريف "التقليد" انه عبارة عن قبول كلام الآخرين بلا دليل وتارة يوسعون المفهوم ويعتبرون الاتباع العملي تقليداً من دون الالتزام بحديث أو كلام للآخرين، وتارة يعدون التأثرات اللا إرادية (التي تتركها أعمال وسلوك وصفات الآخرين عند الانسان) قسماً من التقليد. بالطبع إن القسم الاخير من التقليد (الذي يتحقق بشكل غير ارادي) خارج عن موضع بحثنا، أما القسم الثاني والثالث، فيمكن ان يكونا ممدوحين اذا ما توفر شرطان في "المقلَّد" ـ أو مرجع التقليد ـ وهما: الخبرة والصدق، أي كونه من أهل العلم أولا، وينقل ما يوحي إليه علمه بصدق ثانياً. واذا ما انتفى هذان الشرطان دخل التقليد فثي القسم المذموم. ومن جهة اخرى، ينبغي ان يكون موضوع التقليد من مواضيع الاختصاصات كي يباح التقليد فيه، أما اذا كان من المسائل العامة التي يتمكن للناس كافة في الخوض والتحقيق فيها (مثل اصول الاعتقادات وبعض المسائل الالخلاقة والاجتماعية غير ذات الجانب الاختصاصي) فانه يتعين على كل انسان التحقيق فيها والوصول إليها بنفسه. ومن جهة ثالثة، فان المقلِّد ينبغي أن لا يكون قادراً على الاستنباط، فاذا ما قدر على ذلك في مسألة ما، مُنع من التقليد فيها. ومن هنا تتضح حدود التقليد الممدوح والتقليد المذموم من الجهات الثلاث (أي شروط المرجع وشروط المقلِّد) وشروط الموضوع المقلِّد فيه). ننهي كلامنا هذا بحديث عن الامام الصادق(عليه السلام): قال رجل للصادق(عليه السلام): اذا كان هؤلاء العوام من اليهود لا يعرفون الكتاب الأ بما يسمعونه من علمائهم فكيف ذمّهم بتقليدهم والقبول من علمائهم؟ وهل عوام اليهود إلاّ كعوامنا يقلّدون علماءهم. فقال(عليه السلام): بين عوامنا وعوام اليهود فرق من جهه وتسوية من جهة امّا من حيث الاستواء فان الله ذم عوامنا بتقليدهم علماءهم [318] كما ذمّم عوامهم، وامّا من حيث افترقوا فان عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح واكل الحرام والرشا وتغيير الاحكام واضطرّوا بقلوبهم الى أن من فعل ذلك فهو فاسق لا يجوز ان يصدّق على الله ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله فلذلك ذمهم. وكذلك عوامنا اذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر والعصبية الشديدة والتكالب على الدنيا وحرمها فمن قلّد مثل هؤلاء فهو مثل اليهود الذي ذمّهم الله بالتقليد لفسقة علمائهم فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعاً لامر مولاه فللعوام أن يقلّدوه(1). * * * 3 ـ عوامل التقليد الأعمى: التقـليد الأعمى أو بتعبيـر آخـر: (تقليد الجاهل للجاهل) والأسـوء منـه (تقليد العالم للجاهل)، دليل على الارتبـاط الفكري، ولـه عوامل عـديدة، نتعرض لبعضها بالاجمال هنا: 1 ـ عدم النضج الفكري: إن أشـخاصاً قـد ينضجون ويبـلغون جسميـاً، إلاّ أن فكرهم لا يستقل ولا يبلغ الى آخر العمر، ولهذا يضلون من أتباع هذا وذاك، ولا يفكرون يوماً في مسألة ما ولا يحللونها باستقلال. إن أنظار هؤلاء تترصد الآخرين دائماً، فيرددون ما يتفوه به الاخرون، وكأنهم خُلِقوا بلا إرادة، ولهذا قد يغيروا اتجاههم بالكامل اذا ما تغيرت بيئتهم أو تغير محيطهم. إن طريق مكافحة هذا النوع من التقليد الأعمى هو رفع المستوى الثقافي للمجتمع والسعي لازدهغر الأفكار والقابليات. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الوسائل الجزء 18 الصفحة 94. [319] 2 ـ التأثر بشخصية: وهي أَنْ يتأثَرَ الانسان بشخصية ما ويجعلها أسـوة له بحيث لا يرى نفسه أهلا لإبداء الرأي أمام صاحبها، فيتبعه بكل معنى الكلمة ويسير خلفه وإن لم تكن تلك الشخصية أهلا للاتباع والتقليد. 3 ـ التعـلق الشـديد بالأسلاف: والتعـلق هذا قـد يصنع منهم أناساً مقدسين وإن لم يكونوا .هلا لذلك، فتتبعهم الأجيال اللاحقة عشوائياً. ومع ان الأجيال اللاحقة التي ترث علوم السالفين وتضيف اليها علوماً اخرى تكون اكثر وعياً بطبيعة الحال، لكنها مع ذلك تبتلي بالتقليد الشعوائي. 4 ـ التحزّب أو التعصّب الطائفي: إن تعصباً كهـذا يدفع بفـريق من النـاس لاتباع حزب أو طائفة والسير خلفهما والتمسّك بترديد ما يتبناه ذلك الحزب او تلك الطائفة، بحيث لا يسمح الانسان لنفسه التفكير باستقلال والعمل خارج اطار الحزب أو الطائفة. إن هذه العوامل الأربعة وعوامل اخرى سببٌ لانتقال كثيـر مـن الخرافات والأوهام والعقـائد الباطلة والتقـليد والعـادات الخاطئة والسنن الجاهلية والأعمال القبيحة من قوم الى قوم آخرين ومن نسلى الى نسل آخر. وبتعبير آخر، فان الميول الخاطئة تجعل حجاباً على فكر الانسان تحول دون معرفته للحق. * * * 8 ـ حجاب حب الرفاه في البداء نصغي خاشعين الى الآيات التالية: [320] 1 ـ ( وَاِذا أُنْـزِلَتْ سُـورَةٌ أَنْ آمِنُـوا بِـاللهَ وَجـاهدُوا مَـعَ رَسُـولِـهِ اسْتَـأْذَنَـكَ أولُوا الطَّـوْلِ مِنْهُـمْ وَقـالُوا ذَرْنـا نَـكُنْ مَـعَ الْقـاعِـدِينَ * رَضُـوا بِـاَنْ يُـكُونُـوا مَـعَ الْخَـوالِفِ وَطُبـعَ عَلـى قُلُـوبِهِـمْ فَهُـمْ لا يَفْقَهُـونَ) (التوبة / 86 ـ 87) 2 ـ (إِنَّمـا السَّبِيـلُ عَلَـى الَّـذِيْنَ يَسْتَـأذِنُـونَـكَ وَهُـمْ أَغْنِيـاءُ رَضُـوا بِـاَنْ يَكُونُوا مَـعَ الْخَوالِـفِ وَطَبَـعَ اللهُ عَلـى قُلُوبِهِـمْ فَهُـمْ لا يَعْلَمُـونَ) (التوبة / 93) * * * جمع الآيات وتفسيرها: اعفنا من الجهاد: أشارت الآية الاولى الى اولئك الذين لم يستعدوا لتنفيذ الأوامر الالهية في مجال الجهاد، فبالرغم من اقتدارهم الجسمي والمالي للحضور في سوح القتال لكنهم انضموا إلى صفوف القاعدين وغير القادرين على الجهاد، وقد ألحوا على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يذرهم ويجعلهم مع القاعدين والخوالف. و"القاعدين" جمع "قاعد" وهم المعذورون عن الجهاد. و"الخوالـف" جمـع "خالفـه" ومن مـادة (خَلْف) ومعنـاها يقـابل الإمام، ولهذا يقال "خالفة" للنساء اللاتي تبقى ماكثة في البيت عنـد خروج رجالـهن، ولا يبعد أن يكون مفهوم هذه المفردة أعم من النسا، بحيث يشمل جميع العاجزين [321] عن الجهاد والمعذورين عن الالتحاق بساحات القتال من النساء والأطفال والشيوخ والمرضي. يقول الراغب في مفرداته: إن "خـالفة" عمـود يجعل فـي نهاية الخيمـة وتطـلق ـ كناية ـ على النسـاء الماكثات في البيت، ويقول البعض: إن "خالف" من تخلّف كثيراً(1). وتستعمل هذه المفردة ـ أحياناً ـ بمعنى "كرية الرائحة" من باب أن الـرائحة الكـريهة تستخلف الرائحة الجيدة اذا ما ذهبت. وقال البعض: إنـها بمعنـى الانحطـاط والميـل الى الامـور الدنيئة لانَّ هذا المَيْل يدلّ على التخلف(2)، إلاّ أن المعنى الأول أنسب من بقيّة المعاني. وعلى أي حال، فان محبي الرفاه وطلبة العافية غير مستعدين للايثار والتضحية عند الازمات والكوارث الاجتماعية، وهم مستعدون لأن يُجعلوا في صفوف الأطفال والمرضى دون أن يلتحقوا بصفوف المجاهدين، ويقول القرآن فيهـم، في نهايـة الآيـة نفسهـا: (وَطُبـعَ عَلـى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ). نعـم، إن حب الراحـة والرفاه كالحجاب الذي يمنع من الرؤية الفكرية الصحيحة، فهؤلاء لا يدركون أن السعادة ليست بالأكل والشرب، بل قد تكون في الحضور في ميادين الجهاد، وفي التخضب بالدماء، وبلقاء الله، إلاّ ان الـذي لا يفهم هذه الامور يستهزأ بها. * * * وتشير الآية الثانية الى المعذورين عن الجهاد مثـل الضعفـاء والمرضى ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - المنار الجزء 10 الصفحة 572. 2 - تفسير الفخر الرازي الجزء 16 الصفحة 163. [322] والذين لا يملكون الوسيلة للقيام بهذا الأمر، بينمـا تشـتاق اليه قلوبهم، وتـصب دموعهـم لعـدم اقتدارهم على الانفـاق، يقـول الله فيهـم: (إِنَّمـا السَّبِيـلُ عَلَـى الَّـذِيْنَ يَسْتَـأذِنُونَـكَ وَهُـمْ أَغْنِيـاءُ رَضُـوا بِـاَنْ يَكُونُـوا مَـعَ الْخَـوالِفِ). ثـم يضيـف: (وَطَبَـعَ اللهُ عَلـى قُلُوبِهِـمْ فَهُـمْ لا يَعْلَمُـونَ) وذلك لأن الـميل الى الراحة جَعَلَ حجاباً سميكاً على قلوبهم فلا يكادون يفقهون شيئاً، إن كلتا الآيتين توضح حقيقة واحدة وهي العلاقة بين "التخلف عن الجهاد لأجل الراحة والصحة" و"عدم إدراك الحقائق". * * * 9 ـ حجاب الأمانيّ 1 ـ (يُنـادُونَـهُمْ أَلَـمْ نَكُنْ مَعَكُـمْ قـالُوا بَلـى وَلكِنَّكُـمْ فَتَنْتُـمْ أَنْفُسَكُـمْ وَتَرَبَّصْتُـمْ وَارْتَبْتُـمْ وَغَرَّتْكُـمُ الأَمـانِيُّ حَتّـى جـاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَـرَّكُـمْ بـِاللهِ الْغَرُورُ) (الحديد / 14) * * * جمع الآيات وتفسيرها: الآمال الطويلة: إن " الأماني " جمع " أمنية " وتطـلق علـى الحالة النفسية التي تعرض [323] للانسان من جراء تمنيـه لشيء ما(1)، والجدير بالذكر ان الاماني المعقولة والمنطقيـة ليست نقصـاً، بل هي عامـل لتقدم البشر وبناء مستقبل أفضل لهُ من الحاضر، انـما النقص في الآمـال البعيـدة وغير المنطقيـة، ولهذا يفسرون الاماني في موارد كهذه بالمعنـى الثـاني، حيث تجعـلُ الانسان في غفلة وتسدل حجاباً من الظلمة على قلبه. ويقـول ابن الاثير: إن التمني يعني تشهّي حصـول الامر وكـذلك يطـلق علـى ما يخطر علـى النفس بالنسبة للمستقبل، كما ان "مُنْية" و"الاُمْنيّة" وردتا بمعنى واحد(2). إلاّ ان بعضاً فسّـر "الامنية" بالكذب، ذلك لان الكذب يُقدّر أمراً في قلبه ثم يحدّث به(3). يقول الـراغب: لما كان الكذب تصوّر ما لا حقيقة له صار التمني كالمبدأ للكذب فصحّ ان يُعبّر عن الكذب بالتمنّى. وادعـى البعض: ان معنـى هـذه المفردة في الاصل هو التقدير والفرض والتصوير(4)، وقد قيـل للاماني أماني لأن الانسان يقدرها ويصورها في ذهنه. وعلى أي حال، فان المؤمنين عنـدما يجتـازون المحشر نحـو الجنة بسرعة في ظل الايمان يصرخ المنافقون والمنافقات: انظرونا نقتبس من نوركم. فيجيبهـم المؤمنـون : ( ارجعوا ورائكم ( الدنيا ) فَـالْـتَمِسُـوا نُـوراً فَضُـرِبَ بَينَهُـم بِسُـور لَـهُ بـابٌ بـاطِنُهُ فيـهِ الْـرَحْمَـة وَظـاهِـرُهُ مِـنْ قـِبَلِهِ الْعَـذاب). (الحديد / 13). وعنـدها يصـرح المنـافقون: (أَلَـمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) فـي الدنيـا في مجتمـع واحد وقد كنا في بعض الطريق معكم؟ فما الذي حصل حيث انفصلتم عنا واتجهتم ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - مفردات الراغب، وينبغي الالتفات الى أن الأماني جمع أمنية، أما مُنى فجمع منية. 2 - لسان العرب. 3 - المنجد مادة مني. 4 - المنجد مادة مني. [324] نحو رحمة الله وتركتمونا في العذاب؟ فيجيبهـم المؤمنـون "بلى" كنا معكم في مجتمـع واحـد، في الزقـاق وفي السوق، وفي السفر والحضر، وكنا جاراً لكم، بل عشنا في بيت واحد، ولكنكم أخطتم خمسة أخطاء فاحشة، الأوّل أنكم سلكتم طريق الكفر والنفاق ففتنتم أنفسكم (وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُم اَنْفُسَكُم). وثانياً، أنكم (تربصتم) وترصدتم فشل المسلمين، وموت الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتحججتم في كل عمل خير. وثالثاً (وَارْتَبْتُم) وترددتم خاصة في مسألة المعاد، وحقانية الاسلام. ورابعاً (وَغَرَّتْكُمُ الأَمانِيُّ) التي نسجت حجاباً ضخماً على عقولكم وأفكاركم (حَتّى جاءَ أَمرُ الله). وخامساً (وَغَرّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ) أي غركم الشيـطان بعفـو الله ووعدكم بألاّ يَنالَكُمْ عذابه. نعم، إن هذه العوامل معاً أوجدت المنظر الذي صوره القرآن لنا، وهي التي سببت خلق سور عازل بين المؤمنين والمنافقين. إن شـاهد حديثنـا هو الجملة الرابعة، حيث جـاء فيهـا (وَغَرَّتْكُمُ الأَمانِيُّ)، فان الأماني قد تصل الى درجـة بحيث تشغـل فكر الانسـان بالكامـل، فيغفل عن كلّ شيء، ويظل فـي عالـم الوهـم والظن، فتعمـى عينا، ويثقـل سمعـه، ويفقـد وعيـه ( إذا كان واعيـاً )، ويضـل فـي الظلمات التـي وضعها بنفسـه تائهاً. إن سعة الأماني قد تصل الى درجة يرسم صاحبها خططاً لنفسه لا يمكن تطبيقها حتى لو كان نوحاً في العمر، وقد يقوم بمقدمات امنيةً، الكلُّ يعلم بعدم امكانها حتى لو كان قد بدأ بها منذ قرون، وهذا هو حجاب الاماني الذي يحول دون المعرفة. [325] وقد نقل بعض المفسرين خمسة أقوال في تفسير الأماني إضافة الى الآمال البعيدة، والأقوال هي: ( تمني فشل المؤمنين وضعتهم، وإغواء الشيطان، والدنيا، وتوقع استغفار الرسول للمنافقين، وتذكّر الحسنات ونسيـان السيئات )(1)، وقـد فسرها البعض بـ "الأباطيل". * * * إيضاحات: حجاب الأماني في الروايات الاسلامية: إنّ مسألة (الآمال الطويلة والأوهام البعيدة عن الواقع، وانها تجعل حجـاباً على عقل الانسان وشعوره) لم يشر اليها في القرآن الكريـم فحسب، بل لها شواهد كثيرة في الروايات الاسلامية والتواريخ ايـضاً، ففـي حديث مشهور للامام علي(عليه السلام)يقول فيـه: "إن أخوف ما أخـاف عليـكم إثنان، إتّباع الهوى وطول الأمل، فأمّا اتباع الهوى فيصدُّ عن الحق وأما طول الأمل فيُنسي الآخرة"(2). ويقول في كلماته القصار: "الأماني تُعمي أعين البصائر"(3). ونقـرأ في حديث آخر لنفس الامام(عليه السلام): "جماع الشرفي الاغترار بالمُهل والاتكال على الأمل"(4). كما نقل عن نفس الامام في هذا المجال أنه قال: "غرورُ الأملِ يفسدُ العلم"(5). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير القرطبي الجزء 6 الصفحة 6417. 2 - نهج البلاغة الخطبة 42. 3 - الكلمات القصار، الجملة 275. 4 - غرر الحكم (حرف ج رقم 55). 5 - غرر الحكم. [326] والخلاصة ان من يـريد الاطلاع على جمال الحقيقة كما هي ويصـل الى ينبوع المعرفة الصافي، ينبغي له أن لا يغطي عقله بحجاب الأماني السميك، وأن لا يضل في متاهات طريقها. ونختم هذا البحث بحديث آخر للامام امير المؤمنين(عليه السلام) حيث يقول فيه: "واعلموا أن الأمل يُسهي العقل ويُنسي الذكرَ فأكذبوا الأمل فإنّه غرورٌ وصاحبه مغرور"(1). * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نهج البلاغة الخطبة 86. [327] القسم الثاني: الاعمال التي تحجب عن المعرفة [328] [329] القسم الثاني الأعمال التي تحجب عن المعرفة 10 ـ حجب الذنوب نصغي خاشعين معاً للآيات التالية: 1 ـ ( اَلَّـذِينَ يُكَـذِّبُـونَ بِيَـوم الدِّيْن * وَما يُكَـذِّبُ بِـه اِلاّ كُلُّ مُعْتَـد أَثِيْـم * اِذا تُتْـلى عَلَيْـهِ آيـاتُنـا قـالَ أَسـاطِيرُ الأَوَّلِينَ * كَـلاّ بَلْ رانَ عَلَـى قُلُـوبِهِـمْ ما كانُـوا يَكْسِبُونَ) (المطففين / 11 ـ 14) 2 ـ ( فَهَلْ عَسَيْتُـمْ إنْ تَوَلَّيْتُـمْ أَنْ تُفْسِـدُوا فِـي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُـوا أَرْحـامَـكُمْ * أوْلـئِكَ الَّـذِيْـنَ لَعَنَهُـم اللهُ فـَأَصَمَّهُـمْ وَأَعْمـى أَبْصـارَهُـمْ) (محمد / 22 ـ 23) 3 ـ ( أَوَ لَـمْ يَهْدِ لِلَّـذِيْنَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشـاءُ أَصَبْنـاهُمْ بِذُنُوبِهِم وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُم لا يَسْمَعُـونَ) (الاعراف / 100) 4 ـ (ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِيْنَ أَساؤُوا السُّوأى أَنْ كَذَّبُؤا بِآيـاتِنـا) [330] (الروم / 10) * * * جمع الآيات وتفسيرها: الذنب يُعمي الانسان ويصمه: أشارت الآيـة الاولى الى اولئك الذين أنـكروا القيامـة بالكـامل، وأضافت: ان القيـامة لا ينـكرها إلاّ المعتـدون والآثمون، فـانهم لا يخضعون أمام الـحق ولا يسلمـون إليه أنفسهم أبداً، ولهذا إذا تُليت عليهم آيات الله قالوا: أساطير الأولين. وَيصرح القرآن: ان الأمر ليس كما يتوهم هؤلاء، وقولهم هذا سببه الصدأ الذي أحاط قلوبهم وحال دون أن يعقلوا شيئاً. لقد استخـدمت مفـردة " رَيْن " في هذه الآيـة الكريمة، وقـد قلنا سـابقاً: ان لها معاني ثلاثة ( على ما يدعيه أئمة اللغة ) الاول: الصدأ الذي يعـلو الأشياء القيّمة، الثاني: الصدأ الذي يعـلو الفلزات وهو علامة تَأكل وفساد ذلك الفلز، الثالث: كل شيء غـلب علـى شيء آخر، ولهذا تستعمل هذه المفردة في مجال غلبة الشراب المسكر على العقل وغلبة الموت على الأحياء، وغـلبة النوم على العيون(1). والطبع يمكن جمع هذه المعاني الثالث في مفهوم واحد وهو الصدأ الذي يستحوذ على الأشياء ويعلوها، ثم اطلقت هذه المفردة على غلبة كل شيء على شيء آخر. ونستشف من هذه الآية أن الاثم يعكر صفاء القلب بحيث يمنع انعكاس ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الفخر الرازي الجزء 31 الصفحة 94، وروح المعاني الجزء 3 الصفحة 72. [331] الحقائق في هذه المرآة الالهية، وإلاّ فان آيات الله خصوصاً في مسألة المبدأ والمعاد واضحة ولا تقبل للانكار. ولهذا فقـد قال بعض المفسرين : يظهر مـن هذه الآية أولا : ان الأعمـال القبيحة تُوجِد نقوشاً وصوراً في نفس الانسان، وثانياً: ان هذه الصور والنقوش تحول دون إدراك الحق. وثالثاً : إن روح الانسان ـ وحسب طبيعتها الأولية ـ صافية وشفافة، وتدرك الحقائق كما هي، وتميز بين الحق والباطل وبين التقوى والفجور، كما جاء ذلك في الآيات (7 و 8) من سورة الشمس (وَنَفْس وَما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها)(1). وقد حلل المفسرون آخرون المسألة بشكل ملخص آخر. عندما يكرر الانسـان عملا مـا فان ملكة نفسانية لـذلك الـعمل ستحصل عنده تدريجياً، كالقراءة والكتابة، ففي البداية يشق عليه الأمر، وبعد الـممارسة يتمكن منهما بدرجة لا يحتاج فيهما الى فكر ودراسة. وكذلك الأمر بالنسبة للذنوب، فبالاصرار عليها وارتكابها مرات عديدة تحصل هذه الملكةُ عند الانسان، ونعلم أنه لا حـقيقة للذنب غـير إشغال القلب بغير الله، والتوجه لغير الله ظلمة، وعندما تتراكم الظلمات على القلب تسـلبه صفائه وشفافيته، وإن لهذه الظلمات درجات ومراحل، المرحلة الاولى هي مرحلة "الرَيْن" أو الصدأ، والمرحلة الثانية هي مرحلة "الطبع" والمرحلة الثالثة هي مرحلة "الأقفال" وهي أشد المراحل. * * * والآية الثانية ناظرة الى المنافقين الذين يَدّعون الايمان، فاذا مـا نزلت آيـة فـي الجهاد تمارضوا وتذرّعوا بذريعة من هو على وشك الموت، فيخاطبهم ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الميزان الجزء 20 الصفحة 349. [332] القـرآن قائلا، إن استمـراركم في مخالفتكم هذه وإعراضـكم عن العمل بكتاب الله، سيؤدي بكم الى أن تفسدوا في الارض، وأن تقطعوا أرحامكم، ولا يأمن شركم حتى أرحامـكم، ثم يضيف: (أولئِكَ الَّذينَ لَعنهُم الله ( بذنوبهم ) فأصمّهم وأعمى أبصارهم) فما كادوا يسمعون الحق ولا يرونه. وقد كشفت هذه الآيات عن ان النفاق حجاب للقب والروح من جهة، ومن جهة اخرى عن علاقة الذنوب خصوصاً (الفساد في الارض) و(قطع الرحم) و(الظلم والجور) بادراك الانسان وتمييزه بين الحق والباطل. فسّـر البـعض عبارة "إن توليتم" بالاعراض، وفسرها بعض آخر بالولاية والحكومة، أي أنَّ مقاليد الامور إذا أصبـحت بأيديكم فستفسدون وتريقون الدماء وتقطعون الارحام(1)، ولهذا جاء عن أميرالمؤمنين(عليه السلام): ان الآية نزلت في بني امية(2)، وهذا تلميح الى أنهم عند استلام زمام الامـور والحكومة الاسلامية سـوف لا يـرحمون صغيراً ولا كبيراً، ولم يسلم من ظلمهم أحد حتى أقاربهم وذووهم. وسواء كان معنى " التولي " هنا هو الاعراض عن الجهاد أو استلام مقاليد الامور في الحكومة والفساد في الأرض، فان ذلك لا يضر ببحثنا، لأن الآية على أي حال تبين ان الذنوب حجاب للقلوب. * * * وقد أشارت الآية الثالثة الى اولئك الذين ورثوا الاسلاف من دون أن يعتبروا بمصيرهم الذي ابتلوا به، فخاطبتهم: (لو نَشاءُ أَصَبْناهُم بِذُنوبهم وتطبعُ على قُلُوبِهِمْ فَهُم لا يَسْمَعُونْ). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - ورد كلا التفسيرين في تفسير روح المعاني ومجمع البيان والميزان في ذيل الآيات المذكورة في البحث. 2 - تفسير نور الثقلين الجزء 5 الصفحة 40 الجزء 59. [333] عطف العقاب على الذنوب مع الطبع على القلوب والآذان، تلميح الى العلاقة بين هذين الاثنين. ويقول البعض: إن الله إذا شاء عذّبهم بأحد العذابين: إِمّا إهلاكهم بسبب ذنوبهم، وإمّا إبقاءهم أحياء مع سلب قدرة تمييز الحق عن الباطل منهم، وهذا عذاب أتعس من عذاب الهلاك الالهي. إلاّ أنه بالالتفات الى مجيء "أصبناهم" بصيغة الماضي و"نطبع على قلوبهم" بصيغة المضارع، نفهم أن الجملة الثانية مستقلة وليست عطفاً على ما قبلها، فيكون معنى الآية هكذا: (سواء عجلنا بعذابهم أم لم نعجل فَنحن نطبع على قلوب هؤلاء ونلقي حُجباً عليها)(1). * * * أشـارت رابع وآخر آية الى عاقبة الذين يرتكبون الأعمال السيئة فقالت: (ثُمَّ كـانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ أسـاؤا السـوآى أنْ كَـذَّبُوا بآياتِنـا) لِمَ لا يـكون مصيـرهم هذا والذنب كالمرض الذي ينقض على ورح الانسان فيتآكل الايمان من جرائه؟ ولِمَ لا يكون هكذا وهو كالحجاب الذي يغطي القلب ويعميه؟ والأسوأ أنّه لا يكفر فحسب، بل يفتخر بكفره، وقد شهد التاريخ الكثير من هؤلاء. وخلاصة الحديث، إن القرآن يعدُّ الذنوب والمعاصي من موانع المعرفة، وهذه حقيقة ملموسة ومجربة عند كثير من الناس، فبمجرد صدور ذنب أو معصية منهم يشعرون بظلمات خاصة في قلوبهم، وإذا ما مالوا الى الطهارة والتقوى يشعرون بأنوار ترتاح لها قلوبهم. * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - جاء هذا كاحتمال في تفسير الفخر الرازي، في ذيل نفس الآية، إلاّ ان صاحب تفسير الميزان عَدَّ الجملة الثانية معطوفة على "أصبناهم" التي تفيد الاستقبال، لكن الظاهر أن التفسير الاول أنسب. [334] إيضاحات: إن الذنب حجاب في الروايات الاسلامية: لقـد انعـكست هذه الحقيقة في الروايـات الاسلاميـة بشـكل واسع نـذكر هنا نماذج منها: 1 ـ جاء في حديث للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول فيه: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فاذا هو نزع واستغفر الله وتاب صَقُل قلبه فان عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه، وهو الرّان (الرين) الذي ذكر الله في كتابه (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)(1). 2 ـ ونقرأ في حديث الامام الصادق(عليه السلام): أنه قال فيه: "كـان أبي يقـول مـا مـن شـيء أفسـدُ للقـلب مـن خطيئـة انّ القلب لَيُواقع الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله"(2). بـديهي ان المراد من ( أعلاه أسفله ) تغير قـدرة الانسـان علـى التمييـز ـ بسبب الانس بالذنوب ـ حيث يرى الحسن قبحاً والقبح حسناً، وهي أخطر مرحلة. 3 ـ وقد جاء في حديث آخر للامام الصادق(عليه السلام) أيضاً يقول فيه: "إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء فان تاب انمحت، وإن زاد زادت حتى تغلب على قلبه فلا يُفلحُ بعدها أبداً"(3). واضح، ان الشرط الاول للفلاح هو إدراك الحقائق، فالذي تعطّل قلبه (عقله) عن العمل كيف يمكنه الوصول الى السعادة والفلاح؟! وقد جاء نفس المضمون في رواية اخرى عن الامام الباقر(عليه السلام) في تفسير الآية ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير القرطبي الجزء 10 الصفحة 7050، روح المعاني الجزء 3 الصفحة 73، وتفسير الفخر الرازي الجزء 31 الصفحة 94. 2 - اصول الكافي الجزء 2 باب الذنوب الحديث 13. 3 - اصول الكافي الجزء 2 باب الذنوب الحديث 13. [335] (كَلاّ بَلْ رانْ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُؤا يَكْسِبُونَ)، وتم التعبير فيه بالنقطة السوداء والنقطة البيضاء حيث تتغلب السوداء نتيجة تراكم الذنوب على البيضاء النورانية وتغطيها(1). 4 ـ وفي حديث آخر للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول فيه: (كَثْرَةُ الذُنُوبِ مُفْسِدةٌ لِلْقَلْبِ)(2). 5 ـ وقد نقل في كتاب الخصال حديث عن الرسول جاء فيه: "أربع خصال يُمتن القلب: الذنب على الذنب ..."(3). ولهذا، فإنّا أُمرنا ـ لمحو آثار الذنوب ـ قراءة ودراسة أحاديث الائمّة إضافة الى التوبة، كما نقل ذلك في نور الثقلين عن الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): "تذاكروا وتلاقوا وتحدثوا فان الحديث جلاء للقلوب وَإن القلوب لترين كما يرين السيف، وجلاءه الحديث"(4). 6 ـ وقـد أشار أمير المؤمنين(عليه السلام) لهذه الحقيقة في خطبة له محاطباً بها بعض عمي القلوب: " قد خـرقتِ الشهـوات عقله وأماتت الدنيا قلبه وولهت عليها نفسه فهو عبد لها"(5). 7 ـ وقد نقل الامام الصادق(عليه السلام) عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "إذا ظهر العلم واحترز العمل وائتلفت الألسن واختلفت القلوب وتقاطعت الأرحام هنا لك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم"(6). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نفس المصدر الحديث 20، وقد نقل نفس المضمون في مجمع البحرين في مادة "ارين" أيضاً. 2 - الدر المنثور الجزء 6 الصفحة 326. 3 - الخصال الجزء 1 الصفحة 252 الحديث 65، وقد جاء مضمون يشبه هذا في الدر المنثور الجزء 6 الصفحة 326. 4 - نور الثقلين الجزء 5 الصفحة 531 الحديث 23. 5 - نهج البلاغة الخطبة 103. 6 - نور الثقلين الجزء 5 الصفحة 41 الحديث 63. [336] 8 ـ وقد صُـرّح بهذا الأمر بالنسبة لبعض الذنوب كما جاء ذلك في حديث لأمير المؤمنين(عليه السلام) مخاطباً به اولئك الذين تركوا الجهاد: "ألبسه الله ثوبَ الذل ... وضُرب على قلبه بالأسهاب وأُديل الحق منه بتضييع الجهاد"(1). * * * 11 ـ حجاب الكفر والأعراض في البداية نصغي خاشعين الى الآيات التالية: 1 ـ ( تِلْكَ الْقُـرَى نَقُصُّ عَلَيْـكَ مِنْ أَنْبـائِهـا وَلَقَدْ جـائَتْهُـمْ رُسُلُهُـمْ بِالْبَيِّنـاتِ فَمـا كـانُـوا لِيُؤْمِنـوا بِما كَذَّبُـوا مِنْ قَبْلُ كَذلِـكَ يَطْبَـعُ اللهُ عَلَـى قُلُوبِ الْكـافِرِينَ ) (الاعراف / 101) 2 ـ (فَبمـا نَقْضِهِـمْ مِيْثـاقَهُـمْ وَكُفْـرِهِـمْ بـآيـاتِ اللهِ وَقَتْلِهِـمُ الأَنْبِـاءَ بِغَيْـرِ حَـقٍّ وَقَـوْلِهِـمْ قُلُوبُنـا غُلْفٌ بَـلْ طَبَـعَ اللهُ عَلَيْهـا بِكُفْـرِهِـمْ فَـلا يُؤْمِنُونَ اِلاّ قَلِيلا) (النساء / 155) 3 ـ (وَمَنْ أَظْلَـمُ مِمَّنْ ذُكِّـرَ بآيـاتِ اللهِ فَأَعْرَضَ عَنْهـا وَنَسِـيَ مـا قَـدَّمَتْ يَـداهُ اِنّـا جَعَلْنـا عَلَـى قُلُوبِهِـمْ اَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُـوهُ وَفِي آذانِهِـمْ وَقْراً وَاِنْ تَدْعُهُـمْ اِلى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا اذاً أَبدا) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نهج البلاغة الخطبة 27. [337] (الكهف / 57) 4 ـ (وَالَّذِيْنَ لا يُؤْمِنُونَ فِـي آذانِهِم وَقْر وَهُوَ عَلَيْهِـمْ عَمـىً أُوْلـئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكـان بَعِيد) (فصلت / 44) * * * جمع الآيات وتفسيرها: لِمَ يحجب الذنبُ القلوبَ عن الفقه؟ إِنَّ الآية الاولى بعد إشارتها الى تاريخ وقصص خمسة أقوام من الأقوام السالفة وهم (قوم نوح، وهو، وصالح، ولوط، وشعيب) حيث نزل عيهم العذاب الالهي لتكذيبهم آ ات الله، قالت: (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ ...). إن جملة (وَكَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرينَ) لا تشير الى أي كافر كان، وذلك لأن كثيـراً من المـؤمنين كانوا في صفوف الكفار والتحقوا بصفوف المؤمنين بعد سماعهم لدعوة الأنبياء، فالمراد ـ إذن ـ ذلك الفريق من الكافرين الذين ألحوا وأصروا على كفرهم، فان كفرهم هذا يحول دون معرفتهم ورؤيتهم للحق. والشاهد على هذا الكلام هو قوله: (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمـا كذّبُوا مِنْ قَبْلُ) أي ان تعصبهم بلغ درجةً لا تسمح لهم بتغيير طريقتهم والرجوع عن الباطل الى الحق، وقد ذكرت خمسة وجوه في تفسير هذه الجملة في تفسير الميزان والفخر الرازي(1)، إلاّ أن أظهرها هو ما تقدم اعلاه. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الميزان الجزء 8 الصفحة 215، تفسير الفخر الرازي الجزء 14 الصفحة 186. [338] والآية الثانية بعد ما أشارت الى سلوك فريق من اليهود وعدائهم للأنبياء قالت: (فَبما نَقْضِهِمْ مِيْثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ ...). يقـول القرآن: إنهم لا يفقهون شيئاً وذلك لكفرهم فطبع الله على قلوبهم من جراء ذلك. بـديهي ان المـراد من الكفر هنا هو الكفـر المتزامن مـع العناد، والكفر المتزامن مع العداء للأنبياء، والكفر المتزامن مع نقض المواثيق باستمرار والاستهزاء بآيـات الله، ومسلم أن كفراً كهـذا يجعل حجـاباً على عقـل الانسان لا يسـمح لصاحبه أن يدرك الحقائق، وهـذا شيء صنعته أيـديهم ولا جبـر في البين. ويظهر ان مرادهم من "قلوبهم غلف" هو الاستهزاء بايات الله وبشخصية موسى بن عمران، لا أنهم يعتقدون أن قلوبهم خُلِقت مغلَّفةً لا تفهم الحقائق (كما جاء ذلك في بعض التفاسير)(1)، إلاّ أنَّ الله أخذ كلامهم بالجد وأجابهم: (بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ). وهناك احتمال آخر وهو ان مرادهم من الجملة هو أن قلوب كلٍّ منهم كالوعاء المليء بالعلم والغمد الذي فيه السيف فلا تحتاج لعلوم الآخرين(2)، إلاّ أن هذا الاحتمال بعيد جداً. وعلى هذا، فهناك ثلاثة احتمالات في تفسير الآية والأول أنسب من الاخرين، وقد نقل في بعض التفاسير حديث ذا مغزىً عميق عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول فيه: "الطابع مُعَلّق بقائمة العرش فاذا انتهكت الحرمة وعُمِل بالمعاصي واجتُريء على الله تعلى بَعَثَ الله تعـالى الطابع فطبـع على قلبـه فلا يعقـل بعد ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الميزان الجزء 5 الصفحة 38، والقرطبي الجزء 3 الصفحة 2004. 2 - لقد جاء هذا الاحتمال في التفاسير التالية: الفخر الرازي الجزء 11 الصفحة 87، والقرطبي الجزء 3 الصفحة 2004، وروح المعاني الجزء 6 الصفحة 8. [339] ذلك شيئاً"(1). والجدير ذكر هو ان "طابع" اسم فاعل للطبع و"طابَع" اسم آلة الطبع، ويظهر في الحديث ان الكلمة الاولى بالفتح والثانية بالكسر. وهذا الحـديث يؤكد بوضوح الحقيقة التـالية: أَنْ لا جبر هنا، وانّ حجب القلوب نتيجة لأعمال الانسان نفسه. * * * وَطـرحت الآية الثـالثة سؤالا تقـريـرياً حيث قـالت: (وَمَـنْ أَظْلَـمُ مِمَّـنْ ذَكِّرَ ...). إن وجه اعتبار القرآن هؤلاء أظلم الناس واضح لأنهم ظلموا أنفسهم كما ظلموا الاخرين وكما ظلموا الله ودينه، وعليه فالآية لا تدل على عدم الجبر فحسب، بل تدل على الاختيار. وما يـلفت النظر هنـا هو ان الفخر الرازي بالرغـم من كونه من القـائلين بالجبر، لكنهُ عندما يصل الى هذه الآية يقول: إن آخر الآية دليل لمؤيدي الجبر، بينما صدرها دليل لمؤيدي الاختيار! ثم يضيف: قلّما نجد آية في القرآن تؤيد أحد الفريقين، واذا ما وجدنا آية مؤيدة لفريق وجدنا قبالها اية تؤيد الفريق المقابل، والتجربة شـاهد على ما نقـول، وهذا امتحـان صعب من الله للعبـاد، وذلك لكي يتميـز الراسـخون في العلم عن المقلِّدين(2)! ياله من اعتراف عجيب؟! ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - روح المعاني الجزء 6 الصفحة 8. 2 - تفسير الفخر الرازي الجزء 21 الصفحة 142، والعجيب ان الالوسي في روح المعاني عندما نقل عبارة الفخر الرازي ادعى ان الفخر الرازي قال: إن هذه الآية من أدلة القائلين بالجبر والآية التي قبلها من أدلة القائلين بالاختيار. وقد نقصل صاحب الميزان العبارة من روح المعاني، بينما مراد الفخر الرازي صدر وذيل الآية نفسها (تأمل جيداً). [340] ونضيف الى ما قاله الفخر الرازي: ان كلا من آيات القرآن لا يمكن دراستها وملاحظتها لوحدها من دون ملاحظة ودراسة الآيات الاخرى فضلا عن صدر وذيل الآية الواحدة، كما نقول: إن الآية بصدرها وذيـلها دليل على مسألة الاختيار لا شيء آخر، وذلك لأن صدرها يقول: إن الاعراض عن آيات الله واقتراف الذنوب من أفعال الانسان وهو فاعلها باختياره، بينما ذيل الآية يقول: إن الله يعاقب المُصرّين على السير في هذا الطريق، وعقابهم هو جعل الأكنة على قلوبهم. وبتعبير آخر: إن الله جعل لهذه الذنوب آثاراً ومردودات، وتلك هي تعكُّر صفاء القلب، وسلب قدرة التمييز عن الانسان، وأي جبر في هذا الحديث؟! مثله كمثل الخبير الذي يعلم بأن السم قاتل، وبالرغم من ذلك يتناوله. فهل هذا. التأثير القهري للسم جبر؟! * * * وقد أشارت الآية الاخيرة الى المعاندين والمتحججين الذين يسألون ـ أحياناً ـ هذا السؤال: لِمَ لَمْ ينزل القرآن أعجمياً كي نعيره أهمية أكبر ولكي لا ينحصر في العرب؟ (قد يكون غرضهم الأساسي من هذا هو عدم فهم الناس عامة له والاقبال عليه إذا ما كان عجمياً). فأجابهم القرآن في صدر الآية: (وَلَوْ جَعَلْنـاهُ قُرآناً أَعْجَمِيّاً لَقالُوا لَوْ لا فُصَّلَتْ آياتُهُ) أي لأشكلتم اشكالا آخر وهو: ان القرآن مبهم وغامض، ثم يضيف القرآن: (ءَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) أي هل يصحّ لنبي عربي أن يحمل قرآناً أعجمياً؟ وهذا اشكالهم الآخر اذا ما نزل بلسان أعجمي. ثم أمـر الله الـرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يجيبهـم هـكذا: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً [341] وشفـاء والذين لا يؤمِنُؤنَ في آذانِهِم وقرٌ وَهوَ عَلَيهِم عمىً وأُولئِكَ يُنادَؤنَ من مكان بَعيد). وقد بيّنت الآية بوضوح ان التحجج والعناد والإصرار على الكفر يجعل حجاباً على القلوب يمنعها عن الادراك والفهم(1). * * * 12 ـ حجاب الاعتداء والعدوان (ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلا اِلى قَومِهِمْ فَجـاؤُهُمْ بِالْبِيِّنـاتِ فَمـا كـانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمـا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِيْنَ) (يونس / 74) * * * جمع الآيات وتفسيرها: بيّنت الآية السابقة لهذه الآية من سورة يونس قصة نوح، حيث كان يدعو قومه لله ويسعى لهدايتهم وانذارهم من عذاب الله، إلاّ أنهم كذبوه، فاغرقهم الله بطوفانه وأهلكهم، وأنقذ المؤمنين منهم بالسفينة فورثوا الأرض. ثم يضيف الله في الآية: إنا أرسلنا ـ بعد نوح ـ رسلا كلا الى قومه مع معاجز ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - فسر البعض عبارة "وهو عليهم عمىً" بأن القرآن سبب لعمي هذا الفريق، بينما قال ابن منظور في لسان العرب والراغب في المفردات: إن جملة (عمى عليه) تعني اشتبه عليه حتى صار كالأعمى (تأمل جيداً). [342] وأدلة واضحة ومنطقية ورسائل يشهد محتواها على أحقيتهم، إلاّ انهم لم يخضعوا للحق واستمروا في تكذيبهم. ويقول الله في ذيل الآية: (كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ)، وهذه اشارة الى ان الاعتداء والعدوان على الرسل يترك حجاباً في القلب يحول دون معرفة القلب لآيات الله وتمييزه بين الحق والباطل. إن الطبع على القلوب كما يمكنه أن يكون عقاباً إلهيّاً للمعتدين، يمكن أن يكون أثراً من آثار الاستمرار في الاعتداء، والمراد من الاعتداء هنا هو الاعتداء على الساحة الالهية والمعصية واقتراف الذنوب ومعاداة الرسل. إن جملة: (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) إشارة الى أن بعض الرسل جاءوا إلى أقوامهم فكذبوهم، ثم أرسل الله إليهم رسلا آخرين مع أدلة واضحة فما آمنوا كذلك، وذلك لأن عنادهم نسج حاجباً سميكاً على عقولهم فأصبحوا لا يفهمون شيئاً ولا يعقلون. ويقو البعض: إن المراد من المكذبين في الآية قوم نوح الذين أُغرقوا بالطفوان، والمراد من القوم الذين لم يؤمنوا الأقوام التي جاءت بعد قوم نوح وقد سلكوا مسلك قوم نوح في الاعتداء على الرسل وتكذيبهم(1). ويبدو هذا التفسير بعيداً لان لازمه اختلاف مرجع الضميرن في (كذّبوا) و(ليؤمنوا)، ولهذا فالافضل هو التفسير الأول. ويحتمل ان يكون المراد هو: الاقوام التي جاءت بعـد نوح والتـي قـد نُقِلت لها حقائق عن دعوة الانبياء السالفين فكذبوا تلك الحقائق، ثم جاءتهم رسل فكـذبوهم كذلك، وعلى هذا فالتكذيب الاول يتعلق بما نُقِلَ وحُكِي لهم، والتكذيب الثاني يتعلق بالامور التي شاهدوها من الانبياء بأُم أعينهم(2) ويبدو ان هذا التفسير مناسب، ولا يبعد الجمع بين التفسيرين. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - مجمع البيان الجزء 5 الصفحة 125. 2 - روح المعاني الجزء 11 الصفحة 143. [343] * * * 13 ـ حجاب الرؤية السطحية وترك التدبر 1 ـ ( وَيَـدعُ الاِنْسـانُ بِالشَّـرِّ دُعـائَـهُ بِالْخَيْـرِ وَكـانَ الإنْسـانُ عَجُـولا) (الاسراء / 11) 2 ـ (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرآنَ أَمْ عَلى قُلُوب أَقْفـالُهـا) (محمد / 24) * * * جمع الآيات وتفسيرها: اقفال القلوب الثقيلة: في الآية الاولى يذكر الله احد اسباب الكفر وعدم الايمان بالله وهو عدم دراسة الامور، ويقول: انهم وسبب إضطرابهم وتسرعهم يتجهـون احيـاناً نحو الشر بشكل وكأنهم يتجهون نحو الخير والسعادة، ويتجهون نحو الهاوية بشكل وكأنـهم يتجهون نحو مكان آمن ويتجهون نحو الذل العار وكما لو كانوا يتجهون نحو طريق الفخر والعز. اي انّ تفكيرهم السطحي وتركهم التدبر يجعل حجاباً على العقول يحول دون ادراكهم الصحيح، فيرون ـ لاجل ذلك ـ الشرّ خيراً والشقاء سعادة، والضلال صراطاً مستقيماً. وقد جاء في تفسـير الميزان: ان المراد بكـون الانسان عجولا هو : انـه لا [344] يأخذ بالاناة اذا اراد شيئاً حتى يتروى ويتفكر في جهات صلاحه وفساده حتى يتبين له وجه الخير فيما يريده من الأمر فيطلبه ويسعى اليه، بل يستعمل هواه في طلبه بمجرد تعلقه به فربما كان شراً فتضرر به، لكن جنس الانسان عجول لا يفرق بين الخير والشر بسبب عجلته، بل يطل كلما ما لاح له ويسأل كل ما بدا له فتعلق به هواه من غير تمييز بين الخير والشر(1). اما المراد من "يَدْعُ" هنا؟ فيقول البعض: انه الطلب سواء كان في صورة دعاء او طلب من الله او كان بصورة طلب عملي اي، السعي لتحصيل الشيء وبذل اجهود لِنَيْلِهِ(2). الا ان المستفاد من بعض التفاسير ان المراد هو الدعاء اللفظي والطلب من الله، وهذا قيل في شأن زول الآية: انها نزلت في حق الـ (نضر بن الحارث) من مشركي العرب المعروفين حين قال: (اَللّهُمَّ اِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطَرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ)، فاستجاب الله هذا الدعاء وأهلكه(3) . وقد ذكـر المـرحوم الطبرسي كـلا التفسيرين فـي مجمـع البيان ويظهر ان معنى الآية يسع كلا التفسيرين. وقد جـاء في حديث للامام الصادق(عليه السلام) في تفسيره لهذه الآية قال فيه: (وَاعْرِفْ طَرِيْقَ نَجـاتِك، كَيْـلا تَدْعُوا اللهَ بِشَـيء عَسـى فِيْهِ هَلاكُـكَ وَأَنْتَ تَظنُّ أَنَّ فِيْهِ نَجـاتكَ، قـالَ اللهُ تَعـالـى (وَيَدْعُ الإِنْسـانُ بِالشَرِّ دُعائَهُ بِالْخَيْرِ وَكـانَ الإِنْسـانُ عَجُولا)(4). وقد جاء في حديث آخر ان آدم نصح اولاده وقال لهم : ( كُـلُّ عَمَل تُريدُونَ ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الميزان الجزء 13 الصفحة 49 (ملخص). 2 - نفس المصدر السابق الصفحة 50، وبما ان الباء في "بالخير وبالشر" باء صلة فيكون معنى الجملة هكذا: "يدعو الشر كدعاءه الخير". 3 - تفسير القرطبي الجزء 6 الصفحة 3841، والفخر الرازي الجزء 20 الصفحة 162. 4 - نور الثقلين الجزء 3 الصفحة 141. [345] أَنْ تَعْمَلُوا فَقِفُـوا لَهُ سـاعةً فَـاِنِّي لَوْ وَقَفْـتُ ساعةً لَمْ يَكُنْ أصـابَنِي ما أَصابَنِي)(1). ومن هذا الباب اطلق العرب عبارة "ام الندامات" اسماً للعجلة كما قيل: ان العجلة من الشيطان الاّ في ستة موارد: اداء الصلاة في وقتها، دفن الميت، تزويج البنت الباكر عند بلوغها، اداء الدين عند حلول وقته، اطعام الضيف عندما يحل، والتوبة عند اقتراف الذنب. اما المراد من "الانسان" في عبارة "وكان الانسان عجولا" وامثالها في القرآن الكريم والتي تعبر عن نقاط الضعف المظيرة في طبيعة الانسان، فهو الانسان الذي لم يتخلق باخلا الله ولم يتربَّ على اساس التربية الرسالية والدينية ـ كما ذكرنا في التفسير الامثل ـ، لا الانسان المهذب. * * * وتحـدثت الآية الثانيـة عن فريق مـن المنافقين المعاندين حيث أُشير إليهم في الآيات السابقة بصفة عمي القلوب، واذا تسلموا زمام الحكم ما رحموا صغيراً ولا كبيراً، واعتبرهم الله الملعونين والمطرودين من رحمته، وقال فيهم هنا: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) لا قفل واحد بل أقفال، فكيف يمكنهم إدراك الحقائق؟ هناك بـحيث المفسـرين في ان " أم " متصـلة أو منفصـلة(2)، فـاذا كانت متصلة يكون المعنى هكذا: أفلا يتدبرون القرآن أو أن هناك اقفالا على قلوبهم؟ وأما اذا كانت منفصلة فالمعنى هكذا: أفلا يتدبرون القرآن؟ كلا، بل إن اقفالا على ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - روح البيان الجزء 5 الصفحة 137. 2 - بنقل الآلوسي في روح المعاني عن سيبويه انها متصلة، بينما ينقل عن ابو حيان وفريق آخر انها منفصلة (الجزء 26 الصفحة 67). [346] قلوبهم. وعلـى كلا المعنـيين فالآيـة دليل على وجود تضاد بـين " التدبر " و"الحجاب على القلوب"، ويمـكن القول: ان الآيـة تشـير الى حجاب ترك التدبر. وقد جاء في تفسير (في ظلال القرآن): تدبر القرآن طبقاً لهذه الآية يزيل الغشاوة، ويفتح النوافذ، ويسكب نور المعرفة على القلوب، ويحرك المشاعر، ويستجيش القلوب، ويخلص الضمير ويجدد الروح ويجعلها اكثر صفاءاً واشراقاً(1). وقد جاء بعض المفسرين بدليلين لذكر القلوب نكرة في الآية، الاول: انها ذكرت نكرة لبيان حال قلوبِهم المروّع، وانها قلوب مجهولة مليئة بالقساوة والظلمات. الثاني: إن المراد هو بعض القلوب لا كلها، لأن بعضهم لم يصلوا الى تلك الدرجة من الظلمات بحيث تقفل قلوبهم وتتوقف عن إدراك الحقائق. وذكر الاقفال بصيغة الجمع إشارة الى الحجب المختلفة التي تجعل على قلوبهم مثل حجاب النفاق والعناد والغرور وحب النفس وغيرها. كما ينبغي الاشارة الى هذه النقطة وهي: إن بين "ترك التدبر" و"حجاب القلب" تأثيراً متبادلا، فكلٌّ منهما يمكنه ان يكون علة للآخر في مرحلة ومعلولا له في مرحلة اخرى، فتارة ترك التدبر ينشأ عن ظلمات القلب، وتارة اخرى ظلمات القلب تنشأ عن ترك التدبر. وننهي حديثنا هذا برواية عن الامام الباقر(عليه السلام) جاء فيها: عن الباقر(عليه السلام) قال: قرّاء القرآن ثلاثة: رجل قرأ القرآن فاتخذه بضاعة واستدرّ به الملوك واستطال به على الناس، ورجل قرأ القرآن فحفظ حرفه وضيّع حدوده ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - في ظلال القرآن الجزء 7 الصفحة 462. [347] واقامه اقامة القدح فلا كثّر الله هؤلاء من حملة القرآن، ورجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه فأسهر به ليله واظمأ به نهاره وقام به في ساجده وتجافى به عن فراشه فبأولئك يدفع الله العزيز الجبار البلاء وبأولئك يديل الله عزوجل من الاعداء وبأولئك ينزل الله عزوجل الغيث من السماء فوالله لهؤلاء في قرّاء القرآن اعز من الكبريت الاحمر(1). * * * 14 ـ حجاب الارتداد في البداية نصغي خاشعين للآية التالية: ( اِتَّخَـذُوا اَيْمـانَهُمْ جُنَّـةً فَصَـدُّوا عَـنْ سَبِيـلِ الله اِنَّهُـمْ سـاءَ مـا كـانُـوا يَـعْمَُونَ * ذلِكَ بِـاَنَّهُـمْ آمَنُـوا ثُـمَّ كَفَـرُوا فَطُبـعَ عَلَـى قُلُـوبِهِـمْ فَهُـمْ لا يَفْقَهُـونَ ) (المنافقون / 2 ـ 3) * * * جمع الآيات وتفسيرها: إن هذه الآية ناظرة الى المنافقين، وبالرغم ان النفاق حجاب مستقـل بحـد ذاته إلاَّ ان القرآن هنا يذكر موضوعاً آخر في هذا المجال حيث يقول: ( بِاَنَّهُمْ ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - اصول الكافي الجزء 2 الصفحة 627 الحديث 1. [348] آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ). يعتقد بـعض المفسرين : ان الاشخاص المعنيين في الآية هم فريق آمنوا ظاهراً وضلوا كفاراً باطناً. إلاّ ان ظاهر الآية يكشف عن أنهم في البداية آمنوا حقاً، ثم كفروا بعد ايمانهم، وكان كفرهم هذا متزامناً مع النفاق، لأن التعبير بـ "ثم" يدل على أن كفرهم حصل بعد الايمان لا انه كان متزامناً مع الايمان ليكون احدهما ظاهراً والاخر خفياً. وعلى هذا فالآية تتحدث عن حجاب الارتداد. ولا عجب في أن يطبع الله على قلب من آمن وذاق طعـم الايمان وحلاوته، وشاهد أنوار الرسالة، ثم كفر كفراً تزامن مع النفاق. إذا الـتبس الـحق علـى شخص منذ البداية فعـذره يمكن ان يكون وجيهاً، اما اذا ارتد عن الايمان بعد ما عرف الحق وآمن به، فهذا غالباً ما يكشف عن حالة العناد عند هذا الشخص، والله يسلب نعمة المعرفة عن اشخاص كهذا ويطبع على قلوبهم. بالبطبع لا دليل لنا على أن كل المنافقين كانوا غير مؤمنين منذ البداية، بل إنَّ فريقاً منهم آمنوا في البداية حقاً ثم ارتدوا كما جاء ذلك في سورة التوبة الآية (74): (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسلامِهِمْ)، وهذا النفاق المتزامن مع العناد هو الذي يجعل حجاباً على القلوب. ونؤكد تـارة اخرى ان هذا الحديث لا يدل على الجبر اطلاقاً، لأن مقدمات هذا الحرمان أوجدها المنافقون بأنفسهم. * * * 15 ـ حجاب الكذب والافتراء [349] في البداية نصغي خاشعين للآيات التالية: 1 ـ ( اَلَـمْ تَـرَ اِلَـى الَّـذِيْنَ اُوتُـوا نَصِيْبـاً مِـنَ الْكِتـابِ يُـدْعَوْنَ اِلى كِتـابِ اللهِ لِيَـحْكُمَ بَيْنَهُـمْ ثُـمَّ يَتَوَلَّى فَـريْقٌ مِنْهُـمْ وَهُـمْ مُعْـرِضُونَ * ذلِكَ بِـانَّهُمْ قـالُوا لَـنْ تَمَسَّنـَا النّـارُ اِلاّ اَيّـامـاً مَعْـدُودات وَغَـرَّهُمْ فِـي دينِهِـمْ مـا كـانُوا يَفْتَـرُونَ) (آل عمران / 23 ـ 24) 2 ـ ( وَلَقَـدْ مَـكَنّـاهُمْ فِيـمـا اِنْ مَـكَّنـاكُـمْ فِيـهِ وَجَعَلْنـا لَهُـمْ سَمْعـاً وَأَبْصاراً وَاَفْئِـدةً فَمـا أَغْنَـى عَنْهُـمْ سَمْعُهُـمْ وَلا اَبْصـارُهُـمْ وَلا اَفْئِدَتُهُـمْ مِنْ شَىْء اِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (الاحقاف / 26) * * * جمع الآيات وتفسيرها: خُداع الكذب: يقول بعض المفسرين في شأن نزول الآية الاولى: ان رجلا وامرأة من اليهود زنَيا، وكانا ذوي شرف، وكان في كتابهم الرجم، فكرهوا رجمهما لشرفهما، فرجعوا في امرهما الى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) رجاء ان يكون عنده رخصة في ترك الرجم فحكم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرجم فأنكروا ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: بيني وبينكم التوراة فان فيها الرجم فمن أعلمكم؟ قالوا: عبدالله بن صوريا الفدكي، فأتوا به واحضروا التوراة، فلما أتى على آية الرجم وضع يده عليها، فقال ابن سلام الذي كان على ملة اليهود واسلم. [350] قد جاوز موضعها يا رسول الله، فرفع كفه عنها فوجدوا آية الرجم، فأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) برجمهما فرجما، فغضبت اليهود لعنهم الله لذلك غضباً شديداً فأنزل الله تعالى هذه الآية(1). يقول القرآن في هذا المجال: (اَلَمْ تَرَ اِلَى الَّذِيْنَ اُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ اِلى كِتابِ الله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَريقٌ مِنهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ). ثـم يـضيف : (ذلِكَ بِـانَّهُـمْ قـالُـوا لَـنْ تَمَسَّنَـا النّـارُ اِلاّ اَيّـاماً مَعْدُودات وغَرَّهُمْ فِي دينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ). "يفترون" من مادة "الافتراء" ومن أصل "فري" الذي يعني القطع وشق الجلد بهدف الاصلاح، إلاّ انه قد تستعمل في صيغة "الافراء" فتعني القطع بهدف الافساد، و"الافتراء" معناه واسع، أي القطع سواء كان بهدف الاصلاح أو الافساد، بالرغم من استعماله في أغلب الأحيان في مجال الافساد والتخريب، كما استعملت هذه المفردة في مجال الكذب والشرك والظلم(2). أما "غرّهم" فمن مادة "غرور" ومشتثقة مـن "غُر" بمعنـى ظاهـر الشيء، ولهـذا قيل للأثر الظاهر في جبين الحصان "غُرة"، كما تستخدم في القماش اذا طُـوي بشـكل حيث تظهـر عليه آثار الطوي، كما تستعمل هذه المفردة بمعنى الخداع، وكأن الطرف المخدوع يُطوى كالقماش(3). أما "غَرُور" فيعني الشخص و الشي الذي يخدع الانسان، كما تطلق على الشيطان الخادع(4). وقد قيل في كيفية أن الكـذب والافتراء يخدعان الانسان ويحجبان عنه المعرفة وما ذكر صاحب الميزان: ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الفخر الرازي الجزء 7 الصفحة 232. 2 - مفردات الراغب مادة (فري). 3 - مفردات الراغب مادة (غرور). 4 - لسان العرب مادة (غرور). [351] "ان الانسان يجري في اعماله وافعاله على ما تحصل عنده من الاحوال او الملكات النفسانية والصور التي زينتها ونمقتها له نفسه دون الذي حصل له العلم به، كما ان المدمن على اسعمال المواد المخدرة ونحوها يستعملها وهو يعلم انها مضرّة غير لائقة بشأنه وذلك لان حالته وملكته النفسانية زيّنت له هذه الامور واضفت عليها نوعاً من الجاذبية بحيث لم تدع له مجالا للتفكر والاجتناب. وبعبارة اخرى انهم كرروا الكذب ولـم يزالوا يكـررونه ويلقنـونه أنفسهم حتى اذعنوا به أي اطمأنوا وركنوا اليه بالتلقين الذي يؤثر أثر العلم كما بينه علماء النفس فصارت الفرية الباطلة بالتكرار والتلقين تغرهم في دينهم وتمنعهم عن التسليم لله والخضوع للحق الذي أنزله في كتابه(1). إن هذا مجربٌ، فتارة يتفوه الانسان بحديث كذب ويعلم أنه كذب وافتراء، وعلـى ضوءِ اعـادة الحـديث يقع في شك منه، ثـم يعيده مـرات اخـرى فيصدق به، حتى يبلغ درجة الاعتقاد بالرغم من عدم واقعيته، فيصير حجاباً أمام رؤيته العقلية السليمة. وعلى هذه فلا مـجال للقول بان الكـذابين هم فريق من اليهود ان المخدوعين يمثلون فريقاً آخر. * * * وقد أشارت الآية الثانية الى قوم عاد، وهم قوم ذو قدرة، كانـوا يـعيشون في الاحـقاف (جنوب أو شمال الجزيرة العربية)، وابتلوا بالـريح العاصف إثر تكذيبهم لرسولهم "هود" وإثر ظلمهم وفسادهم في الارض. فالآيـة تقول: (وَلَقَدْ مَكَّنـاهُمْ فِيْمـا اِنْ مَكَّنـاكُمْ فِيْهِ وَجَعَلْنـا لَهُمْ سَمْعاً ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الميزان الجزء 3 الصفحة 125. [352] وَأَبْصاراً ... وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ). إن الآيـة تـؤكد أن تكذيبهم المتـوالي لآيات الله سبَّب سلب إدراكهم ومعرفتهم، فابصارهم ترى وآذانهم تسمع وأفكارهم تعقل ظاهراً، إلاّ ان الستار الحاجب حال دون استعانتهم بوسائل المعرفة هذه فابتلوا بعذاب الله. "يجحدون" من مادة "جحود" ويعني في الأصل نفي شيء تيقن الانسان من وجوده أو اثبات شيء يؤمن الانسان بعدمه، وبتعبير آخر: الجحود يعني انكار الواقعيات عمداً وعن معرفة(1). إن التجربة أثبتت ان الانسان اذا ما استمر في انكار الواقعيات، فستصبح القطعيات عنده ـ تدريجياً ـ شكاً، واذا استمر الانكار أكثر فان قدرته على التمييز تتبدل بحيث يرى الحق باطلا والباطل حقاً. وهناك مناشيء وعلل لهذا العمل (أي انكار الواقعيات مع العلم والمعرفة)، فتارة ينشأ عن العناد، وتارة اخرى عن التعصب، وتارة عن الكبر والغرور، وتارة يقدم الانسان عليه حفاظاً على مصالحه المادية التي تتعرض للخطر إذا ما كشف عن الحقائق، وتارة لأجل شهوات اخرى، وعلى أي حال فان لهذا العمل مردوداً سلبياً، وهو حدوث حجاب على العقل والفطرة فتنقلبُ قدرة التمييز عند الانسان رأساً على عقب. * * * 16 ـ حجاب الظن السميك إن اتباع الظنون الباطلة يغير العقل تدريجياً ويحرفه عن جادة المعارف ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - مفردات الراغب مادة (جحد)، كما يقول الجوهري: إن الجحود هو الانكار مع العلم. كما ذكر ذلك صاحب مجمع البحرين في مادة (جحد). [353] الأصيلة، ويجعل حجاباً أمام عينيه واذنيه. في البداية نصغي معاً خاشعين للآية التالية: (وَحَسِبُوا اَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيْرٌ مِنْهُم وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ) (المائدة / 71) * * * جمع الآيات وتفسيرها: إن هذه الآية ناظرة الى فريق من اليهود الذين عاهدوا الله على أن يتبعوا دعوات الأنبياء ويخضعوا لها، إلاّ أنهم كلما جاءهم رسول يأمرهم بما يخالف أهواءهم النفسية نهضوا ضده أو قتلوه. ثـم تـضيف الآية: إنـهم حسبوا أن لا تكون فتنة ولا عذاب، وهذا ظن باطل نشأ عن حب الدنيا والكبر والغرور، ظن باطل تدع اليه الشياطين والاهواء النفسية، وهذا الظن هو الذي ألقى بحجابه على أفئدتهم وأبصارهم وسمعهم فحال دون أن يعقـلوا شيئـاً، فلـم تعد ابصـارهم تدرك الآثار المتبقيـة من المصير المؤلم للاقوام السالفة ولم تعد آذانهم تمتلك قدرة سماع قدرة سمـاع ما يُنقل عنهم، وبهذا فقدوا هاتين الوسيلتين المهمتين للمعـرفة ـ السمع والبصر ـ من الناحية العملية وظنوا انهم في امان من عذاب الله. وقد حصل لهم هذا الظن من خِلال السير في الأرض ودراسة التاريخ والأقوام السالفة، فما سمعوا عن تلك الاقوام بآذانهم، ولا شاهدوا بأعينهم، بل ان ابصارهم وآذانهم وأفئدتهم عاطلة عن العمل فحسبوا أن لا عذاب لهم. إلاّ أنه بعد انقضاء وطر من الزمن أدركوا خطأهم والتزموا طريق التوبة، وقد [354] وسعتهم رحمة الله فقبل توبتهم. ومرة اخرى خدعتهم ظنونهم الباطلة فظنوا انهم شعب الله المختار في أرضه (بل أبناء الله)، فأسدلت ستائر العمى والصم والجهل عليهم وطُردوا من رحمة الله تارة اخرى. إن هذه الآية تبين بوضوح ان الظنون الباطلة وخاصة ظن الأمان من عذاب الله يجعل غشاوة على الباصر والمسع ويعطلهما عن العمل. وعلى هذا، فالمراد من "فعموا وصموا" هو أن أعينهم ما بصرت آيات الله والآثار الباقية من الاقوام السالفة، وان آذانهم ما صغت لمواعظ الرسل. وبديهي ان اتباع الظن الباطل لمرة أو مرات لا يترك هذا المردد السلبي في الانسان، بل الاستمرار عليه هو السبب في ذلك. وهناك أقوال في سبب عطف الجملة الثانية على الاولى بـ "ثم" التي تدل على الفاصل الزمني. فقال البعص : إن استعمالها للاشـارة الـى مصيـرين مختـلفين لليهـود، أحدهما عندما هاجمهم أهل بابـل، والثـاني عندما هاجمهم الايرانيون والروميون وأسقطوا حكومتهم(1)، وقد جاء شرح ذلك في التفسير الأمثل في بداية سورة بني اسرائيل. وقال البـعض : إن الجملة الاولى اشارة الى عهد زكـريا ويحيـى وعيسى حيث خالفهم اليهود آنذاك، والعبارة الثانية اشارة الى عهد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث أنكروا نبوته ورسالته(2). وقال البعض: إن العبارة الاولى تبين ان الله لعنهم وطردهم من رحمته وأعمـاهم وأصمهم لأجل ظنهم الباطل من أنهم شعب الله المختار، وقد شملتهم ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - المنار الجزء 6 الصفحة 481. 2 - وقد ذكر هذا التفسير كاحتمال في تفسير الفخر الرازي الجزء 12 الصفحة 516 وكذا في روح المعاني الجزء 6 الصفحة 184. [355] رحمة الله بعد ذلك فتاب عليهم ورفع عن قلوبهم ذلك الظن الباطل، فأبصرهم وأسمعهم تارة اخرى كي يلتفتوا الى حقيقة وهي: عدم وجود فرق بينهم وبين غيرهم إلاَّ بالتقوى. إلاّ أن حالة الوعي واليقظة هذه لم تستمر عندهم، وتورط بعضهم بنفس الحسبان الخاطيء القائم على اساس التفرقة العرقية تارة اخرى، فأعماهم وأصمهم الله ثانياً(1). والجمع بين هذه التفاسير ليس بعيداً، ونتيجتها جميعاً واحدة وهي: إن الظن الباطل ( كظن اليهود انهم شعب الله المختار ) يمنع الانسان تدريجياً عن الادراك والفهم ويحرفه عن جادة الصواب، واذا كان هذا الظن في بدايته فيقظة العقل محتملة، ورجوعه عن هذا الحسبان ممكن، اما اذا تفاقمت الظنون وتأصلت في ذاته فيصبح الرجوع عنها أمراً غير ممكن. * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الميزان الجزء 6 الصفحة 71. [356] [357] القسم الثالث: الحجب الخارجية: [358] [359] الحُجُب الخارجية 17 ـ حجاب القادة الضالين والفسدة تمهيد: إن الحجب الخارجية هـي الحجب التي تكـمن وراء أعمال الانسـان وصفاتـه وتؤثر على العقل والادراك وملكة التمييز وتحول دون معرفة الحقائق، وهي عديدة تشكل مساحة واسعة، وقد أشار اليها القرآن بأساليب متعددة وجميلة. 1 ـ ( وَقـالُوا رَبَّنـا اِنّـا اَطَعْنـا سـادَتَنـا وَكُبَرائَنـا فَاَظَلُّونـا السَّبِيلا * رَبَّنـا آتِهِم ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً) (الاحزاب / 67 ـ 68) 2 ـ ( وَلَوْ تَـرَى اَذَ الظّـالِمُونَ مَوقُـوفُونَ عِنْـدَ رَبِّهِـمْ يَرْجِـعُ بعْضُهُـمْ اِلـى بَـعْض الْقَـوْلَ يَقُـولُ اَلَّـذِيْنَ اسْتُضْعِفُـوا لِلّـذِينَ اسْتَـكْبَـرُوا لَـوْلا اَنْتُـمْ لَكُنّـا مُؤمِنينَ * قـالَ الَّـذِينَ اسْتَكْبَـرُوا لِلَّـذِيْنَ اسْتُضْعِفُـوا أَنـحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ اِذْ جـائَكُم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ) [360] (سبأ / 31 ـ 32) 3 ـ ( قـالَ ادْخُلُـوا فِي اُمَـم قَـدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُـمْ مِـنَ الْجِـنِّ وَالإنْـسِ فِي النّـارِ كُـلَّمـا دَخَـلَتْ أُمَّـةٌ لَـعَنَتْ أُخْتَهـا حَتّـى اِذا اِدّارَكُـوا فِيهـا جَمِيعـاً قـالَتْ اُخْراهُمْ لاُِلـهُمْ رَبَّنـا هَؤلاءِ اَضَلُّونـا فَآتِهِم عَذاباً ضِعْفـاً مِنَ النّـارِ قالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ) (الاعراف / 38) * * * جمع الآيات وتفسيرها: شجار اصحاب النار: إن الآية الاولى تبيّن حال فريق من الكفار عندما يرون نتيجة أعمـالهم عند الله، فيقولون: (رَبَّنـا اِنّـا اَطَعْنـا سـادَتَنـا وَكُبَرائَنـا فَاَظَلُّونا السَّبِيلا)، فما كنا نُبتَلى بهذا المصير لولاهم، ثم يقولون: (رَبَّنـا آتِهِم ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ) (عذاباً لكفرهم وعذاباً لأنهم أضلونا) (وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً). فهم لا يـريدون سوى تبرير أعمالهم بكلامهم هذا، صـحيح ان لـرؤسائهم دوراً في انحرافهم، لكن هذا الأمر لا يسلب عنهم المسؤولية تجاه أعمالهم. وصحيح أن وسوسة القادة الفسدة والزعماء الضالين والمضلين جعلت حجاباً على عقولهم وأفكارهم فحال دون تفكيرهم الصحيح، إلاٍّ أن مقدمات هذا الأمر هم هيأوها بأنفسهم لأنهم سلموا أنفسهم عشوائياً الى هؤلاء من دون احراز اهليتهم للقيادة. وهنـاك خلاف بين المفسـرين في الفـرق بين سـادتا وكبرائنا، أو بالأحرى هل هناك فرق بينهما أم لا؟ يعتقد البعض ان "سادتنا" إشارة الى ملوك وسلاطين المدن والدول، [361] و"كبرائنا" اشارة الى الرؤساء المحليين، حيث عُدت طاعة السادة مكان طاعة الله، وطاعة الكبراء مكان طاعة الرسول، فقدرة وصلاحية الفريق الأول أكثر من الفريق الثاني ولهذا قُدِّم. ويعتقد البعض ان السادة اشار الى الملوك واصحاب القدرة، والكبراء اشارة الى كبار السن، ولهذا يتبعهم بعض الناس. ويعتقد آخرون ان كليهما بمعنى واحد وانهما قد وردا للتأكيد(1). ويبدو أن المعنى الأخير أنسب من جميع المعاني السابقة. وتجدر الاشارة الى أن "سادة" جمع "سيد" والسيد يعني رئيس السواد (اي الجمع الغفير من الناس، وقد اُطلق عليه سواداً من باب انه يبدو أسود اللون من بعيد) ثم اطلقت هذه المفردة على كل رجل كبير. * * * وقد تحدثت الآية الثانية عن الكفار الظـالمين الـذين اذا مـا رأوا نتيجة أعمالهم في الآخرة سعى كلٌّ منهم لإِلقاء ذنبه على الآخر، فيقول حينها المستضعفون (أي المغفّلون) للمستكبرين (أي الظلمة وأصحاب السلطة الذين أضلوا الآخرين بأفكارهم الشيطانية): لولا وساوسكم المغرية والشيطانية لَـكُنّا في صفوف المؤمنين، لقد غسلتم أدمغتنا، وأتبعناكم جهلا، وجعـلتمونا آلة بأيديكم لتحقيق مآربكم الشيطانية، وقد فهمنا الآن أن كنّا على خطأ. بالطبع لم يخرس المستكبرون عندها، بل يجيبون: (أَنحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ اِذ جائَكُم) الرسل بالبينات والحجج الكافية؟ إنكم مخطئون ونحن غير مسؤولين عن ضلالتكم، (بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ) ومذنبين لأنكم تركتم ما دعتكم إليه ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - راجع تفسير روح المعاني الجزء 22 الصفحة 87 والميزان الجزء 16 الصفحة 369 والفخر الرازي الجزء 25 الصفحة 232. [362] الرسل واتبعتم الأقاويل الباطلة بالرغم من إرادتكم واختياركم. * * * وقد أشارت الآية الثالثة الى شجار "القادة" و"الأتباع" الضالين في جهنم، فكلما دخلت امة لعنت الاخرى واعتبرتها هي المسؤولة عن شقاءها وعذابها في الآخرة، ويقول الأتباع يومذاك: (رَبَّنا هَؤُلاءِ اَضَلُّونا فَآتِهِم عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النّارِ)عذاباً لأنهم ضالّون وعذاباً لأنهم أضلونا وأغوونا. فيجيبهم الله: (لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ). إن مضاعفة العذاب لقادة الباطل أمر متوقع وليس عجيباً، إلاّ ان مضاعفة العذاب لأتباعهم أمر قد يبدو غريباً للوهلة الاولى، لكنا إذا دققنا في الأمر نجد ضرورة مضاعفة العذاب لهم، عذاب: لأجل أنهم ضالون، وعذاب: لأجل اعانتهم أئمـة الكفر والذود عنهم والقتال دونهم، كما جاء ذلك في حديث للامام الصادق(عليه السلام)عندما جاءه أحد صحابته ملعناً توبَتُه عما قدمة لبني أمية من خدمات، يقول فيه: ( لَوْلا أَنَّ بَـنِي اُميَّـةَ وَجَـدُوا مَـنْ يَـكْتُبُ لَهُـم ويُجْبِـي لَهُمْ الفِيءَ وَيُقاتِلُ عَنْهُمْ وَيَشْهَدُ جَمـاعَتَهُمْ لَمـا سَلَبُونـا حَقَّنـا)(1). * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - البحار الجزء 72 (75) الصفحة 375، وسفينة البحار الجزء 2 الصفحة 107 مادة "ظلمة". [363] إيضاحات: 1 ـ "المستضعفون" و"المستكبرون" في القرآن المجيد: تحدث القرآن المجيد مرات عديدة عـن المستكبـرين " والمستضعفين " وهو موضوع مهم وجدير بالانتباه ويمكن ان يشكل احد المباحث المستقلة في التفسير الموضوعي، الا انه ينبغي هنا الاشارة اليه بصورة عابرة مع بيان الآيات التي وردت في هذا البحث. يقول الراغب في مفرداته: ان الكبر والتكبر والاستكبار لها معان متقاربة، ثم يضيف: ان للاستكبار معنيين احدهما: أن يتحرّى الانسان ويطلب ان يصير كبيراً وذلك متى كان على ما يجب وفي المكان الذي يجب وفي الوقت الذي يجب والثاني ان يتشبّه فيظهر من نفسه ما ليس له وهذا هو المذموم وعلى هذا ما ورد في في القُرآن. وهو ما قال تعالى: (أبَى وَاسْتَكْبَرَ) (البقرة / 34). ثم يضيف الراغب: قابلَ المستكبرين بالضعفاء تنبيهاً الى ان استكبارهم كان بما لهم من القوة من البدن والمال.(1) ان الاستضعاف يقابل الاسكتبار وهو يعني طلب الضعف وقلة الحيلة، لكن بما ان هذه المادة غالباً ما تستعمل في القرآن بصفة (فعل مبني للمجهول) او (اسم مفعول)، فتعني الضعف الذي فرض عليهم من قبل المستكبرين. وقد استعملت في القرآن بصيغة الفعل المبني للمعلوم كما جاء ذلك في فرعون الذي استضعف بني اسرائيل: ( اِنَّ فِرْعَوْنَ عَـلا فِـي الأرْضِ وَجَعَـلَ أهْـلَهـا شِيَعـاً يَسْتَضْعِفُ طـائِفَـةً مِنْهُـم ) (القصص / 4) كما ينبغي ذكر هذه النقطة وهي: ان القرآن استعمل مفردة (مُتضعَف) بمعنيين: الاول المظلومون في الارض، وهم المشمولون بألطاف الله. كما جاء ذلك بالنسبة الى مستشعفي بني اسرائيل حيث قال الله فيهم: ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - مفردات الراغب مادة (كبر). [364] ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُـنَّ عَلَـى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُـوا فِـي الأَرْضِ وَنَجْعَـلَهُمْ أَئِمَّـةً وَنَجْعَـلَهُمُ الوارِثِينَ) (القصص / 5) والمعنى الثاني وهو المستعمل غالباً في القرآن المجيد: الضعفاء فكرياً بسبب جهلهم وتقليدهم الاعمى وتعصبهم، فيتبعون الظلمة والقادة الضالين عشوائياً. وهؤلاء هم الذين اشارت الآيات لالمذكورة في اول البحث الى شجارهم مع المستكبرين في يوم القيامة وصرحت انهم يستحقثون العذاب المضاعف كالمستكبرين: عذاباً لأجل انهم ضالون وعذاباً لاجل انهم ساهموا في تثبيت اسس حكومة الجبارين. * * * 2 ـ دور القادة في الروايات الاسلامية: لقد جاء في حديث للامام أمير المؤمنين(عليه السلام): "الناس بامرائهم أشبه منهم بآبائهم"(1). إن هذا الشبه يمكن أن يكون من حيث ان فريقاً من الناس يتبعون الامراء ويقتدون بهم جهلا وغفلة ويجعلون قلوبهم ودينهم رهناً لاشارات هؤلاء الامراء وايعازاتهم، ولهذا اشتهر الحديث "الناس على دين ملوكهم". إن هؤلاء الامراء في رأي بعض الناس أبطال وقدوات نموذجية واُسوات حسنة وأرفع شأناً من أن يُنتقدوا، وقد يقلّد البعض أنفسهم مناصب مقدسة فيغرروا ببعض الجهلة والعوام، ويجعلوا حجاباً أمام أفكارهم وعقولهم. ومن المتعارف ان هناك فريقاً يعتبر "القدرة" دليلا على "الحقانية"، ويعتبر ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - البحار الجزء 75 الصفحة 46، كتاب الروضة كلمات علي(عليه السلام) الحديث 57. [365] المنتصر هو الحق فرداً كان او جماعة، وهذا الاسلوب من التفكير جعلهم فريسة للكثير من الاخطاء والانحرافات في حساباتهم الاجتماعية. إن الملوك والقادة الجبارين أينما دخلوا أفسدوا، وذلك لاستغلال الضعف والعجر الفكري لدى بعض الناس، كما جاء ذلك في القرآن على لسان ملكة سبأ: (قَالَتْ اِنَّ الْمُلُوْكَ اِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ اَهْلِها اَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ)(النمل / 34). وبالرغم من ان هذا الحديث تفوه به ملك ظالم، إلاّ ان ذكره في القرآن من دون أي نقد من جهة، وصدوره من شخصية ظالمة وخبيرة بما عليه الظّلَمَة من أمثالها من جهة اُخرى دليل على واقعية هذا الحديث الشبيه بالاعتراف. ولهذا أردت مـلكةُ سبأ أن تختبـر سليمـان هـل هو ملك أو نبـي حقاً؟ فأرسلت اليه هدايا كي تعـرف ردّ فعله تجاهها، وذلك لانها تعرف ان أفـكار الملوك وقلوبهـم رهن الهـدايا والذهب والفضـة والشأن والمقـام، بينما الأنبيـاء لا يهمهم شيءٌ سوى صلاح الاُمم. * * * 18 ـ حجاب الأصدقاء الضالين ( وَيومَ يَعَضُّ الظّـالِمُ عَلَـى يَدَيْهِ يَقُولُ يـا لَيْتَنِـي اتَّخَـذْتُ مَـعَ الرَّسُـولِ سَبِيـلا * يـا وَيْلَتـى لَيْتَنِـي لَـمْ اَتَّخِـذْ فُلاناً خَلِيـلا * لَقَدْ أَضَلَّنِـي عَـنِ الذِّكْرِ بَعْـدَ اِذْ جائَنِـي وَكـانَ الشَّيْطـانُ لِلإنْسـانِ خَذُولا) (الفرقان / 27 ـ 29) [366] * * * جمع الآيات وتفسيرها: إن هذه الآيات تشرح احدى لقطات يوم القيامة، وهي لحظات تأسف الظالمين وتأثرهم من أعمالهم الى درجة حيث يعضون على أيديه. إن " يعضّ " من مادة " عضّ " ومعنـاها واضـح، والتعبيـر بـ ( يعضّ ) في العربية وكـذا في الفارسية كناية عن شدة التأسف والانزجار، وقد شوهد أنّ كثيراً من الناس إذا ما واجهوا مصيبة عظيمة ناشئة عن سـوء عمـلهم عضّوا على أيديهم أو أصـابعهم أو أظهر أكفّهم، وكأنهم يريدون عقاب أيديهم لأجل قيامها بهذا العمل. إلاّ ان المصيبة اذا لم تكن شديدة جداً اكتفوا بعضّ أناملهم كما قال القرآن حاكياً حال الكفار في سورة آل عمران الآية (119): (وَاِذا خَلَوا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ)، أو اكتفوا بعضّ ظهر احدى اليدين، اما ذا كانت المصيبة شديدة جداً فتارة يعضّون أيديهم اليسرى واخرى أيديهم المينى، والذدي جاء في الآية الكريمة هو "يَدَيْه" وهذا يكشف عن ان المصيبة عظيمة للغاية يوم القيامة، وغالباً ما يقترن العضّ بالتفوه بجمل وأقاويل مفهومها التوبيخ للنفس، ويتحد حينها الكلام مع السلوك في ابراز التعصب. ويقولون عندها: (لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ معَ الرَّسُولِ سَبِيلا * يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ اَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ اِذْ جائَنِي) إلاّ ان هذا الخليل ما سمح لهم باليقظة. وعلى هذا، فهم يعدّون الخليل الضال هو السبب الاساسي لشقاءهم، حيث جعل حجاباً أمام أفكارهم وعقولهم حال دون رؤيتهم لجمال الحق. وهنا أقوال في المراد من "فلان": احتمل البعض انه الشيطان، حيث ينتخبه الانسان ـ أحياناً خليلا، وذلكبقرينة [367] قوله في ذيل الآية: (وَكانَ الشَّيْطانُ لِلإِنْسانِ خَذُولا). ويقـول البعض: إن المـراد منـه هو نـفس الشخص الذي نـزلت في شـأنه الآية، أي "عقبة" وهو أحد الكفار المعروفين، أَسْلَمَ وارتد عن الاسلام وتخلى عن الرسول لأجل خليله "أبي"، وقتل في معركة بدر، بينما قُتِل أبي في معركة أُحد(1). لكن الظاهر أن مفهوم الآيـة ـ كما يقـول البعض ـ كـلّي شامل لـجميع الأصدقاء الضالين والموسوسين، وانّ شـأن النزول لا يُخصّصُ الاية ابداً، خصوصاً وان لمفردة "الشيطان" معنى واسعاً يشمل شياطين الجن والانس، كما ان ذكر كلمة "فلان" وبصيغة النكرة قرينة واضحة على اطلاق المفهوم(2). وقد قيل في تفسير "شركاء المشركين" الذين ذُكروا في الآية (137) من سورة الانعام: (وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِير مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكائُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِيْنَهُمْ)، انهم المتولون لمعابد الأصنام، حيث كانوا يغوون الناس ويغرونهم لتضحية أولادهم للاصنام، وبهذا التبس عليهم الحق، واُلقي حجاب على عقولهم وأفكارهم. وعلى هذا التفسير، فانّ الآية تُعدُّ شاهداً واضحاً على بحثنا أي ان الأصدقاء المضلين يشكلون حجاباً للعقل يمنعه عن المعرفة. * * * إيضاحات: دور الأصدقاء في طريقة التفكير: ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير مجمع البيان (ذيل نفس الآية) ويقول البعض: إن "أبي" الانسان الوحيد الذي قتله الرسول بيده طيلة عمره الشريف (تفسير روح البيان الجزء 6 الصفحة 205). 2 - تفسير في ظلال القرآن الجزء 6 الصفحة 156. [368] يشاهد في الروايات الاسـلامية تعـابير كثيـرة في هذا المجـال، تكشف عن ان الاصدقاء المنحرفين والمستشارين الضالين يمكنهم سرقة فكر الانسـان وتغيير موازين عقله وإغلاق طريق الحق عليه، ونذكر هنا نماذج من تلك الروايات: 1 ـ نصح الامام علي(عليه السلام) ابنه الحسن يوماً قائلا له: " يا بُني إيـاك ومصـادقة الأحمـق فانـه يـريد أن ينفعك فيضـرك ... وإيـاك ومصادقة الكذاب فـانه كالسراب يُقرّبُ عليـك البعيد ويُبعِد عليك القريب"(1). 2 ـ وقد جاء في عهد الامام علي(عليه السلام) لمالك الاشتر حول المستشارين: "ولا تُـدْخلن في مشورتـك بخيـلاً يعدل بـك عـن الفضل وَيعِدك الفقر ولا جباناً يُضعفك عن المور ولا حريصاً يزين لك الشرَه بالجور"(2). ويستفاد من التعبير الاخير ان المستشارين المنحرفين يمكنهم التأثير في فكر الانسان ويحولون دون الادراك والمعرفة. 3 ـ وقد جاء في حديث آخر لنفس الامام: "مجالسة الأشرار تُورَثُ سوء الظن بالأخيار"(3). 4 ـ وقد جاء في حديث للرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): "المرءُ على دين خليله وقرينه"(4). وبهذا يتضح تأثير الصديق الصالح أو غير الصالح على كيفية المعرفة واسلوب التفكير. * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نهج البلاغة (الكلمات القصار) الجملة 38. 2 - نهج البلاغة الرسالة 53. 3 - سفينة البحار الجزء 1 الصفحة 168. 4 - اصول الكافي الجزء 2 الصفحة 375 "باب مجالسة أهل المعاصي" الحديث 3. [369] 19 ـ حجاب الاعلام والمحيط في البداية نصغي خاشعين للآيات التالية: 1 ـ ( قـالَ فَـاِنّـا قَـدْ فَتَنّـا قَـومَـكَ مِـنْ بَعْـدِكَ فَأضَلَّهُـمُ السّـامِرىُّ ... فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَـداً لَـهُ خُوارٌ فَقَـالُـوا هـذا اِلهُـكُمْ وَاِلـهُ مُوسَي فَنَسِيَ) (طه / 85 ـ 88) 2 ـ (فَخَرَجَ عَلَى قَومِهِ فِي زِيْنَتِهِ قالَ الَّذِيْنَ يُريدُونَ الحَيـاةَ الدُّنْيـا يـا لَيْتَ لَنـا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ اِنّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيم) (القصص / 79) 3 ـ ( فَـلَمّا اَلْقَـوا سَحَرُوا أَعْيُـنَ النّـاسِ وَاسْتَـرْهَبُـوهُمْ وَجـاؤا بِسِـحْر عَـظِيم) (الاعراف / 116) 4 ـ ( وَقـالَت طـائِفَةٌ مِنْ أهْلِ الْكِتـابِ آمِنُوا بِالَّذِي اُنْزِلَ عَلَـى الَّذِينَ آمنـوا وَجْه النَّهـارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (آل عمران / 72) 5 ـ (أَمْ اَنـا خَيْـرٌ مِنْ هـذا الَّذِىْ هُوَ مَهِـينٌ وَلا يَكـادُ يُبِينُ * فَلَـوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْـهِ أسورَةٌ مِنْ ذَهَب أَوْ جـاءَ مَعَهُ الْمَـلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَـاسْتَخَفَّ قَومَـهُ فَأَطـاعُوهُ اِنَّهُم كـانُوا قَوْاً فـاسِقِينَ) (الزخرف / 52 ـ 54) * * * جمع الآيات وتفسيرها: [370] الإعلام المسموم: إن الآيـة الاولى أشارت الى قصة السامري طالب الشأن والمقام، الـذي استغل غيبة موسى(عليه السلام) اثناء ذهابه الى طور سيناء (للقاء ربه) لمدة اربعين يوماً، فجمع ذهب وحُلي بني اسرائيل وصنع منهما صنماً في صورة عجل! ويظهر انه وضعه باتجاه الريح بحيث يُخرج صوتاً رُغاءَ البقرة عند هبوب الرياح، وقد عبر القرآن عن هذا الصوت بـ "خوار" أي صوت البقرة البطيء. إنـه انتهـز الفرصة بأُسلوب خاص، حيث قام بعمله هذا بعد مضي خمس وثلاثين يوماً من غيبة موسى، أي عندما أخذت أنوار التبليغ التـوحيدي تتضاءل في قـلوب بني اسرائيل، حيث كان المفـروض اَنْ يَـرجِعَ موسى من طور سيناء بعد ثلاثين يوماً، إلاّ ان الله اخّر ميعاده لامتحان بني اسرائيل فـاتمهن أربعين ويوماً. يقول القرآن في هذا المجال: (قـالَ فَاِنّـا قَدْ فَتَنّـا قَومَكَ مِنْ بَعْدِكَ فَأضَلَّهُمُ السّـامِريُّ). وعلى أيّ حال فان انحراف بنـي اسرائيل ( الـذين ينقل ان عددهم بلغ الستمائة ألف) عن طريق التوحيد الخالص الى الشرك والكفر وعبادة الأصنام ليس بالأمر الهين، إن الآيات التي جاءت في هذا المجال في سورة " طه " وغيرها من السور وكذا التواريخ والتفاسير تكشف عن أن السامري كان يستعين بأسلوب خاص من الاعلام والتبليغ لسرقة أفكار الناس وغسل أدمغتهم، بحيث جعل حجاباً على عقولهم، فظنوا (بسبب ذلك الحجاب) ان هذا العجل هو إله موسى؟! والعجيب هنا أن الأمر بـلغ ببني اسرائيل الى حَدٍّ حيث رددوا ما قاله السامري: "هذا إله موسى"، والتعبير بـ "قالوا" شاهدٌ على هذا. والتـعبير الأخير دليل واضح على تأثير إعلام السامري الشديد، إنه كان [371] يستثمر إعلامه في الجهات التالية: 1 ـ انتهاز فرصة غيبة موسى. 2 ـ تمديد غيبته الى أربعين يوماً. 3 ـ الاستعانة بالذهب والحلي التي كانت ثمينة بالنسبة لبني اسرائيل. 4 ـ استثمار الأرضية المساعدة والنمحرفة مثل طلبهم من موسى جعل صنم إلهاً عندما نجوا من الغرق في النيل، ومرّو بقوم يعبدون الأصنام: (قالُوا يا مُوسى إجْعَلْ لَنـا إلهاً كَمـا لَهُمْ آلِهَةٌ) (الاعراف / 138). 5 ـ مكانته الاجتماعية عند بني اسرائيل واعتمادهم عليه الى حد حيث كانوا يولون له قدسية خاصة ويعدونه ربيب جبرئيل(1)! 6 ـ حب ضعفاء الفكر لأله محسوس، وعدم التفاتهم الى أن الله بعيد عن التجسيم والصفات الجسمانيه، حيث بلغ بهم الأمر أن طلبوا من موسى رؤية الله جهرة كما عكس القرآن ذلك في الآية الخامسة والخمسين من سورة البقرة. إن هـذه الامور واموراً اخـرى سببت انحراف بنـي اسرائيل عن جادة التوحيد بالكامل، واغوائهم بتبليغ السامري واعلامه وفي النهاية عبادتهم للأصنام. ولهذا، عندما رجـع مـوسى وعلم بهم، وبيّن القبح الشديد لعملهم هذا، استيقظوا من غفوتهم وصرخوا قائلين: ندمنا! ندمنا! واستعدوا لأجل قبـول توبتهم أن يقتل بعضهم بعضاً كفارة لذنبهم العظيم (البقرة / 54). وعلى أيّ حـال، فان الآية دليل واضح على حجاب الاعلام المضلل. * * * وتحدثت الآية الثانية عن "قارون" الغني والمعروف في بني اسرائيل الذي قام ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير أبو الفتوح الرازي الجزء 7 الصفحة 482، وتفسير روح البيان الجزء 5 الصفحة 414، ودائرة المعارف ـ دهخدا ـ مادة "ساري"، (بالفارسية). [372] يوماً باستعراض لثروته أمام بني اسرائيل. لقد نُقِل في التواريخ قصص كثيرة في هذا المجال، فكتب بعض في هذا المجال: ظهر قارون مع فريق يُعدّ بأربعة آلاف رجل وامرأة من الخدم والحشم والجاريات، فالرجال على خيول أَصيلة، بألبسة حمراء، والجاريات على بغال بيض سروجها من ذهب، والجميع مزينون بالحلي والحلى والذهب والمجوهرات(1). وقد قدر البعض عدد أفراد قارون بسبعين ألف، وإذا لم نعتبر هذه الارقام واقعية، فان تعبير القرآن: (فَخَرَجَ عَلَى قَومِهِ فِي زِيْنَتِهِ) يكشف عن عظمة تلك اللقطة، وقد يكون عمله هذا لأجل جعل شوكة في عين موسى(عليه السلام)، أو تثبيتاً لقدرته في بني اسرائيل، أو انه جنون عرض القدرة والثروة الذي يُبتَلى به كثير من الـمتمولين والاغنياء، وعلـى أيّ حال، فان تلك اللـقطات والاعلام المتـزامن معها كان بـدرجة من الـعظمة سـلبت عقـول الكثير من بني اسـرائيل وَأَلْقَتْ بستار على أرواحهم حتى جعلتهم يتمنون اقتناء ثروتـهُ وقـدرته، ويعدونه سعيـداً و"ذو حظ عظيم". وبعد ما جاء ذلك اليـوم الذي خسف الله الارض بقارون وثروته بسبب جرائمه وأعماله المشينة، وعلم الجميع بما حَلَّ بِهِ استيقظوا من غفلتهم وأبدوا سرورهم من حيث أنهم لم يكونوا قاروناً. إن تأثير الاعـلام لا ينحصـر فـي ذلك الزمـان فحسب، بـل في كل عصـر وهذا أمرٌ لا يُنـكر، وان كثيراً من جبابرة الماضي والحاضر يستعينون باستعراضات كاستعراض قارون لأجل تخدير أفكار الناس، وتسخيفها، وسحر أعينهم، وقد جَنَوا ثمار مثل هذه الاستعراضات ولا يزالون، وإنَّ العلماء والمفكرين الراسخين هم فقط القادرون على رفع هذه الحجب عن أفكارهم ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - راجع تفسير الرازي والقرطبي وروح المعاني ذيل الآيات في سورة القصص. [373] وأفكار غيرهم، وعلى مشاهدة وجوه الجبابرة على حقيقتها. * * * وقد بينت الآية الثـالثة جانبـاً مـن جـوانب مقارعة موسـى ضد السحرة، الذين دعاهم فرعون من جميع أرجاء مصر واغراهم بالكثير من الوعود، والذين يقدر عددم بعشرات الآلاف من السحرة طبقاً لبعض الروايات، وبخمسة عشر ساحراً طبقاً لبعض آخر (يحتمل ان يكون هذا العـدد متعلا بنفس السحرة وأعوانهم وعمالهم، كما ينبغي الالتفات الى ان السحرة كان دراجاً في ذلك العصر بكثرة). وقد اجتمع لأجل ذلك جمعٌ غفير من الناس عند الضحى في وم كان عندهم عيداً (كما عبّر عنهُ القرآن "يوم الزينة" و"ضحى" في الآية (59) من سورة طه. وقد كشفت القرائن عن ان فرعون كان واثقاً من انتصار السحرة على موسى(عليه السلام)، وذلك لانه كان قد سخر جميع وسائل الاعلام لخدمة هذه القضية. تقول الآية: (فَلَمّا اَلْقَوا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّـاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤا بِسِحْر عَظِيم). وينبغ هنا معرفة مفردتي "الاسترهاب" و"السحر" جيداً لفهم الآية. جاء " السحر " ـ لغـة ـ بمعنيين، الاول هـو الخـدعة، والثـاني هـو الشيء الذي غمضت عوامله وكانت غير مرئية، وقـد أرجع البعض كـلا المعنيين. الى معنى واحد وقالوا: إن حـقيقة السحـر هي قلب الشيء من حقيقته الى شكل آخر(1). كما قلنا في المجلد الاول من التفسير الأمثل عند تـفسير الآية (102) من ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - راجع قاموس اللغة، ومفردات الراغب، والتحقيق في كلمات القرآن الكريم، وتاج العروس. [374] سورة البقرة: ان السحر غالباً ما يعتمد على الخواص الكيمياوية والفيزياوية للمواد التي لم يعرفها الناس إلاّ ان السحرة يعرفونها جيداً وقـد اعتمدوا عليها كلياً، كما انـه جاء في التفاسير حول قصة مقارعة موسى(عليه السلام) للسحرة، اذ يحتمل ان ما جاء به السحرة هو مجموعة من العصي والحبال الجلدية الجوفاء والمليئة بمادة الزئبق الفرّار، وبما ان الحركة والتمدد الشديد من خواصه عند ارتفاع درجة حرارته، فعندما ألقوا هذه العصي والحبال بدأت بالحركة والقفز والتقلص والنبساط بفعل حرارة الشمس أو الحرارة المنبعثة من المكان الذي يحتمل وجود مصدر حرارتي تحته(1). وقد يستعين السحرة في عـروضهم ـ احياناً ـ بالشعوذة وخفة اليد، فيرى الناسُ أشيـاءً لا واقع لها، وقد شاهد كثير من الناس نماذج من هذه العروض، وقد ينشرون مواد كيميائية خاصة عن طريق العطور وتبخير اعشاب معينة بحيث تؤثر على الحاسة الباصرة وأسماع بل وحتى على اعصاب الحضور لتمثيل صور غير واقعية أمامهم. كما يحتمل انهم يستعينون بالتنويم المغناطيسي والتلقين بحيث تتمثل صور غير واقعية امام الناس. بالـطبع هناك قسم آخر من السحـر يحتمل استعانة السحرةُ به وهو تسخير الجن أو بعض الأرواح (وهذه خمسة طريق رئيسية للسحر). وقد يطلق السحـر على معنـى أوسع من المعاني السابقة، فيقال لمن حسن بيانه " له بيان ساحر " كما جاء في الحديث: إن الفتنة سحر، لانها تفرق بين الاحبّة، إلاَّ أن الذي چاء في الآية هو " سحروا أعين الناس " وهـو التـلاعب بباصرة الحضور بحيث يجعلهم يرون اموراً لا واقع لها، فيرون حية تسعى وإن لم يكن هناك حية أبداً. والشـاهد على هذا الحديث هو الآية (66) من سورة طه ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - راجع روح المعاني الجزء 9 الصفحة 22، والفخر الرازي 14 الصفحة 203، وروح البيان الجزء 3 الصفحة 213، والمنار الجزء 9 الصفحة 66، وتفاسير اخرى. [375] حيث جاء فيها: ( فَاِذا حِبـالُهُمْ وَعِصِيُّهُـمْ يُخَيَّـلُ اِلَيْـهِ مِـنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعَى)(مع انها لا تسعى ولا تتحرك لكن الزئبق ـ احتمالا ـ هو الذي جعلها تبدو هكذا). وامام " استرهبوا " فمن مادة " رَهْب " وهو الخوف المتزامن مع التحفظ والاضطراب (كما يقول الراغب في مفرداته) وقد فسر كثير من المفسرين الاسترهاب بالارهاب أي ايجاد الخوف والاضطراب، والتعبير هذا يكشف بوضوح عن استعانتهم بوسائل الاعلام والتلقين اضافة الى سحر (وغالباً ما يستعين السحرة بهذين الأمرين، بل القسم الأعظم من موفقيتهم يرجع اليهما والى حسن القيام بهما). وقد نقل ان مساحة المحل الذي عُدَّ لهذا الامر كان ميلا في ميل(1)، كما نقل أيضاً انهم أعدوا جبلا من الحبال والعصي التي تبدو وكأنّها أفاعي تسعى(2). ثم خاطب السحرة النـاس بأقاويل مثل: أيها الناس ابتعـدوا عن السـاحة لكي لا تمسكم الأفاعي بضرر لأنها خطرة ومخيفة! وامثال هذه التعابير التي أُشير اليها في بـعض التفاسير(3)، وقد تأثر بهم الناس كثيراً لأنهم سحروا أعينهم وقلوبهم، وبهذا ألقوا بحجبهم على حواس الناس وعلى عقولهم للحيلولة دون إدراك الحقائق والواقعيات. * * * لقد كشفت الآيـة الرابعة عن احدى المؤامرات الاعلامية التي حاكها اليهود ضد الاسلام، والتي كان هدفها تضعيف عقيدة المسلمين بالاسلام، وقصتها: ان فريقاً منهم أسـلموا وآمنوا ظاهراً في النهار وارتدوا عن الاسلام في الليل، ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - روح المعاني الجزء 9 الصفحة 22. 2 - المنار، وقد نقل هذا الحديث عن مفسر باسم ابن اسحاق الجزء 9 الصفحة 66. 3 - الفخر الرازي الجزء 14 الصفحة 203. [376] وعندما سئلوا عن سبب رجوعهم عن الاسلام قالـوا: إنا لاحظنا صفات محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)من قريب فوجدناها لا تتطابق مع كتبنا الدينية وأحاديث علمائنا فرجعنا عنه. إن هـذه الجملة الاعلامية سـبب في ارتـداد قـوم من المسلمـين عن الاسلام، إذ قالوا: إذا ارتدّ عن الاسلام أهل الكتاب الذين هم أفهم منّا ويعرفون القراءة والكتابة، فلابدَّ وأن الدين باطل ولا أسس قوية له، وبهذا استطاعوا أن يشوشوا على أفكار البسطاء من الناس ويلقوا بحجاب فتنتهم على عقولهم. إن مفردة " طائفة " في عبارة " وقالت طائفة " من مـادة " طواف " وتـعنى فريقاً من الناس بشكل حلقة، وكأنهم يطوفون حول موضوع ما، والمراد منـها على ما يقول بعض المفسرين: هو الاثنا عشر يهودياً من يهود خيبر أو المدينة أو نجران، حيث تألموا كثيراً عند تـغير القبلة من بيت المقدس الى الكعبة، فحاكوا هذه المؤامرة(1). إن التعبير بـ " وجه النهار " إشارة الى بداية النهار لان الوجه أول شيء يواجهه الانسان، وهو أشرف عضو، بالطبع إن الآية حكت المسألة كاقتراح اقترحه البعض وما تكلمت عن تنفيذ هذا الاقتراح، إلاّ أن القرائن أثبتت أنـهم نفذوا مؤامرتهم بعد ما حاكوها، وإلا فيُستبعد ان يذكره القرآن باهتمام بالغ، والآيات اللاحقة تحكي عن هذه الأهمية. لكننا نعلم على أي حال، انّ خطتهم الاعلامية هذه لم تترك أثراً ملحوظاً في قلوب المؤمنين الطاهرين. * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الفخر الرازي الجزء 8 الصفحة 85، وروح المعاني الجزء 3 الصفحة 176، وتفسير القرطبي الجزء 2 الصفحة 1354. [377] إن الآية الخامسة والخيرة بيّنت كذلك جانباً من جوانب مقارعة موسى(عليه السلام)لفرعون، فعندما اتجهت الانظار الى موسى وكادت القلوب أن تهتدي والأفكار أن تُصحح، قام فرعون بحملة اعلامية شديدة سعياً منه لحرف الناس عن اتجاههم نحو دين موسى، وقد انعكس في هذه الآية جانب من جوانب الاعلام الفرعوني المضلل. اعتمد اعلامه في البداية على ذكر شرفه العائلي ونسبه، وقال: "أنا خير من هذا المهين مشيراً الى موسى" (أي أعلى من هذا الذي ينتسب الى طبقة الرعاة من بني اسرائيل). كما انه "لا يكاد يبين" أي أنا أوضح منه كلاماً. وفضلا عن ذلك "فلو لا القي عليه اسورة من ذهب" أي لِمَ لم يكن له سوار من ذهب الذي كان يُعد علامة وبيان لشخصية صاحبه. ثم انّه اذا كـان صادقاً لِمَ لـم يأتِ بملائـكة معه كـي تكون شهـوداً علـى صدق كلامه؟ وبهذه الحجج الاربع ادعى بطلان نبوة موسى(عليه السلام). يقول القرآن في هذا المجال: (اِسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فأطاعُوه). إن "استخف" من مادة "خفيف" والمراد منه هنا هو ان فرعون سعى لأن يستخف عقول قومه، جاء في تفسير مجمع البيان: ان فرعـون استخف عقـول قومه فأطاعوه فيما دعاهم اليه لأنه احتج عليهم بما ليس بدليل وهو قوله: أليس لي ملك مصر ... الخ(1) (واستخفاف الطفاة للجماهير الله لا غرابة فيه; فـهم يـعزلون الجماهير أولا عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها ولا يعودون يبحثون عنها; ويلقون في روعهم ما يشاؤون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة، ومن ثم يسهل استخفافهم بعـد ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير مجمع البيان المجلد 9، الصفحة 51. [378] ذلك، ويلين قيادتهم، فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين)(1). والجدير بالذكر ان القرآن يقول في نهاية الآية: انـهم أطاعوه واستسلموا لأعلامه، وذلك لأنهم مذنبون وفاسقون، وهو يشير بذلك الى أن المؤمن الهادف والواعي لا يكون عرضة لظاهرة غسل الأدمغة، بل الفسق والذنوب هي التي تهييء الأرضية لتقبل إعلام باطل كهذا. وبتعبير آخر: فان "النفس الامارة" من الداخل، و"الوساوس الشيطانية" من الخارج يتعاضدان فيكتمان المعرفة عن الانسان. * * * ايضاحات: الجوانب المتعددة للأعلام المضلل: إن هذه القضية في عصرنا الحاضر أوضح من أن تبحث أو تُناقش، كما انه لم تخفَ على التاس في العهود الغابرة. إن الجـبابرة الذين أرادوا فرض حكومتهم على الناس، توسلوا بوسائل إعلامية مختلفة لغسل أدمغة الناس، بدء بالمكاتيب القديمة وانتهاء بالمحاريب والمنابر، وأخذاً برواة القصص والأساطيـر في المـقاهي، وانتـهاء بالكتب العلمية. والخلاصة : إنـهم استعانوا بـجميع الـوسائل المظلة للـوصول الـى مآربـهم، من تحريف التاريخ، وأشعار الشعراء، وثناء المداحين، ومراكز التقديس والاحترام عند الناس، واختلاق الاساطير والكرامات والقيم غير الواقعية، ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - في ظلال القرآن المجلد 7، الصفحة 340. [379] وغيرها من الوسائل، فانهم يستطيعون بوسائل الاعلام هذه ان يصوروا الشيطان ملكاً أو انساناً محترماً، وذلك كله للوصول الى مآربهم. وقد جاء في بعض التواريخ الاسلامية المعروفة أن طاعة اهل الشام لمعاوية بلغت درجة عجيبة، وننقل هنا عبارة المسعودي في هذا المجال: "لقد بلغ من أمرهم في إطاعتـهم له أنه صلى بهم عند مسيرهم الى صفين الجمعة في يوم الأربعاء"(1). والقصة التالية قصة معـروفة (وَلَوْ لَـمْ تكن مرويّةً فـي كتب التاريخ لكان قبولها صعباً)، حيث ان رجلا من أهل الكوفة قدم دمشق راكباً جملا في وقت كان أهل الشام يرجعون من صفين، فرآه رجل دمشقي فقال له: إن هذه الناقة لي وأنت أخذتها مني في صفين، فتنازعا فاشتكى الشامي عند معاوية (وكأنّها اتخذت صبغة سياسية) وجاء بخمسين شاهد على أن هذه الناقة له، فقضى له معاوية على أساس الشهود. فصرخ الكوفي قائلا لمعاوية: إن هذا جمل وليس ناقة (انثى الجمل)، وطلب منه أن يلاحظها بنفسه، فأدرك معاوية صدق الكوفي فيما يقوله، لكن رغم ذلك قال له: إن حكم صدر وانقضى، وبعد ما تفرّق الناس أرسل معاوية رجلا الى الكوفي، فأتاه وأعطاه ضعف قيمة جمله، وقال له: "ابلغ علياً اني اُقابله بِمِائةِ ألف ما فيهم من يُفرق بين الناقة والجمل"(2). وخلاصة القول: إن في التاريخ شواهد ونماذج كثيرة تكشف عن كيفية إغواء الطغاة والساسة لأُمم عظيمة وغسل أدمغتهم بحيث ظلوا حَيارى في متاهات الدروب، وابتلوا بمصائب كثيرة، وعند استتباب الاوضاع ورجوعها الى حالتها الطبيعية، وعند سقوط الجبار المضل، وارتفاع حجب الاعلام، يستيقظ بعض ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - مروج الذهب الجزء 2 الصفحة 72 طبعة مصر 1346. 2 - مروج الذهب الجزء 2 الصفحة 72، الامام علي صوت العدالة الانسانية الجزء 4 الصفحة 956. [380] الناس واينتبهوا لماضيهم فيتأسفوا ويندموا كثيراً. وفي العصر الحاضر اكتسب الاعلام قدرة عظيمة بدرجة انَّ في بعض الدول المتقدمة ـ اصطلاحاً ـ تأخذ وسائل الاعلام بأيدِ الشخصيات العلمية والمفكرين الواعين نسبياً الى صناديق الاقتراع ليصوتوا للشخصيات التي تدعو اليها وسائل الاعلام تلك، وقد يتصور انهم احرار على الاطلاق، بينما لا خيار لهم من جراء وسائل الاعلام تلك. إن اتساع وسائل الاعلام المسموعة والمرئية واستعانتها بفنون علم النفس يزيد في تأثير الاعلام على النفوس بدرجة يَحارُ فيها الخارجون عن دائرة الاعلام والمتكّنون من متابعة الامور من دون رأي مسبق فيها. إن هذا الأمر لم ينحصر في الامور السياسية فحسب، بل في الامور الاقتصادية كذلك، فان وسائل الاعلام يمكنها بحملة إعلامية أن تسوق المجتمع نحو استهلاك سلعة قد تكون اعتباطية أو مضرة أحياناً، وبهذا يُفرض على المجتمع اقتصادٌ سقيم. إن الاستعانة بعناوين وقيم كاذبة مثل الاستعانة بعنوان "موديل" أحد أوسع وأعقد الطرق للوصول الى هذه الأهداف غير المشروعة. كما انه يستعان بالاعلام الثقافي الغامض لفرض المذاهب الفكرية المختلفة على الشعوب، فتارة يُفرض مذهب باطل وعار عن الاسس المنطقية، وكأنه مذهب فلسفي منطقي انساني. وعلى أي حال، فمما لا شك فيه انه ينبغي رفع هذه الحجب عن المجتمع وتصحيح اتجاه المعرفة فيه، كما ينبغي عدم ترك وسائل الاعلام أن تفكر وتقرر بدلا عن المجتمع، بل يحدد عملها في توعية الناس، وتهيئة الأرضية لهم لاتخاذ القرارات الصحيحة. ينبغي ان لا يكون هدف وسائل الاعلام الجماعية هو وضع الحجب على عقول [381] الناس والتعتيم عليهم، بل ينبغي ان يكون الهدف هو رفع حجب التعصب والجهل والغفلة والتقليد العشوائي عن العقول، وهذا هو البرنامج الراقي لوسائل الاعلام في مجتمع رشيد ونموذجي، والمؤسف في عصرنا الحاضر هو قلة مثل هذه المجتمعات. إن النقص في وسائل الاعلام هو انها بيد الساسة، والأسوء من ذلك انها بيد العمالقة الاقتصاديين الذين يوجهون الناس أين ما شاءوا. حجاب وساوس الشياطين في البداية نصغي خاشعين للآيات التالية: 1 ـ ( فَلَوْلا اِذْ جـائَهُمْ بِأْسُنـا تَضَرَّعُوا وَلـكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّـنَ لَهُمُ الشَّيْطـانُ مـا كانُوا يَعْمَلُونَ) (الانعام / 43). 2 ـ ( وَجَدْتُهـا وَقَوْمَهـا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّـنَ لَهُمُ الشَّيْطـانُ أَعْمـالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ) (النمل / 42). 3 ـ ( وَعـاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسـاكِنِهِمْ وَزَيَّـنَ لَهُمُ الشَّيْطـانُ اَعْمـالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكـانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) (العنكبوت / 38). 4 ـ ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمـنِ نُقَيّضْ لَـهُ شَيْطـاناً فَهُوَ لَـهُ قَرِيـنٌ * وَاِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) (الزخرف / 36 ـ 37). 5 ـ ( وَكَذلِكَ جَعَلْنـا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواً شَيـاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ اِلى [382] بَعْض زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) (الانعام / 112). 6 ـ ( اِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى اَدْبـارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مـا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُـدى الشَّيْطـانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ) (محمد / 25). 7 ـ (يـا اَيُّهـا النّـاسُ اِنَّ وَعَدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيـاةُ الدُّنْيـا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ) (فاطر / 5). * * * شرح المفردات: إن "الشيطان" خلافاً لما يظنّ البعض ـ ليس اسماً خاصاً بابليس وعلماً له، بل له مفهوم عام، وعلى ما يُصطلح عليه فهو "اسم جنس" يشمل كل موجود متمرد وباغ ومخرّب، سواء كان من الجن أو الانس او شيئاً آخر. وهنالك قولان في اصل هذه المفردة: القول الاول هو القائل بأنه من مفردة "شُطُون" أي البُعد، ولهذا قيل للبئر العميق والبعيد قعره عن متناول الأيدي "شَطون"، ويقول "خليل بن أحمد": إن شَطَن تعني الحبل الطيول، وبما أن الشيطان بعيد عن الحق وعن رحمة الله استعملت هذه المفردة فيه. والقول الثاني هو القائل بأنه من مادة "شَيْط" ويعني الالتهاب والاحتراق غضباً، وبما ان الشيطان خلق من نار واشتعل غضباً عندما أُمر بالسجود الى [383] آدم(عليه السلام) أطلقت هذه المفردة عليه وعلى الموجودات الاخرى من أمثاله(1). "الغَرور" من مادة "غُرور" أي الخدعة والحيـلة والغفـلة عنـد اليقظة، وقد اطلقت هذه المفردة على الشيطان لأنه يغرّ الناس بخدَعِه وحِيَله ويخرجهم عن الطريق الصواب، ويغيّر رؤيتهم للحق والباطل. "الغَرور" كل شيء يغـرّ ويخدع، وهو أعمّ من المال والمقام والشهوة والشيطان، واذا فسّر أحياناً بالشيطان فقط فذلك لأنه أخبث الخـادعين والماكرين. أما "التسويل" فمن مادة "سُؤْلَ" وفي الأصل يعني الحاجة والامنية التي ترغب النفس فيها، والتسويل يعني تزيين الشيء بشكل حيث تشتاق إليه النفس، كما جاء بمعنى تزيين الاشياء القبيحة. هذا التفسير ذكره الراغب في مفرداته، إلاَّ أنه يستفاد من صِحاح اللغة وكتاب العين، أن معناها في الأصل هو الاسترخاء المتزامن مع الغرور والغفلة، ولهذا اطلقت هذه المفردة على تزيين الامور غير السائغة واظهار عكس ما هي عليه وبشكل سائغ، بحيث يُخدع الانسان من جراءها ويسترخي. وعلى أي حال، فان المراد من تسويلات الشيطان في الايات هو إظهار القبح حسناً بكشل يخدع الانسان ويحرفه. * * * جمع الآيات وتفسيرها: كيف يُزيّن الباطل؟ وكيف تُسحر العيون؟ تحدثت الآية الاولى عن فريق من الأقوام السالفة الذين أُرسل إليهم رسلٌ ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - التحقيق في كلمات القرآن الحكيم ـ مفردات الراغب ـ لسان العرب ومجمع البحرين (مادة شيطان). [384] ليؤمنـوا ويسلموا أنفسهم للحق، إلاّ انهم اعرضوا عن ذلك، فأنـزل الله عليهـم بأسه، فابتلاهم بمختلف المشـاكل والمصائب والحـوادث الصعبة، والفقر والمـرض والقـحط وغير ذلك، كي يوقظـهم من غفلتهـم، ولكـي يخضعوا للحق، إلاّ انهم اتخذوا السبيل المنحرف بدل سبيل الرشاد والرجوع الى الحق والتوبة. يقول القـرآن في هذا المجال: لماذا لم يتضرعوا بالرغم من مجيء بأسنا لهم؟ ثم يعدُّ أسـباب هذا المر ويقول: الاول هو (قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) فما كادت تخضع للحق. والثـاني هو: (وَزَيَّنَ لَهُـمُ الشَّيْطـانُ ما كـانُوا يَعْمَـلُونَ)، بـحيث أصبـحوا يرون المعـاصي صواباً والقبـح جمالا، وقد نفذ الشيـطان هنا من طريق عبادة لهوى. وبتعبير آخر: لم تؤثر فيهم لا مواعظ الانبياء اللفظية، ولا مواعظ الله العملية والتكوينية، وعامل هذا الحجاب هو قسوة القلوب من جهة، ومن جهة اخرى تزيين الشيطان لهم، بحيث سلب منهم روح التضرع والخضوع. هناك بحث بين المفسرين في المراد من "تزيين الشيطان"، فيقول البعض: انه الوساوس الشيطانية التي تبدو المحاسن فيها قبائحاً والقبائح فيها محاسناً، أو العوامل الخارجية التي تزين للانسان سوءَ أعماله، كما تُجعل المواد السامة في غلاف مُغر وجميل، وكما يُدعى للانحرافات الكبيرة تحت غطاء التمدن والافكار النيرة والحرة. وتـحدثت الآيـة الثانيـة عن هدد سليمان عندما قدم من رحلته الى بلاد الملكة سبأ، فبعد حكايته لقصة سبأ وحضارة بلادها العظيمـة قال: (وَجَدْتُهـا وَقَوْمَهـا يَسْجُدُونَ لِلَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطـانُ أَعْمـالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ). إن هذه الآيـة تكشف عن ان الهدهد بالرغم من محدودية عقله وذهنيته [385] الخاصة به وبعالمه يدرك بالاجمال حجب المعرفة، ويعرف ان الشيطان يجعل ستاراً على فكر الانسان يحول دون تمكنه من إدراك الحقائق ويغلق أبواب المعرفة عنه ويحول دون وصول الانسان الى مراده المنشود. وقد بحثنا امكانية اطلاع الحيوانات على عالم الانسان، كما بحثنا مدى معرفتها لهذا العالم في تفسير الأمثل الجزء (15) ذيل الآية (18) من سورة النمل، وفي الجزء (5) ذيل الآية (38) من سورة الأنعام. كما تحدثنا في الجزء (19) ذيل الآية نفسها عن كيفية طي الهدهد المسافة الطيولة بين الشام واليمن ووصوله الى بلاد سبأ. * * * وقد تحدثت الآية الثالثة عن قوم عاد وثمود وطغيانهم وعصيـانهم ثـم هلاكهم، كما عرضت على عرب الحجاز مدنهم الخربة التي يمرون بها عند رحلاتهم الى الشام واليمن كعبرة لهم، ثم أشارت الى السبب الأساسي في إهلاكهم وهو تزيين الشيطان لأعمالهم بحيث ما كادوا يبصرون شيئاً ولا يعقلون رغم امتلاكهم للابصار والعقول، وقد قالت الآية: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطـانُ اَعْمـالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكـانُوا مُسْتَبْصِرِينَ). إن عبارة (وَكـانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) ـ كما يقول كثير من المفسرين ـ تعني غفلتهم وعدم تدبرهم في الحقائق بالرغم من امتلاكهم للعقول والحواس واقتدارهم على الاستدلال والتمييز بين الحق والباطل(1). وقد جاء في تفسير الميزان: إنهم كانوا يعرفون طريق الحق بفطرتهم إلاّ ان ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - مجمع البيان الجزء 7 الصفحة 283، روح البيان الجزء 6 الصفحة 468، كما نقل هذا عن بعض المفسرين في تفسير القرطبي. [386] الشيطان زيَّن لهم أعمالهم فمنعهم عنه(1). ويقول البعض: إن المراد من العبارة هو معرفتهم للحق بواسطة دعوة الأنبياء وتعاليمهم(2). إن الآية بجميع تفاسيرها (سواء قبلنا أحـدها أو قبلنا الجميع لعدم المنافاة بينها) شاهد على ما قلناه من أن تزيين الشيطان يجعل حجاباً على عقل الانسان وفكره. * * * وقد بينت الآية الرابعة بصورة عامـة مصير الـذي يعشو عن ذكر الله ويغفـل عنه وقالت: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ ... وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ). ذَكر المفسرون وائمـة اللغة معنيين لفعل " يَعْشُ "، فقـال بعض: إنه ظـلام خاص يحلُّ في ا لعين يفقد الانسان من جراءه بصره ويكون أعمى أو أعشى (أي لا يرى في الليل) وهو من مادة "عَشَى"، كما يقال "عشواء" للجمل الذي لا يرى أمامه ويخطأ عند المشي، وعبارة "خبط عشواء" إشارة الى هذا المعنى. وعلى هذا فيكون معنى الآية الشريفة هو: إنَّ الذي لا يـرى آيات الله في الكون بعينه، ولا يسمعها عن أَلْسِنَةِ أنبياءه، فانه سيقع في فـخّ الشيـطان وتسويلاته. وقال بعض آخر: إنّها من مادة "عَشْو"، وعندما تستعمل مع "الى" فتعني الهداية ببصر ضعيف، وعندما تستعمل مع "عن" فتعني الاعراض(3). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الميزان الجزء 16 الصفحة 131. 2 - تفسير الفخر الرازي الجزء 25 الصفحة 66. 3 - يقول بعض المفسرين: إن هذه المفردة إن كانت من مادة (عَشَا، يَعْشو)، فتعني التعامي من دون أن تكون علة في بصره، أما اذا كانت من مادة (عَشَى: يَعْشا)، فتعني حصول علة في بصره، روح البيان الجزء 8 الصفحة 368، وينبغي الالتفات هنا الى انها في الآية من باب (عَشَا، يَعْشو). [387] وعلى هذا فيكون المراد من الآية هو: إن الذين يعرضون عن ذكر الله فَنُقَيِّضُ ونسلط الشيطان عليهم(1). إن "نُقَيّضُ" من مادة "قَيْض" وتعني قشر البيض ثم استعملت بمعنى الاستيلاء، واستعمال هذه المفردة في الآية أمرٌ مثير، حيث يكشف عن ان الشيطان عندما يَنْقَضُّ على الانسان يحيط به من جميع الجهات، ويقطع اتصاله بالخارج بالكامل كما تفعل قشرة البيض بالبيض، وهذا أسوء أنواع حجب المعرفة التي يُبتَلى بها الانسان، كما ان هناك مثلا عند العرب يقرب معنى الآية للأذهان "استيلاء القيض على البيض". والأسوء من هذا هو ان احاطة الشيطان بالانسان واستيلاءه عليه ومقارنته له تستمر الى درجة تجعله يفتخر بضلالته ويحسب ان طريقه هو طريق الحق والهداية (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ). * * * وقد تحدثت الآية الخامسة عن شياطين الانس والجن الذين نصبوا العداء للانبياء والذين أعدوا أنفسهم لابطال فاعلية تعليم الأنبياء، ويوحي بعضهم الى بعض أقاويل مزخرفةً باطلةً لا أساس لها من الصحة، كما يعلّم بعضهم الـبعض طرق المكر والخداع، وذلك لاغفال الناس وكتم الحقائق وجعل الحجب عليها، وإبعاد الناس عن تعاليم الأنبياء. وينبغي ذكر هذه النقطة هنا وهي: إن العدو ذكر بصيغة المفرد، بينما الشيطاين بصيغة الجمع، وهذا قد يكون من حيث ان الشياطين متحدون ومتفقون في سبيل إغفال الناس وخداعهم وكأنهم عدو واحد. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - راجع لسان العرب ومفردات الراغب وتفسير القرطبي وروح البيان والميزان. [388] ويقول البعض: إن "عدو" هنا بمعنى أعداء أي بمعنى الجمع(1). كما صرح بعض آخر: إن "العدو" تطلق على المفرد والمثنى والجمع(2). * * * والآية السادسة هي من آيات سورة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) التي أُشير فيها الى حجب متعددة من حجب المعرفة، فتارة تعدّ الفساد في الارض وقطع صلة الرحم سبباً للعمى الباطني لهم (الآية 23)، وتارة اخرى تعد ترك التدبر في القرآن بمثابة الاِقفال على القلوب. والآية المذكورة تعدُّ تزيين الشيطان وتسويلاته سبباً لارتداد الضالين، حيث يتبين لهم الحق ويؤمنون به أولا، ثم ينحرفون عنه من جراء تسويلاته وتزيينِهِ لهم الى درجة يفتخرون فيها بضلالتهم الاخيرة. من هم المشار إليهم في الآية؟ هذا ما بحثه المفسـرون وانقسمـوا مـن جراءه الى فـريقين، فبعض يقـول: إنهم اليهود، حيث كانوا مؤمنين بالرسول قبل ظهوره لما توحيه إليهم كتبهم عن ذلك الرسول، ثم سلكوا سبيل العناد والمخالفة له بعد ظهوره، ويُعدُّ هذا ارتداداً نوعاً ما. وبعض يقول: إنها تشير الى المنافقين الذين آمنوا في البداية ثم ارتدوا بعد ذلك، أو أنهم آمنوا ظاهراً وهم كافرون باطناً، لكن مع الالتفات الى كون الآيات التي سبقت هذه الآية والتي تليها ناظرة الى المنافقين، لا يبعد أن تكون هذه الآية تشير إليهم كذلك فالمراد من الآية ـ إذن ـ المنافقون الذين آمنوا في البداية ثم ارتدوا بعد ذلك. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - روح العاني الجزء 8 الصفحة 4. 2 - المنار الجزء 8 الصفحة 5. [389] إن "أملى لهم" من مادة "املأ" أي الإِمهال(1)، والمراد منها هو الآمال البعيدة التي يوحيها الشيطان للانسان، الآمال التي تشغل فكر الانسان وتزين له الباطل وتبعده عن الحق. * * * إن سابَع وآخر آية أنذرت الناس ـ بتعبير واف ـ بأن وعد الله حق، ثم ذكر عاملين للضلالة والانحراف عن الحق، الاول الدنيا (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا)، والثاني الشيطان (وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ) فتارة يؤملكم بكرمه وينسيكم غضبه، وتارة اخرى يغويكم بشكل بحيث تنسون الله وتعاليمه، أو تبدو تعاليمه مقلوبة لديكم. إن "غرور" ـ كما أشرنا سابقاً ـ هو كل ما خدع الانسان، سواء كان مالا أو جاهاً أو شهوات أو غير ذلك، وبما أن الشيطان أوضح مصداق للخداع، أطلق عليه ذلك كثيراً، وفُسِّر به(2). يعتقد كثير من المفسرين ان عبارة (لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ) تلميح الى أنَّ الشيطان غَرَّ الانسان بَعفو الله وكرمه بدرجة يمكّنه من ارتكاب أي معصية أراد، ويبلغ به الأمر أن يعتقد بأن هذا ناشيء عن كمال معرفته لصفات الله! وهذا أمر عجيب. وحالة كحاله من يتصور أن جسمه قوي وذو مناعة تمكنه من مقاومة جميع السموم المهلكة، فيخدعه تصوره ويتناول السم فيموت. وهذا هو أحد حجب المعرفة. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - ينبغي الالتفات هنا الى ان أصل هذه المادة هو "مَلْو" لا "مَلأَ" ـ بالهمزة ـ . 2 - إن "الغرور" صيغة مبالغة. [390] * * * إيضاحات: 1 ـ من هو الشيطان؟ إن "الشيطان" ـ وكما قلنا سابقاً ـ ليس اسماً خاصاً أو علماً لإبليس، بل إن إبليس الذي امتنع عن السجود لآدم هو أحد الشياطين. إن لإبليس جنوداً كثيرة من جنسه ومن الناس، وتطلق مفردة الشيطان على الجميع، وعلى هذا فقادة الكفر والشرك والظلم والفساد في الارض، والعاملون في الاجهزة الظالمة كلهم من جنود الشيطان، ولقد جاء في رواية أن هناك شياطينَ من الانس أسوء من شياطين الجن، حيث سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أبا ذر يوماً: "هل تعوّذت بالله من شر شياطين الجن والإنس"؟ فقال أبو ذر: وهل من الناس شياطين؟ فاجابه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): "نعم هم شرٌ من شياطين الجن"(1). كما ان المستشفَّ من القرآن هو أن للشيطان جنوداً فرساناً وراجلين كما جاء ذلك في سورة الاسراء الآية (64": (وَاَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ). إن "اجلب" من مادة "إجلاب" ويعني التجمع السريع أو الضجيج والصياح لحثّ مجموعة ما على الحركة. أما المراد من "خيلك ورَجِلك"، فيقول الكثير من المفسرين: إنه الراجل أو الفارس الذي يخطو في معصية الله، أو قاتل في هذا السبيل(2). ويقول البعض: إن للشيطان أعواناً وأنصاراً راجلين وفرساناً حقاً. وحمل البعض العبارة على الكناية، وقال: المراد من الآية هو ان الشيطان أعدَّ ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الفخر الرازي الجزء 13 الصفحة 154. 2 - نقل القرطبي هذا التفسير عن أكثر المفسرين. [391] العِدَّة ووفّر جميع الوسائل لصراع ومجابهة الناس(1). كما يحتمل ان يكون المراد من الخيل هو قادة الكفر والظلم والفساد، ومن الرجل، الشخصيات المتوسطة الأضعف من الشخصيات السابقة. كما يحتمل ان يكون المراد من الخيل هو الشهوات والصفات الذميمة التي تتغلب على روح الانسان وتمتطيها، والمراد من الراجلين هو العوامل الخارجية التي تسعى لانحراف الانسان عن الصراط المستقيم. * * * 2 ـ الإجابة على سؤال: هناك سؤال يرتبط بحثنا وهو: كيف أمكن أن يتركنا الله لوحدنا نواجه جنود الشيطان القوية والقاسية؟ وهل يتفق هذا مع حكمة الله وعدله؟ يمكننا الاجابة على هذا السؤال بالالتفات الى نقطة، وهي: إن الله ـ وكما جاء في القرآن الكريم ـ يجهز المؤمنين بجنود رحمانية، أي الملائكة، ويوظف القوى الغيبية التي في العالم لأن تتماشى معهم في طريق جهاد النفس والعدو: (اِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلاِكَةُ اَلاّ تَخافِوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوْعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيائُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآخِرَةِ) (فصلت / 30 ـ 31) ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - ذكر الفخر الرازي هذا التفسير كاحتمال في تفسيره الجزء 21 الصفحة 6، وقد جاء ما يشبه هذا الاحتمال في تفسيره (في ظلال القرآن) الجزء 5 الصفحة 343. [392] * * * 3 ـ النقطة المهمة الاخرى: هي: إن الشيطان لا يدخل قلوبنا فجأة ولا يعر حدود دولة الروح من دون جواز، إن هجومه ليس مباغتاً بل يدخل برخصتنا، نعم انه يدخل من الباب الا من النافذة، ونحنُ نفتح له الباب، كما يقول القرآن في هذا المجال: (اِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ـ اِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) (النحل / 99 ـ 100). في الحقيقة ان أعمال الانسان هي التي توفر الأرضية لنفوذ الشيطان، وذلك ما يقوله القرآن: (اِنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوْا اِخْوانَ الشَّياطِينِ) (الاسراء / 27). إلاّ انه لا طريق للنجاة من مكائد الشياطين المتنوعة وجنودهم في أشكالها المختلفة من الشهوات ومراكز الفساد والسياسات الاستعمارية والمذاهب المنحرفة والثقافات الفاسدة، إلاّ اللجوء الى الايمان والتقوى والتظلّل بألطاف الله والتوكل على ذاته المقدسة، وكما يقول القرآن: (وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ اِلاَّ قَلِيلا) (النساء / 83). * * * وقد انتـهت الى هنا حجب المعـرفة العشرين، فننتقل معـاً الى مؤهلات المعرفة. [393] [394] مؤهلات المعرفة [395] [396] 5 ـ مؤهلات المعرفة تمهيد: كما ان البذور تنمو في الاراضي الخصبة، وكما أن الأزهار لا تتفتح في الاراضي المالحة بالرغم من استعمال أفضل البذور، ونزول المطر المتوالي عليها، كذلك بذور المعرفة فانها لا تنمو إلاّ في القلوب الصالحة والمؤهلة، ولا تتفتح أزهارها إلاّ في الارواح الطاهرة. ولهذا السبب فان الاطلاع على الروحيات والاعمال التي تهييء وتُعِدّ أرضية المعرفة يعد من أهم البحوث التي تتعلق بـ "المعرفة"، وقد استعمل القرآن في هذا المجال تعابير ذات معان عميقة وإشارات جميلة. وبالرغم من ان المؤهلات للمعرفة كثيرة، إلاّ أن الاسس المهمة والتي أشار إليها القرآن عبارة عن الامور التالية: 1 ـ التقوى. 2 ـ الايمان. 3 ـ الخشية والاحساس بالمسؤولية. 4 ـ تزكية النفس. 5 ـ الوعي. [397] 6 ـ المعرفة. وسنبحث كلا من هذا الامور في فصل خاص بعد ذكر الآيات التي تتعلق بها، كما سنستعين بالروايات الاسلامية في هذا المجال كمؤكد وموضّح لها ان شاء الله. * * * 1 ـ علاقة التقوى بالمعرفة في البداية نصغي خاشعين للآيات التالية: 1 ـ (اَلم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيْهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة / 1 ـ 2) 2 ـ (يا اَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) (الانفال / 29) 3 ـ (وَاتَّقُوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله وَالله بِكُلِّ شَىْء عَلِيمٌ) (البقرة / 282) 4 ـ (يـا اَيُّهـا الَّـذِينَ آمَنُوا اِتَّقـوا الله وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كَفِـلَينِ مِنْ رَحْمَتِـهِ وَيَجْعَلْ لَكُـمْ نُـوراً تَمْشُـونَ بِـهِ وَيَغْفِـرْ لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الحديد / 28) * * * شرح المفردات: [398] إن "التقوى" من مادة "وِقاية" وتعني ـ كما يقول الراغب في مفرداته ـ حفظ الشيء من الآفات. ثم يضيف: ان التقوى بمعنى حفظ الروح والنفس ممّا يخشى مضرته، ثم اطقت على الخوف، كما ان التقوى في الشرع تطلق على التحفظ من المعاصي، وكمالها ترك بعض المباحات المشكوكة(1). ولباقي أئمة اللغة تعابير تشبه ما جاء في المفردات، فقد فسرها بعض بالصيانة(2)، وبعض اخر بـ "الامتناع عن القبائح والأهواء"(3). وقد نقل عدد من المفسرين حديثاً عن بعض الصحابة أنهم سألوا عن حقيقة التقوى فأجيبوا: "هـل مـررت بطـريق مليء بالاشواك في يـوم ما؟ قـال السائل: نعم. قـال: الم تجمع ثيابك وترفع اذيالك وتسعى للخلاص م الاشواك؟ فحالتك هذه هي التقوى". نعم، إن الطريق الى الله مليءٌ بأشواك كثيرة كاشواك الشهوات والميول والأهـواء والآمـال البعيدة والكاذبـة، ومن هنا ينبـغي علـى الانسـان أن يحافظ على ثبات روحه دون ان تمس الاشواك أقدام روحه فتمزقها، ينبغي أن لا تشغله دون إنهاء هذا الطريق. وهذ لا يمكن إلا باليقظة والمعرفة والخبرة ومراقبة النفس على الدوام. وبتعبير أبسط: إن التقوى هي الوقاية من الآفات التي تعترض الروح في طريق التكامل، وتجنّبُ الذنوب والشبهات حتى الحصول على الملكة. وقد ذكر بعض المفسرين معانيَ عديدة للتقوى، وجاؤوا بشاهد من القرآن لكل ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - مفردات الراغب مادة وقى. 2 - لسان العرب نفس المادة. 3 - مجمع البحرين، نفس المادة، كما ينبغي الالتفات الى أن أصل مفردة التقوى هو "وَقى" فانقلبت الواو تاءً، كما ذكر ذلك لخليل بن أحمد في كتابه "العين". [399] منها، وفي الحقيقة إن كلا منها مصداق من مصادق التقوى، مثل التوبة والطاعة والاخلاص والايمان (العبادة والتوحيد)(1). ويقول البعض: إن حقيقة التقوى هي أن يجعل الانسان حائلا أو مانعاً أمام آفة ما، فكما يدفع الانسان تأثير ضربات العدو بالدرع، كذلك المتقون فانهم يصونون أنفسهم من عذاب الله بواسطة درع طاعة الله(2). نقسّم التقوى الى ثلاث مراحل: التقوى عن الكفر، والتقوى عن الذنب، والتقوى عما ينسي الانسان ذكر ربّه(3). ولكن ـ كما هو واضح ـ فانَّ المعاني هذه كلها ترجع الى المعنى الأساسي الذي ذُكر للتقوى في البداية. * * * جمع الآيات وتفسيرها: اتقوا كي يسطع نور العلم على قلوبكم! يقول الله عزّ وجلّ في الآية الاولى: (ذلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدى لِلْمُتَّقِينَ)والتعبير هذا يثبت بوضوح تأثير التقوى على المعرفة كمؤهل لها. وهذه هي الحقيقة، فمـا لم تحصل في باطن الانسان مرحلة من مراحل التقـوى، لا يمكنه الاستفاضة من ينابيع الكتب السماوية، وأقل التقوى هو أو يسلـم الانسان نفسه الى الحق ويترك العناد، فان الذين يفتقدون هذه المرحلة من التقـوى، سوف لا يرتفعون الى أدنى درجة من درجات المعرفة ولا يتقبلون الهداية أبداً. طبيعي ان الانسان كلما كانت روح التقوى والتسليم الى الحق وقبول الحقائق ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - وجوه القرآن الصفحة 55، وتفسير الفخر الرازي الجزء 2 الصفحة 20. 2 - روح البيان الجزء 1 الصفحة 30 و 31. 3 - روح البيان الجزء 1 الصفحة 30 و 31. [400] والواقعيات قوية عنده كانت استفاضته من ينبايع الهداية أكثر. إن ينابيع الهداية وعلى رأسها القرآن المجيد كالغيث الذي يحيي الارض ويفتح أزهـا المعرفة فيها، وهذا يحـدثُ في الارض الخصبة فقط لا في كـل أرض. إن التعبير بـ "هدى" أي بصيغة المصدر، تأكيد لحقيقة أن روح التقـوى اذا استيقظت عند الانسان وأصبحت فعالة، فان القرآن سيصبح الهداية ذاتا (تأمل جيداً). وفي هذا المجال يقول بعض المفسرين العظام: "ان الهداية الثـانية لما كانت بالقرآن فالهداية الاولى قبل القرآن وبسبب سلامة الفطرة، فان الفطرة اذا سلمت لمت تنفك من أن تنتبه شاهدة لفقرها وحاجتها الى امر خارج عنها، وكـذا احتياج كل ما سواها ممـا يقـع عليـه حس أو وهم أو عقل الى امر خارج تقف دونه سلسلة الحوائج، فهي مؤمنة مذعنة بوجود موجود غائب عن الحس، منه بدأ الجميع وإليـه ينتهي ويعود، وانـه كـما لم يهمل دقيقة من دقائق ما يحتاج اليه الخلق كذلك لا يهمل هداية الناس الى ما ينجيهم من مهلكات الأعمال والاخلاق وهذا هو الاذعان بالتوحيد والنبوة والمعاد وهي اصول الدين"(1). كما يقول الفخر الرازي: والبعض الاخر ذكر في حصر الهداية بالمتقين لان الله تعالى ذكر المتقين مدحاً ليبين انهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال: (انما انت منذر من يخشاها)وقال: (انما تنذر من اتبع الذكر) وقد كان عليه السلام منذراً لكل الناس، فذكر هؤلاء الناس لاجل ان هؤلاء هم الذين انتفعوا بانذاره(2). وقد استنتج الفخر الرازي في بعض عباراته: ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الميزان الجزء 1 الصفحة 42. 2 - تفسير الفخر الرازي الجزء 2 الصفحة 21. [401] "ولو لم يكن للمتقي فضيلة الاّ ما في قوله تعالى (هدى للمتقين) كفاه لانه تعالى بيّن ان القرآن هدى للناس في قوله تعالى: (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس) ثم قال: انه هدى للمتقين فهذا يدل على ان المتقين هم كل الناس فمن لا يكون متقياً كانه ليس بانسان(1). وبالـرغم من عدم تنـافي التفاسير الماضية، إلاّ أن التفسيـر الأول يبـدو أوضح، ومن هنا يعرف سُقـم الرأي القائل (بحمل "المتقين" في الآية على المجـاز، والقول بأن المراد منهم سالكـو طريق التقوى، وذلك للحيلولة دون الوقـوع في اشكال (تحصيل حاصل)، وذلك لان للتقـوى ـ وكـما قلنا ـ مراحل ودرجات، فمرحلة منه تؤهل لهداية القرآن، والمراحل الرفيعة الاخرى تكون وليدة هداية القرآن. ويُطـرح هنا سؤال وهـو: إن الآيـات التـي جاءت بعـد " هدىً للمتقين " عرفت المتقين بالذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصـلاة ويؤتون الزكاة، وعلى هذا، افلا تكون هداية القرآن تحصيلا للحاصل يا ترى؟! إن الاجـابة على هذا السـؤال تتضـح بالالتفات الى نقطة في هذا المجال وهي: إن الوصول الى هذه المـراحل المذكورة في السؤال ليست نهـاية الطريق، بل هناك مراحل كثيرة اخرى ينبغي طيها لبلوغ المرحلة التكاملية اللائقة بالانسان، وهـذه المرحلة عند المتقين ستهديهم الى مراحل ارفع واسمى بالاستعانة بهداية القرآن. وتوجد تعبيرات في القرآن تشبه ما جـاء في الآية السابقة، مثلما جاء في الآية (48) من سورة الحاقة (وَاِنَّه لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتِّقِينَ). فعدت الآية الاولى القرآن "هدى" للمتقين وسبباً لهدايتهم، والثانية "تذكرة" لهم، ونعلم أن "التذكر" من مقدمات "الهداية"، ولهذا عندما وصل عدد من ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الفخر الرازي الجزء 2 الصفحة 21. [402] المفسرين الى هذه الآية أرجعوا الحديث فيها الى نفس الحديث في بداية سورة البقرة. وعلى أية حال، فان هذه الآيات شاهد ناطق على دور التقوى كممهّد للمعرفة والهداية. * * * وقد وضحت الآية الثانية علاقة التقوى بالمعرفة توضيحاً أكثر من الآية السابقة وصرحت: (يا اَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً). إنَّ " الفرقان " ـ كما يقـول بعض أئمـة اللغة ـ: ( اسم مصدر )، وادعـى بعض آخر أنه (مصدر) إلاّ أن أغلب المفسرين يصرحون بأن له ـ في موارد كهذا المورد ـ معنى فاعلياً مقروناً بالتأكيد (أشبه ما يكون بمفهوم صيغة المبالغة)، ومعناه الشيء الذي يفرق بين الحق والباطل، وله مفهوم واسع يشمل القرآن المجيد ومعجزات الانبياء والأدلة العقلية الواضحة وشرح الصدر والتوفيق والنورانية الباطنية وغير ذلك(1). وبهذا، فالقرآن يقول بان "التقوى" هي الارضية التي تعد للمعرفة والتي يمكن الاستدلال بها تماماً في بعض المراحل، وتنطوي في المراحل الاخرى ضمن الامدادات الالهية المعنوية. سمى القرآن المجيد يوم معركة بدر "يوم الفرقان"، وذلك من حيث أنه يوم شهد آيات الله البارزة تؤيد جند الاسلام ضد جند الشرك، فبالرغم من عِدَّة وعدد المشركين الذي يقدر بثلاثة أضعاف عدد المسلمين، تحملوا ضربات قاسية من المسلمين لم يتوقعها أحد. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - راجع المفردات، وكتاب العين، ولسان العرب، ومجمع البحرين، والميزان، والكشاف في ذيل الآية نفسها. [403] إضافة الى هذا، فان معركة بدر كانت أول مواجهة مسلحة بين المسلمين والمشركين انفصلت بها صفوف المسلمين عن المشركين، ولذا سميت بـ "يوم الفرقان". وينبغي الالتفات الى أن "فرقاناً" جاءت بصيغة نكرة ومطلقة، فدلّت على عظمة ذلك النور الالهي وعلى سعته، بحيث يشمل المسائل الاعتقادية والعملية وكل ابداء رأي تجاه امور الحياة المهمة، وعلى هذا، فثمرة شجرة التقوى هي الولوج في كل خير وبركة والابتعاد عن كل شرٍّ وفساد. يقول الفخر الرازي في شرحه لهذه الآية: بما أن لفظ الفرقان مطلق فينبغي حمله على كل ما يفرق المؤمنين عن الكافرين، فهذا الفرقان إِما في أحوال الدنيا وإِما في أحوال الآخرة، والذي يتعلق بأحوال الدنيا إِما انه يتعلق بالقلب وهي الاحوال الباطنة او في الاحوال الظاهرة، فبالنسبة للقلب والباطن فالله يهدي قلوب المؤمنين ويلقي فيها المعرفة ويشرح صدورهم ويمحو عنـها الحقد والحسد والبغض والعداوة، بينما يمتليء قلب المنافق والكافر من هذه الرذائل والصفات السيئة، لأن القلب اذا تنور بنور الايمان زالت ظلمات هـذه الرذائل عنه، أما الذي يتعلق بالظاهـر، فالله ينصر المسلمين ويفتح لهم ويمنحهـم الرفعة(1). * * * والآية الثالثة التي هي جزء صغير من أطوال آية في سورة البقرة أي الآية (282)، بعـد ان بيّـنت عدداً مـن الأوامر الالهيـة قالت: (وَاتَّقُـوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الفخر الرازي الجزء 15 الصفحة 153 (بتلخيص). [404] يقول القرطبي في تفسيره: "انه وعدٌ من الله تعالى بأن من اتقاه علّمـه، أي يجعـل في قلبـه نوراً يفهم بـه ما يُلقى اليه، وقد يجعل الله في قلبه ابتداء فرقاناً، اي فصلا يفصل به بين الحق والباطل"(1). إن هذا الحديث لا يعني ترك كسب العلم، والاكفتـاء بتهـذيب النفس ـ كما يقول بعض الصوفية وأشخاص منحرفون ـ بل المراد هو ان التقوى تهيـيء الأرضية لكسب العلم الحقيقي أشبه ما يكون بالأرض الخصبة والمُعدَّة لنثر البذور. صـحيح أن جمـلة " اتقـوا الله " ليسـت شـرطاً وأن جمـلة " يعلمكم الله " ليست جزاء لها (ولهذا أنكر البعض العلاقة بين التقوى والعلم المستفادة من هذه الآية)، لكن ممّا لا شك فيه هو أن اقتران أحدهما بالآخر لم يكن اعتباطاً، بل هو تلـميح الى العلاقـة الموجودة بين هذين الاثنين، وإلاّ فيعرض انسجام الآية للسؤال. * * * إن رابع وآخر آية بيّنت العلاقة بين التقوى والمعرفة بوضوح، فبينت ثلاثة أجور للذين يتقون الله ويؤمنون برسوله. الأول يوتيهم الله كفلَيْنِ أو نصيبين من رحمته، نَصيباً لايمانهم ونصيباً لتقواهم، أو نَصيباً لأجل ايمانهم بالانبياء السالفين ونصيباً لأجل ايمانهم بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبالرغم من ان المخاطبين في الآية مؤمنون إلاّ أن الله يأمرهم أن يؤمنوا بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما ان شأن نزول الآية يين انها بصدد فريق من نَصارى الحبشة الذين سمعوا القرآن وآمنوا بنبي الاسلام(صلى الله عليه وآله وسلم)(2). ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير القرطبي الجزء 3 الصفحة 406. 2 - الكِفْل: ما يعيل الانسان ويرفع حاجته، ويعتقد البعض ان هذه المفردة حبشية دخيلة على العربية. [405] والثاني: هو جعل الله لهم نوراً ـ لأجل ايمانهم وتقواهم ـ يهتدون به في صراطهم: (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ). وبالرغم من أن البعض أراد تقييد مفهوم الآية والقـول بأن النـور الـذي ذُكِرَ فيها إشارة الى النور الذي يسعى بين أيدي المؤمنين وبإيمانهم في يوم القيامة (كما تشيـر الى ذلك الآيـة 12 من سـورة الحديد: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤمِنـات يَسْعَى نُـورُهُم بَينَ أَيْـدِيهِمْ وَبِاَيْمـانِهِم))، لـكن لا دليل لهم على هذا التقييد، بل ان مفهومها ـ وكما يقول صاحب الميزان ـ واسع يشمل الأنوار الالهية كلها في الدنيا والاخرة، وعلى هذا فتكون الآية شاهداً على العلاقة بين "التقوى" و"المعرفة". أمّا الأخير فهو: (وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ) وهذا كله لأجل ايمانهم وتقواهم. * * * إيضاحات: 1 ـ علاقة العلم بالتقوى في الروايات الاسلامية: وفي الروايات الاسلامية ايضاً تم بيان مدى تأثير القوى على مسألة العـلم، هذه الروايات تبين بوضوح ان تطهير القلب والروح بالتقوى يعد الارضية لتلقي المعارف الالهية. نذكر هنا الأحاديث التالية كنماذج لما جاء في الروايات الاسلامية: ونقرأ في حديث عن امير المؤمنين(عليه السلام) انه قال: "من غرس اشجار التقى جنى ثمار الهدى"(1). 2 ـ وجاء ايضاً في احدى خطب نهج البلاغة انه قال: ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - غرر الحكم. [406] "اما بعد فاني أُوصيكم بتقوى الله .. فان تقوى الله دواء داء قلوبكم وبصر عمى افئدتكم وشفاء مرض اجسادكم وصلاح فساد صدوركم وطهور دنس انفسكم وجلاء عشأ ابصاركم"(1). 3 ـ وفي حديث عنه ايضاً أنه(عليه السلام) قال: "للمتقي هدىً في رشاد وتحرّج عن فساد"(2). 4 ـ ونقرأ ايضاً في نهج البلاغة انه(عليه السلام) قال: "اين العقـول المستصبحة بمصـابيح الهـدى والابصار اللامحة الى منـار التقوى"(3). 5 ـ ونختـم حـديثنا بحديث ذي معنـى عميق عن الرسـول(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: جاء في وصيّة الخضر لموسى(عليه السلام): "يا موسى وطِّـن نفسك على الصبـر تلق الحلـم واشعـر قلبك التقوى تنـل العلم وَرَضّ (روّض) نفسـك على الصبر تخلص من الاثم"(4). * * * 2 ـ كيفية الارتباط بين ينابيع العلم والتقوى؟ ما هو تأثير التقوى واجتناب الذنوب وترك التلوث بها على مسألة المعرفة؟ وبتعبير آخر: ما هي العلاقة المنطقية بين العلم والأخلاق؟ في الحقيقة إن لهذين الاثنين علاقة تقارب قوية، وأي علاقة أقرب وأوثق من العلاقة المتبادلة بين هذين الاثنين؟ فالتقوى ينبوع العلم، كما ان العلم ينبوع ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نهج البلاغة خطبة رقم 198. 2 - غررر الحكم. 3 - نهج البلاغة خطبة رقم 144. 4 - منية المريد للشهيد الثاني (ينقل عن بحار الانوار الجزء 1 الصفحة 227). [407] التقوى، وليس هذا بامر طبيعي فحسب بل انه اصل اساسي للسير في طريق المعرفة. فيمكن الاستدلال على تأثير التقوى على العلم بالطرق التالية: أ ـ إن السنخية والتنسيق تسببان الجاذبية والارتباط دائماً. فعندما تتطهر روح الانسان وتزكى بالتقوى تحصل جاذبية قوية بينها وبين المعارف والعلوم الحقيقية "فالسنخية تبعث على الارتباط العجيب". ب ـ إن منجل التقوى يحصد جميع الأشواك من مزرعة روح الانسان، ويُعدّ القلب وبهيئه لنمو بذور العلم والمعرفة، بل إذا دققنا النظر فان بذور العلوم جميعها قد نثرها الله في هذه المزرعة، والمهم في الأمر هو حصد الأعشاب المزاحمة وإرواء المزرعة. وقد جاء في حديث للمسيح(عليه السلام) مخاطباً فيه أنصاره قائلا: "ليس العلم في السماء فينزل اليكم، ولا في تخوم الارض فيصعد عليكم، ولكن العلم مجبول في قلوبكم مركوز في طبائِعكم، تخلقوا باخلاق الروحانيين يظهر لكم"(1). ج ـ نعـلم أنه لا وجـود للخبل والحسد في مبدأ عالم الوجود، وعلى ما جاء في الآية: (وَاِنْ مِـنْ شَيْء اِلاّ عِنْدَنـا خَزائِنُـهُ وَمـا نُنَزِّلُهُ اِلاّ بِقَـدَر مَعْلُوْم) (الحجر / 21)، فان خزائن النعم غير المتناهية عند الله، ما ينقصه زيادة كرمه وكثرته شيئاً، بل ان جوده وكرمه يتجلّى أكثر "وَلا يَزِيدُهُ كَثْرَةُ العَطاءِ اِلاّ جُوداً وَكَرَما". وعليه، فان الحرمان سببه عدم أهلية الأشخاص، إن التقوى تجعل الانسان أهلا للفيض الالهي، وأي فيض أرفع شأناً من المعارف والعلوم الالهية؟ إن القلوب كالأوعية كما يقول امير المؤمنين(عليه السلام): (انَّ هذِهِ الْقُلُوب أَوْعِيَةٌ ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الصراط المستقيم الجزء 1 الصفحة 267. [408] فَخَيْرُها أوعاها)(1) والمهم هو أن نوسع هـذه الأوعية، وأن لا تـكون مقلوبة لا تسع ولو لقطرة واحدة، وهذا الأمر ممكن في ظل التقوى. أما التأثير المتبادل بين العلم والتقوى: فهو ان العلم الحقيقي يمحو جذور الرذائل الأخلاقية وينبايع الاثم والذنب، ويمثل أمامه عواقب الامور، وهذه المعرفة تعين الانسان على تبلور التقوى في قلبه وعلى ابتعاده عن الإثم، ويتضح من هنا ان العلم ينبوع للتقوى، كما ان التقوى ينبوع للعلم، غاية الامر ان مرحلة من التقوى تسبب مرحلة من العلم، وتلك المرحلة من العلم تسبب مرحلة أرفع من التقوى، وعلى هذا المنوال فان كلا منهما يوثر في الآخر تأثير متبادلا، وقد تكون الآية (201) من سورة الاعراف مشيرةً الى هذه النقطة: (اِنَّ الَّـذِين اتَّقَوا اِذا مَسَّهُمْ طـائِفٌ مِنَ الشَّيْطـانِ تَذَكّرُوا فـاذا هُـمْ مُبْصِرُونَ). أي ان التقوى تكون في البداية، ثم التذكر، ثم البصيرة، والنتيجة هي النجاة من وساوس الشياطين. * * * 3 ـ استغلال العلاقة بين "العلم" و"التقوى": بالرغم من ان علاقة المعرفة بالتقوىعلاقة لا يمكن انكارها، سواء من وجهة نظر القرآن المجيد، أو من وجهة نظر الدليل والعقل (وقد بينا ذلك بالتفصيل)، إلاَّ أن هذا الحديث لا يعني ترك طرق كسب العلم والمعرفة المتعارفة، والاستغناء بتهذيب النفس عن كسب تنصّب العلوم على قلوبنا العلم، كما ظن ذلك عدد من الصوفية الذين اتخذوا هذه المسألة حجة لمقارعة المعرفة وكسب العلم وظلوا في ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - نهج البلاغة الحكمة 147. [409] جهل دامس. إن الاسلام أوجب كسب العـلم بدرجة حيث اعتبـر الحضـور في مجـلس العلم كالحضور في روضة من رياض الجنّـة: "مجـلس العلـم روضةٌ من رياض الجنة". كما عدَّ النظر الى وجه العالم عبادة "النظر الى وجه العالم عبادة"(1)، وكل خطوة يخطوها في سبيل العلم فهي خطوة نحو الجنة(2). وقد عدَّ مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء(3). وحفظ الحديث وكتابته من الفضائل العظيمة(4). ويدعو الاسلام ـ من جهة اخرى ـ الى تهذيب النفس وتزكيتها لأجل تهيئتها لقبول المعارف والعلوم الالهية. وعلى هذا، فاولئك الذين تركوا طلب العلم واوصوا زملائهم وأتباعهم بتركه، والتوجه الى تصفية الباطن وتزكيتها على خطأ، لأن التزكية هذه غالباً ما تنحرف عن جادة الصواب بسبب عدم اقترانها بالعلم والمعرفة، وكذلك اولئك الذين انهمكوا في كسب العلوم الرسمية وأهملوا تهذيب النفس، فانهم في ضلالة، نعم ينبغي السعي نحو كليهما. * * * ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - غرر الحكم. 2 - البحار الجزء 1 الصفحة 164. 3 - البحار الجزء 2 الصفحة 14. 4 - المحجة البيضاء الجزء 1 الصفحة 15. [410] 2 ـ الايمان والمعرفة تمهيد: إن روح الايمان هي التسليم للحق والخضوع أمام الواقعيات، وبما أن أكثر واقعية في عالم الوجود هي ذات الله المقدسة، فان ورح الايمان تتمحور حول التوحيد ومعرفة الله. إن الايمان يفسح المجال أمام عقل الانسان لأن يدرك الواقعيات كـما هي حقاً، سواء كانت مرّة أو حلوة، وسواء كانت ملائمة لمزاجه وطبعه أم لا. إن معلومات اولئك الذين لم يسلموا للحق هي تصوّرٌ وتمثلٌّ لرغباتهم وأهوائهم، لا لنفس الواقعيات الموجودة في الخارج، انهم يرون الدنيا بالشكل الذي يرغبون فيه، ولا يرونها بشكلها الواقعي. وبهذا التمهيد تتضح علاقة الايمان بالمعرفة اجمالا، ونصغي الآن خاشعين الى آيات القرآن في هذا المجال: 1 ـ ( اَوَمَنْ كـانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنـاهُ وَجَعَلْنـا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّـاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمـاتِ لَيْسَ بِخـارِجِ مِنْهـا) (الانعام / 122) 2 ـ ( أَوُ كَظُلُمـات فِي بَحْر لُجِّيًّ يَغْشـاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحـابٌ ظُلُمـاتٌ بَعْضُهـا فَوْقَ بَعْض اِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراهـا وَمَنْ لَمْ يَجْعَل اللهُ لَهُ نُوراً فَمـا لَهُ مِنْ نُور) (النور / 40) 3 ـ ( وَالَّذِينَ آمَنُـوا بِاللهِ ورُسُـلِهِ أُولـئِكَ هُمُ الصِّـدِيقُونَ وَالشّهَـداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ اَجْرُهُمْ وَنُورُهُم) [411] الحديد / 19) 4 ـ ( اَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسلامِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقـاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولـئِكَ فِي ضَلال مُبِين) (الزمر / 22) * * * جمع الآيات وتفسيرها: تأثير الايمان على الرؤية الصحيحة: تحدثت الآية الاولى عمّن كانوا موتى ثمّ أحياهم الله وجعل لهم نوراً يهتدون به في الطريق. والمراد من الموت والحيـاة هنا هو الايمان بعد الكفر، كـما جاء ذلك فـي الآية (24) من سـورة الانفال: ( يـا اَيُّهُا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ اِذا دَعـاكُمْ لِمـا يُحْيِيكُمْ) وعلى هذا فالحياة هي حياة الايمان الحقيقي والصادق، الحياة المقترنة بالنور والضياء والمعرفة. والجـانب المقابل لجانب الأحياء، هـو جانب اولـئك الذين ضـلوا في ظلمات الكفر ولم يخرجـوا منها أبداً (كَمَنْ مَثَـلُهُ فِي الظُّلُمـاتِ لَيْسَ بِخـارِج مِنْهـا). يعتقـد كثير من المفسرين أن هذا النور هو نـور القرآن، وقـد فسّـره بعضهم بنور الدين، وبعضهم بنور الحكمة(1)، وقـد أضاف البعض على ذلك نور الطاعة(2)، لكن المسلم ان لهذا النور مفهوماً واسعاً يشمل جميع أنواع المعرفة، ومن البديهي ان مراد القرآن هو اكمل مصاديقه. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير الفخر الرازي الجزء 13 الصفحة 172 وتفسير القرطبي الجزء 4 الصفحة 214 والمنار الجزء 8 الصفحة 30. 2 - تفسير ابوالفتوح الجزء 5 الصفحة 50. [412] إن التعبير بـ "يمشي به في الناس" يتناسب كثيراً مع الحياة الاجتماعية في الدنيا، كما يكشف عن أن "الايمان" يَعِدُّ أرضية "المعرفة" في قلب الانسان ويحول دون ارتكاب الأخطاء في الحياة الدنيا. * * * وقد شبهت الآية الثانية غير المؤمنين (أو أعمالهم) بظلمات أعماق بحر لُجّي تتلاطم الامواج على سطحه، وسمائه ملبدة بالغيوم بحيث اذا أخرج شخص يده لم يكد يراها أحد. وقد أكدت في النهاية: ان الذين لم يجعل الله لهم نوراً فما لهم من نور أبداً. إن عبارات هذه الآية تثبت بوضوح ان الكفر وعدم الايمان ظلمات، وان الايمان والاسلا نور. إن الأخطاء التي تصدر من غير المؤمنين ومن المنحرفين بدرجة من الكثرة بحيث يحارُ الناظر اليهم كيف انهم لا يكادون يرون حتى موضع اقدامهم؟! وكيف انهم لا يستطيعون تمييز ما ينفعهم عما يضرهم؟ حقـاً انه لا ظلام أشدّ من الظـلام الذي رسمتـه الآيـة، فان طبيعة أعماق البحار هي الظلام، لأن نور الشمس لا ينفذ إلاّ لمـدى أقصاه سبعمائة متر، وبعد ذلك لا شيء سوى الظلام الـدامس، هذا اذا لم يـكن البحر لجياً، وإلاَّ فلا تنفذ أشعة الشمس إلاّ لمدى قريب جداً من سطح البحر، وفضلا عن هذا فان الغيوم تمنع من وصول أشعة الشمس أساساً. ويقو البعض: إن المراد من الظلمات الثلاثة في الآية هو ظلمات الكفار في الاعتقاد، وظلماتهم في الكلام، وظلماتهم في العمل. ويعتقد بعض ان المراد منها هو: ظلمات القلب وظلمات الباصرة وظلمات [413] السمع، وأضاف بعض آخر: ان هذه الظلمات عبارة عن: انه لا يعلم ولا يعلم أنّه لا يعلم، ويظن أنه يعلم(1)، ولكن لا منافاة بين هذه التفاسير، ومفهوم الآية يسع جميع هذه التفاسير. * * * والآية الثالثة، بعدما وصفت المؤمنين بـ "الصديقين" و"الشهداء" أضافت: "لهم أجرهم ونورهم". إن "الصدّيق" صيغة مبالغة لصادق، وتعني كثير الصدق، ويقول البعض: إنها تعني الشخص الذي لم يصدر منه كذب أبداً، ويعتقد بعض آخر: انها تعني الذي اعتاد على الصدق بحيث يمتنع عليه الكذب عادةً، وبتعبير آخر: حصلت له طبيعة ثانوية على أساس الصدق وعدم الكذب. ويقول البعض: إنها تعني الشخص الصادق في اعتقاده وكلامه، يكشف سلوكه عن صدقه اعتقاده(2). وتـجتمع جميع هـذه المعاني في القـول بانها صيغة مبالغة لصـادق، لأن المفهوم آنذاك يكون شاملا لجميع المعاني المتقـدمة، وعلـى هذا فالمسـلم أن المراد ليس جميـع المؤمنين بل المؤمنـون أصحاب الدرجات الرفيعـة في ايمانهم. أما "الشهداء" فقد يكون المراد من ذلك هو أن المؤمنين الصديقين له أجر كأجر الشهداء، كما جاء ذلك في حديث للامام الصادق(عليه السلام) عندما جاءه شخص يطلب الدعاء له بالشهادة، فاجابه الامام(عليه السلام): "إن المؤمن شهيد" ثم تلا الآية: ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الفخر الرازي الجزء 24 الصفحة 8. 2 - المفردات ومجمع البحرين (مادة صدق)، تفسير الميزان الجزء 19 الصفحة 186، وتفسير المراغي الجزء 27 الصفحة 174، وتفسير مجمع البيان الجزء 9 الصفحة 236. [414] (وَالَّذِيْنَ آمَنُوا ... )(1). كما يحتمل ان يكون المراد من الشهداء، هو الشهداء على أعمال الناس، لأن المستشفَّ من آيات عديدة هو أن فريقاً من المؤمنين (الانبياء والأئمة) يشهدون على الامم. ولا يبعد الجمع بين هذين المعنيين(2). إن "الاجر" في عبارة "لهم أجرهم ونروهم" تعني جزاء الأعمال، أما "النور" ففسّرَه البعض بأنه النور الذي يسعى بين أيدي المؤمنين الذي يفتح الطريق نحو الجنة يوم القيامة، إلاَّ انه لا دليل على هذا التحديد، وقد جاء هنا مطلقاً، فينبغي القول بعمومية مفهومه وشموله للنور الذي جعله الله للمؤمنين في الدنيا كما يشمل النور الذي يهتدي به المؤمنون الى الجنة يوم القيامة(3). وقد طـرحت الآية الـرابعة والاخيرة استفهـاماً تقريـرياً قائلة: ( اَفَمَنْ شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإسلامِ فَهُـوَ عَلَـى نُـور مِنْ رَبِّـهِ)؟ وهذا دليل واضح على أن قبول الايمان متـزامن ومقترن مع شرح الصدر، وشرح الصدر أرضية خصبة للنور الالهـي، النـور الذي يضيء العالم أمام أعين المؤمن، ويكشف له حقائقه كما هي. إن المراد من "شرح الصدر" هو اتساع الروح الى درجة تكون مستعدة لاستيعاب حقائق كثيرة، وما يقابل شرح الصدر هو "ضيق الصدر" اي تضيق الروح بدرجة لا تتمكن من استيعاب شيء من الحقائق، وبتعبير آخر: إن شرح ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير مجمع البيان الجزء 9 الصفحة 238. 2 - احتمل البعض ان جملة (وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ) ليست عطفاً على الجملة التي سبقتها، وانها جملة مستقلة مركبة من مبتدأ وخبر، إلاّ أن هذا الاحتمال بعيد جداً. 3 - الظاهر من تعبير بعض المفسرين أن الضمائر في جميع هذه الجمل ترجع الى المؤمنين، بينما يصرح صاحب الميزان بأن الضمير في "لهم" يرجع الى "الذين آمنوا" والضميرين الاخرين يرجعان الى "الصديقين" و"الشهداء"، أي اولئك الذين لهم أجر الصديقين والشهداء ولهم نورهم، إلاّ ان هذا الاحتمال بعيد. [415] الصدر هو اتساع وعظمة الروح الذي يُعَدُّ الارتباط بالذات اللامتناهية أحد عوامله، نعم إن الروح التي تتخذ صبغة الله وتتسع تكون أهلا لقبول العلوم والمعارف الالهية. إنها لا تتسع فحسب، بل تلين وتختصب وتتهيء لنثر بذور المعرفة فيها، ولهذا صرحت الآية في النهاية: (فَوَيْلٌ لِلْقـاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ الله). * * * إيضاحات: علاقة الايمان بالعلم في الروايات الاسلامية: 1 ـ جاء في حديث عن الامام الصادق(عليه السلام) انه قال: "ان المؤمن ينظر بنور الله"(1) فطلب احد الصحابة بيان معنى الحديث فقال(عليه السلام): هذا انما هو لاجل ان الله تعالى قد خلق المؤمن من نوره واحاطه برحمته. 2 ـ ونقرأ في حديث آخر عن الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: "اتقوا فـراسة المؤمن فانّـهُ ينظر بنور الله ثم تـلا: ان فـي ذلك للمتوسمين"(2). 3 ـ وفي رواية اخرى عن الامام موسى بن جعفر(عليه السلام) عن آبائه الكرام عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "ايّاكم وفراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله تعالى"(3). 4 ـ ونجد ان هذه الأمثال اتخذت أهميةً كبرى كما هو المشاهد في بعض الروايات حيث ينقل نهج البلاغة عن امير المؤمنين(عليه السلام) انه قال: "اتقوا ظنون ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - بحار الانور الجزء 64 الصفحة 74 الحديث رقم 2. 2 - بحار الانوار الجزء 64 الصفحة 74 الحديث رقم 4. 3 - بحار الانوار الجزء 64 الصفحة 75 الحديث رقم 8. [416] المؤمنين فان الله سبحانه جعل الحق على السنتهم"(1). 5 ـ وجاء عنه (عليه السلام) في نهج البلاغة ايضاً انه قال: "وبالصالح يستدل على الايمان وبالايمان يعمر العلم"(2). 6 ـ ونختم البحث بحديث عن الامام الباقر(عليه السلام) يقول فيه: "ما من مؤمن الا وله فراسة ينظر بنور الله على قدر ايمانه"(3). وكما قلنا في بداية البحث، فان الايمان الصادق يجعل الانسان عاشقاً للحق والحقيقة ومذعناً أمام الواقعيات والحقائق، وبهذا تتحرر روح الانسان من جميع القيود وتتهيأ لقبول جميع المعارف. * * * 3 ـ علاقة "الصبر والشكر" بـ "المعرفة" في البداية نصغي خاشعين للآيات التالية: 1 ـ ( وَلَقَدْ اَرْسَلْنـا مُوسَى بِآيـاتِنـا اَنْ اَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمـاتِ اِلى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِاَيّـامِ اللهِ انَّ فِي ذلِكَ لآيـات لِكُلِّ صَبّار شَكُور) (ابراهيم / 5) 2 ـ ( اَلَمْ تَرَ اَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيـاتِهِ اِنَّ فِي ذلِكَ لآيـات لِكُلِّ صَبّار شَكُور) (لقمان / 31) 3 ـ ( فَقـالُوا رَبَّنـا بـاعِدْ بَيْنَ أَسْفـارِنـا وَظَلَمُـوا اَنْفُسَهُـمْ فَجَعَلْنـاهُمْ ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - الكلمات القصار جملة رقم 309. 2 - نهج البلاغة خطبة رقم 156. 3 - عيون الاخبار الجزء 2 الصفحة 200 (ينقله عن كتاب الحياة الصفحة 92). [417] اَحـادِيثَ وَمَـزَّقْنـاهُمْ كُلَّ مُمَـزَّق اِنَّ فِـي ذلِكَ لآيـات لِكُـلِّ صَبّـار شَكُور) (سبأ / 19) 4 ـ ( وَمِنْ آيـاتِهِ الجَوارِ فِي البَحْرِ كَالأَعْلامِ * اِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَضْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ اِنَّ فِي ذلِكَ لآيـات لِكُلِّ صَبّار شَكُور) (الشورى / 32 ـ 33) * * * جمع الآيات وتفسيرها: السير في الآفاق والأنفس مع الصابرين: تحدثت الآيـة الاولى عن " بني اسرائيل "، حـيث بُعثَ فيهم مـوسى (عليه السلام)بمعاجز وآيات إلهية واضحة، وكان موظَّفاً بأن يخرجهم من ظـلمات الشرك والكفر والفساد الى نور التوحيد الذي هو ينبوع جميع البركات والخيرات، ولأن يذكرهم بأيـام الله، ثـم قالت الآيـة في النهاية: (انَّ فِي ذلِكَ لآيـات لِكُلِّ صَبّار شَكُور). ما المراد من أيـام الله؟ هناك بحث بين المفسرين في هذا المجال، فمنهم من فسرها بالنِّعَم والابتلاءات الالهية(1)، ومنهم من فسرها بأيام انتصار الرسل والأمم الصالحة، ومنه مَنْ اعتبرها اشارة الى أيام عذاب الأقوام الطاغية والعاصية والظاهر عدم المنافاة بين هذه التفاسير لانها كلها من "ايام الله". إنّ الـ " الأيام " معنـاها واضح، واضافتها الى الله " اضافة تشريفية "، والمراد منها هو جميع الايام المهمة من حيث أهميتها البالغة، أو من حيث أن فيـها نعمة ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - لقد جاء هذا التفسير في عدد من الاحاديث النبوية. تفسير الميزان الجزء 5 الصفحة 15 و 16، وتفسير نور الثقلين الجزء 2 الصفحة 526. [418] إليهة شملت أقواماً صالحين كالانتصارات العظيمة على جند الشرك والظلم، وكالنجاة من الظَّلَمَة والطواغيت وكالموفقية لأداء الجهاد أو فريضة عـظيمة اخرى. أو من حيث شمول عذاب الله ونقمته لأقوام عصاة وهلاكهم، أو شمول نبذة من العقاب الالهي لهم ليستيقظوا من غفلتهم ويعوا، كل هذه هي "أيام الله" وداخلة في مفهومها الواسع. أما سبب كون هذه الآيات عبرة للصـابرين والشاكرين فقط دون غيرهم (ينبغي الالتفـات هنا الـى أن " صبور " " وشكور " صيغةٌ مبالغةٌ، الاولى تعني كثير الصبر والثانية كثير الشكر)، فـذلك لأجل ان دراسة دقائق هذه الحوادث وجذورها من جهة، ونتائجها من جهة اخرى يحتاج الى صبر وتأن. إضافـة الى هذا، فانه لا يستفيد من هذه الحـوادث إلاَّ اولئك الذين يقدّرون نعَم اللهِ ويشكرونه عليها، وعلى هذا، فالصبر والشكر أرضيتان ملائمتان للمعرفة والعلم. كما يحتمل ان يكون تقارن الصبر مع الشكر لأجل أن هؤلاء مجهزون بالصبر عند المصائب، وبالشكر عند النِعَم، وعلى هذا فلا يركعون أمام المصائب، ولا يغترون عند نزول النِعَم، فلا يضِلون أنفسهم على أي حال، فهم مؤهلون لتقبل المعرفة وأخذ العِبَر والدروس من هذه الحوادث العظيمة. * * * في الآية الثانية والـرابعة جاءت هذه العبارة: (اِنَّ فِي ذلِكَ لآيات لِكُلِّ صَبّار شَكُور)، وقد ذُكِرَت بعد التعرض لحركة السفن في البحار والمحيطات التي تتم باِيعاز من الله وبالاستعانة بالرياح فتطوي المسافات البعيدة وتصل الى مقاصدها [419] بسرعة. بديهي ان هذا الموضوع هو إحدى آيات الله التكوينية، وآية من آيات النظام الالهي وقدرة الله. لكن هل يا ترى يكون استثمار هذه الآيات الالهية الموجودة في عالم الوجود وحتى الكامنة في هبوب الرياح ممكناً للجميع، أو أنه خاص بأُولئك الذين يدرسون ويتابعون نظام الخلق العجيب بدقة وصبر وتأن الى المستوى الذي يتيح لهم العلم البشري فرصةَ الاستثمار، ومن جهة اخرى فان الدافع نحو "شكر المُنعِمِ" نفسه عامل للسعي والحركة في طريق المعرفة. يقول "القرطبي" في تفسيره: "والآية: العلامة، والعلامة لا تبين في صدر كل مؤمن إنما تتبين لمن صبر على البلاء وشكر على الرخاء"(1). وقد جاء في تفسير "روح البيان": "مبـالغ في الصبـر على المشاف فـيتعب نفسه في التفكر في النفس والآفاق"(2). والجميـل هنا هو ان الهواء الذي يحيط بالكرة الأرضية من ألطف الموجودات، وبالرغم من ذلك فهو عندما يتحرك ويتنقل فانه لا يحرك السفن العظيمة في البحار فحسب، بل كذلك الغيوم التي تُعَدُّ ينابيعَ للغيث، فيأخذ بها نحو الصحاري والأراضي الميتة فيحيها، كما أنه بانتقال الهواء الحار الى المناطق الباردة والهواء البارد الى المناطق الحارة تتهيأ الأراضي الميتة للحياة، واضافة الى هذا فان الهواء يلقح النباتات كالزهور والاشجار ويحمل احياناً البذور فتُزرع في الأماكن التي تسقط فيها، ألَمْ تكن هذه من آيات الله؟ ومن يمكنه استثمار هذه الآيات غير الصابرين والشاكرين؟ ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير القرطبي الجزء 14 الصفحة 79. 2 - روح البيان الجزء 7 الصفحة 98. [420] وقد جاء في حديث للرسول الاعظم(صلى الله عليه وآله وسلم): "الايمان نصفان نصفه صبر ونصفه شكر"(1) وهذا الحديث تأكيد لما جاء في الآيات. * * * وأخيراً فان الآية الثاثة أشارت الى قوم سبأ، حيث شملهم التوفيق الالهي فاستطاعوا أن يوجدوا سداً عظيماً بين الجبال في "اليمن": وادخروا فيه الماء الكثير، وتمكنوا من ايجاد بساتين كثيرة، فغُمروا في النِعَم والفـرح، إلاّ أنّـهم سلكوا طريق كفران النعمة، فتسلطت الأقوام المرفهة على الأقوام الضعيفة ظلماً وجوراً فَعَـمَّ مساكنَهُم الخرابُ والدمار، بحيث هلك الحرث والنسل لانفجـار السد، فتفككوا وتشتتوا بشكل حيث جعلهم الله أحاديث للآخرين (فجعلناهم أحاديث)وأهلكهم جميعاً (ومزقناهم كلّ ممزق)، ثم أضاف القرآن: (اِنَّ فِي ذلِكَ لآيـات لِكُلِّ صَبّار شَكُور). وذلك لأنهم يستخلصون الدروس والعِبر بدقتهم وتأنيهم. ومن جهة فان هذه الحقيقة تثبت، وهي: ان بـين الحياة والممـات مسافة قصيرة جداً، بحيث يمكنك البحث عن الممات في قلب الحياة، فان وفرة الماء التي سببت تقدم قوم سبأ وازدهار بلادهم وتطور حضارتهم، سبب هلاكهم يوماً ما! ومن جهة اخرى فان هذا يكشف عن شدة ضعف هذا الانسان المغرور، وذلك لأنه يقال انّ السدّ (الذي اُطلق عليه سدّ مأرب)، قد ثُقب بواسطة الجرذان الصحراوية ثقباً صغيراً في البداية ثم توسع الثقب الى أن أدى بالسدّ لأن ينهدم ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير مجمع البيان الجزء 7 الصفحة 323، تفسير الفخر الرازي الجزء 25 الصفحة 162، وتفسير المراغي الجزء 21 الصفحة 97، وتفسير القرطبي الجزء 5 الصفحة 3571، وتفاسير اخرى. [421] بالكامل، وبهذا نرى أن جرذاناً صحراوية أبادت حضارة عظيمة. ومن جهة ثالثة، فان المستكبرين من قوم سبأ الذين ما استعدوا لأن يروا المستضعفين بقربهم، وحسبوا أنه ينبغي وجـود فاصلة او سد عظيم كسد مأرب بين أقلية الأشراف والأكثرية المستضعفة، طلبوا من الله ان يبعد مدنهم عن مدن المستضعفين كي لا يتمكنوا من السفر مع المستكبرى، ويبـقى امتيـاز السفر خاصاً بهم (رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا) إلاّ أن الله فرقهم بشكل حيث لا هم بقوا ولا ظنونهم الباطلة. ومن جهة رابعة، فان حياتهم المرفهة أغفلتهم عن ذكر الله، وما صحوا إلاّ بعد أن انتهى كل شيء. وعلى هذا، فيمكننا بالتأمل والدقة والاستعانة بالعقل أن نستشف آيات كثيرة من هذه القصة وهذا الحديث(1). * * * النتيجة: ان المستشف من الآيات الاربع الماضية هو: ان كل من كان أدق وأكثر صبراً في دراسته لاسرار الخلق والحياة الاجتماعية، ولكل من كان شاكراً للنعم ومستعيناً بوسائل المعرفة فان له نصيباً أوفر وأكثر من المعرفة، ولهذا كان الصبر والشكر أرضيتين ممهدتينِ للمعرفة. * * * 4 ـ المعرفة تهيء الارضية للمعرفة ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - ينبغي الالفتات الى ان مفردة "أحاديث" التي جاءت في الآية، منتهى الجموع وتكشف عن وجود أحاديث وقصص كثيرة في ماضي قوم سبأ لا قصة واحدة. [422] تمهيد: المعروف هو ان الثروة تجلب الثـروة، اي ان مقداراً من رأس مال يكون ارضية لربح رأس مال ابر، ولما ازداد مقداره ازداد مورد الانسان من رأس مال ذلك. ان هذا الامر يحكم العلوم والمعارف كذلك، فالذين يملكون رأس مال من العلوم تتوفر عندهم الارضية الخصبة لتقبل علوم ومعارف اخرى، ولهذا قلنا: ان المعرفة تهيء الارضية للمعرفة اي لنيل معارف اخرى هي ارفع واوسع. وقبل الخوض في البحث نستمع خاشعين للآيات التالية: 1 ـ ( وَمِنْ آيـاتِهِ خَلْقُ السَّمَواتِ وَالاْرْضِ وَاختِلافِ اَلْسِنَتِـكُمْ وَاَلْوانِـكُمْ اِنَّ فِي ذلِكَ لايـات لِلْعـالِمِينَ) (الروم / 22) 2 ـ ( فَتِـلْكَ بُيُوتُهُـمْ خـاوِيةً بِمـا ظَلَمُـوا اِنَّ فِـي ذلِكَ لآيَـةً لِقَـوْم يَعْلَمُونَ) (النمل / 52) * * * جمع الآيات وتفسيرها: مالم تكن منّا لن تطلع على اسرارنا: ان الآية الاولى من جملة الآيات الكثيرة في سورة الروم التي اشارت لآيات الآفاق والانفس، وعدت بعضاً من آيات الله في العالم الاكبر (الكون) وبعضاً من آيات العالم الاصغر "الانسان" فاشارت الآية الى العالم الاكبر من جهة (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّمَواتِ وَالاَْرْضِ)، ثم اشارت الى بعض دقائق خلق الانسان من [423] جهة اخرى (وَاختِلافِ اَلْسِنَتِكُمْ وَاَلْوانِكُمْ). الاختلاف ليس في الالسنة والالوان الظاهرة فحسب، بل في السنة الفكر والوان الذلواق والبواطن، فانها مختلفة الى درجة بحيث لا يمكن العثور على شخصين متشابهين بالكامل، وهذا الاختلاف جار حتى بالنسبة للتوأم. ان هذا الاختلاف بسبب ـ من جهة ـ التمايز بين الناس، لانه اذا لم يكن تمايز بين الناس اختل النظام الاجتماعي للحياة، كما هو الحال بالنسبة للتوأم فالذي يعاشرهم كثيراً ما يقع في اخطاء تجاههم، فقد يقدم احدهم من السفر ويقوم صديقهم بزيارة الآخر الذي لم يسافر. او يتمرض احدهم فيزور الآخر وهو صاح. أو يعطي الابوان الدواء للسليم لعدم التمييز بينهما. تصوروا ما الذي يحصل لو كان الناس جميعاً متشابهين من جميع الجهات؟!! ومن جهة اخرى. فان هذا التنوع والاختلاف يسبب انخراط كل مجموعة من الناس في جانب من جوانب الحياة وبهذا الاختلاف في الاذواق والقابليات تسدّ جميع احتياجات البشر الاجتماعية فلا يحصل خللٌ في هذا المجال، الم تكن هذه الدقة العجيبة في هذا النظام من آيات الله؟! والجدير بالذكر ان المفسرين ذكروا احتمالات عديدة في تفسير (اختلاف الألسنة) فتارة قالوا: إن المراد منه هو الاختلاف في اللغة، حيث نعلم ان اللغات الموجودة حالياً اكثر من الف لغة، وهذا التنوع الذي لا نريد الخوض في تفصيلاته فعلا، جيد لتتعرف الاقوام المختلفة على بعضها البعض. وتارة قالوا : ان المراد هو اللـهجات وكيفية حديث الاشخـاص التي تختلف من شخص إلى آخر اختلافاً كبيراً، فكلّ منطق واسلوب في البيان يعبّر عن شخصيته. وتارة قالوا: ان المـراد هو الاصوات او ما يصطلح عليه بـ "الذبذّات" الذي يختلف عند الاشخاص اختلافاً فاحشاً، ولهذا فان العمى يميز الاشخاص من [424] اصواتهم، كما ان البصير يميزهم من وجوههم. ومن هنا يتضح ان اقتران اختلاف الألسنة والألوان بخلق السموات والارض في الآية هو لأجل الاشارة الى ان جميع موجودات العالم ـ صغيرها وكبيرها، وابسطها واعقدها ـ بحسب الظاهر ـ تحكمها قوانين وانظمة دقيقة، و.هي آيات لعلم الله وقدرته وينبغي الاشارة الى ان الآية صرحت في النهاية (اِنَّ فِي ذلِكَ لايات لِلْعالِمِينَ) نعم ان العلماء هم الذين يدرسون اسرار الكون ويتفحصونها واحدة تلو الاخرى، وهم الذين تكون معرفتهم السابقة ارضية خصبة لمعارفهم الاكثر والأدقّ. * * * وقد تحدثت الآية الثانية عن مجاميع صغيرة مفسدة تعيش في "وادي القرى" بين قوم صالح (على ما يقوله المفسرون)، وكان عددهم تسعة رهط (اي مجموعات صغيرة)، وكانوا يفسدون في الأرض دائماً كما يصفهم القرآن الكريم (وَكَانَ فِي الْمَدِيْنَةِ تِسْعَةُ رَهْط يُفْسِدُونَ فِي الاْرْضِ). أمهلهم الله كثيراً كفرصة للتوبة والرجوع الى أنفسهم، لكن ما زادهم الإمهال إلاّ غروراً، وكان نهاية أمرهم أن أنزل اللهُ عليهم صاعقة من السماء، وزلزلة من الارض ختمت حياتهم. يقول القرآن فيهم: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيةً بِما ظَلَمُوا) أي خالية منهم بسبب ظلمهم وطغيانهم. ثم يضيف: (اِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْم يَعْلَمُونَ). إن عبارة (بِما ظَلَمُوا) تدل على ان الظلم هو السبب في دمـار البيوت وخرابها، وقد نُقِل عن ابن عباس ان قال: إني وجدت هذه الحقيقة في كتاب الله [425] وهي: إن الظلم يهدم البيوت، ثم تلا الآية المذكورة. وقد جاء في التوراة: يابن آدم لا تظلم فيُهدم بيتك(1). وينبغي الالتفات هنا الى أن مفردة "خاوية" تعني ـ في الأصل ـ خالية، إلاّ أن كثيراً من المفسرين فسرها بالخربة، وهذا قد يكون لأجل أن البيت اذا خلى وهُجِر خرِبَ وانهدم(2). * * * النتيجة: من المعلوم ان آيات الله ـ سواء كانت آفاقية او في الانفس او تعلقت بدروس وعبر تاريخ الاقوام الغابرة ـ تخص الجميع، وبما ان الجميع لا يستفيد منها ولا يستمثرها يقول القرآن عنها (اِنَّ فِي ذلِكَ لآيةً لِقَوْم يَعْلَمُونَ). وتارة يقول: "للمتقين". وتارة يقول: "لكل صبّار شكور". وهذه اشارة الى ان هذه الفرق ـ هي التي تنتفع بهذه الآيات وتستفيد منها دون سواها، لِما عندهم من ارضيّه خصبة لهذا الامر. وهناك آيات كثيرة في القرآن المجيد لا تخلو من الاشراة الى حقيقة ان المعرفة تعتبر ارضية معدة وخصبة لمعارف اكثر، كـما جـاء ذلك في الآيات التالية: ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير روح المعاني الجزء 19 الصفحة 194. 2 - ذكر صاحب تفسير روح البيان معنيين لمادة (خوى) احدهما الخلو والثاني السقوط والانهدام، ومن هنا يعبر عرب الجاهلية عن النجم اذا سقط (خوى النجم) الا ان الظاهر ان المعنى الاولي لهذه المادة هو: الاول فقط، ويستعمل تعبير (خوى النجم) اذا ما غرب نجم او افل بلا مطر (حيث كان يعتقد عرب الجاهلية ان طلوع كثير من النجوم متزامن مع المطر واذا لم يكن هناك مطر استعملوا التعبير السابق لذلك النجم). [426] ( كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآيـاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ) (الاعراف / 32) ( يُفَصِّلُ الآيـاتِ لِقَوْك يَعْلَمُونَ) (يونس / 5) ( كِتـابٌ فُصِّلَتْ آيـاتُهُ قُرآناً عَرَبياً لِقَوْم يَعْلَمُونَ) (فصلت / 3) ( تِلكَ حُدُودُ الله يُبَيّنُهـا لِقَوْم يَعْلَمُونَ) (البقرة / 23) كما اتضح ـ مما مر ـ الجواب على السـؤال عن حاجة العـالمين لشـرح وتبيين الآيات الالهية. 5 ـ علاقة الخوف بالمعرفة تمهيد: إنّ الانسان ما لم يشعر بالمسؤولية لا يلتفت الى مصادر المعرفة وسوف لا يبالي بآيات الله ومواعظه. ومـن هنا ينبغى القـول بان الاحسـاس بالمسؤولية والخـوف من الله هو احدى ارضيات المعرفة التي تُعِدُّ روح الانسان وتهيئها لتقبل علوم ومعارف مختلفة. وبالالتفات الى هذا التمهيـد نستمع خاشعين الى الآيات التالية: 1 ـ ( وَكَذلِكَ أخْذُ رَبِّكَ اِذا أَخَذَ الْقُرَى وهِيَ ظـالِمَةٌ اِنَّ اَخْذَهُ اَلِيمٌ شَدِيْدٌ ـ اِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِمَنْ خـافَ عَذابَ الآخِرَةِ) (هود / 102 ـ 103) [427] 2 ـ ( اَفَلَمْ يَرَوا اِلى مـا بَيْنِ اَيْدِيهِمْ وَمْا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمـاءِ وَالاَْرْضِ اِنْ نَشَأْ نَخْسُِ بِهِمْ الاَْرْضَ أَوْ تَسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّمـاءِ اِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْد مُنِيب) (سبأ / 9) 3 ـ ( وَتَرَكْنـا فِيْهـا آيَـةً لِلَّذِينَ يَخـافُوْنَ الْعَـذابِ الأَلِيْمَ) (الذاريات / 37) * * * شرح الآيات وتفسيرها: المعرفة والشعور بالمسؤولية: ـ إن الآية الاولـى بعـدما أشارت الى ماضي بعض من الاقـوام السالفة (مثل قوم لوط وشعيب والفراعنة) ونزول أنواع من العذاب عليهـا، قـالت: ( وَكَذلِكَ أخْذُ رَبِّكَ اِذا أَخَذَ الْقُرَى وَهِـيَ ظـالِمَةٌ) ثم قـالت في النهـاية: (اِنَّ اَخْذَهُ اَلِيمٌ شَدِيدٌ)ثـم قـالت: ( اِنَّ فِي ذلِكَ لايَةً لِمَنْ خـافَ عَذابَ الآخِـرَةِ) أي فـي قصص الامم السـالفة وعقابهم ونـزول العذاب عليهم آيـة واضحة لمن خـاف عذاب الآخرة. لقد جاءت مفردة "آية" نكرة، وذلك للاشارة الى عظمة وأهمية هذه الآية الالهية ودور العبرة فيهـا، والتعبير بـ ( لِمَـنْ خـافَ عَذابَ الاْخِـرَةِ) اشارة الى الارضية المُعدَّة للمعرفة عند اولئك الذين يخافون من عذاب الاخرة. أما اولئك الذين لا يخافون عذاب الاخرة فلا يدركون علاقة هذه الذنوب بهذه الانواع من العذاب الرباني، إنّهم يعدون العذاب أمراً قهرى وجبرياً، أو يرجعون أسبابه الى حركة الافلاك والنجوم وأوهام وخرافات اخرى، ولا يدركون [428] الاسباب الحقيقة له(1). إضافة الى هذا، فان الانسان لا يقطع بالعذاب الدنيوي ما لم يقطع بالعذاب الاخروي، لان كلاهما وليد شيء واحد وهو معرفة الله ومعرفة عدالته. إن جملة " وهي ظالمة " تلميـح الى ان الاخذ والدمار كان بسبب ظلم تلك القرى، وبتعبير آخر: فان جميع الانحرافات العقائدية والسلوكيـة داخـلة في مفردة الظلم. * * * والآية الثانية بعدما أشارت الى آيات الله في السموات والارض: وبيان قدرته على كلّ شيء أكّدت بأن اللهَ لم يعجز عن عذاب اولئك العصاة الذين سخروا بآيات الله ورموك بالجنون، واعتبروا المعاد محالا، إنْ شئنا خسفنا بهم الارض، أو أسقطنا عيهم من السماء أحجاراً سماوية (اِنْ نَشَأْ نَخْسِفُ بِهِمُ الاَْرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ). إن " كِسَـف " جمع كِسْـف ويعنـي القمـاش المقطّـع قطعـاً قطعـاً، وقد استعملت هذه المفردة هنا اشارة الى بعض الكرات السماوية التي تنفجر تحت ظروف خاصة وتتحول الى قطع متعددة تسبح في السماء، واذا ما دخـلت في مدار الارض، تحولت (بايعاز من الله) إلى أمطار من حجر، او سقطت على وجه الارض بصورة قِطّع حجرية كبيرة، كلٌّ منها يمكنها تدمير منطقة واسعة من سطح الارض، كـما ان العلماء اكتشفـوا نماذَج من هذه الكُتَل الحجرية في منطقة "سيبيريا". ثم قالت الآية في النهـاية: (اِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْد مُنِيب) أي لـكل عبد ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - لقد اشير الى هذا الأمر في التفاسير التالية: تفسير روح المعاني الجزء 12 الصفحة 123، وتفسير الفخر الرازي الجزء 18 الصفحة 58، وتفسير روح البيان الجزء 4 الصفحة 185. [429] راجع الى الله وخائف من عذابه ومتخذ سبيل التوبة. المسلم هو ان هذه الآيات عامة لجميع البشر، لكن لا ينتفع بها إلاٍّ من خاف الله وشعر بالمسوؤلية(1). وبتعبير آخر: فان جملة (لِكُلِّ عَبْد مُنِيب) بمثابة بيان لسبب جملة (اِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً)، أي ان الالتفات الى حقيقة العبودية والتوبة والإِنابة سبب للانتفاع بهذه الآيات(2). وفي الحقيقة، إذا ما درسنا حقيقة مفهوم العبودية، رأينا لا يخلو من التوبة والإِنابة عند اقتراف الذنب. * * * أما ثالث وآخر آية في البحث، فقد أشارت مرة اخرى الى المصير الرهيب لقوم لوط ذلك المجتمع الذي بلع من العـار أَقصاه، وسخر من جميع قيم الايمان والانسانية وغمر في وحل الفساد والفحشاء... إن الآية بعدما أشارت الى تدمير مدنهم وتخريبها قالت: (وَتَرَكْنا فِيهـا آيَةً لِلَّذِينَ يَخـافُونَ الْعَذابَ الأَلِيمَ) يعتقد الكثير أن مدن قوم لوط كانت في الشامات قرب "البحر الميت" أو بين الشام والحجاز، وكان يطلق عليها "المدائن المؤتفكة"، ويقال: إنه عندما زلزلت الارضُ من مدنَهم هدمتها، ثم نزلت عليهم أمطار من الاحجار، وانشقت عندها الارض شقاً نفذ فيه ماء "البحر الميت"، وبدل هذه المدن الى مستنقعات نتنة، ولهذا يدعي البعض العثور على آثار من الاعمدة وغيرها من هذه المدن في أطراف البحر الميت. وعلى أيّ حال، فان هذه الآثار الباقية ـ سواء كانت في اليابسة أو تحت ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - تفسير القرطبي الجزء 8 الصفحة 5346. 2 - تفسير روح المعاني الجزء 22 الصفحة 104. [430] المستنقعات الآسنة ـ درس وعبرة، ولا ينتفع بهذا الذرس إلاّ الذين يخافون عذاب الله، ويشعرون بالمسؤولية (وتواجدت فيهم أرضية المعرفة). وبتعبير بعض المفسرين: آية العبرة هذه هي لاولئك الذين من شأنهم أن يخافوه لسلامة فطرتهم ورقة قلوبهم دون من عداهم من ذوي القلوب القاسية فانهم لا يعتدون بها ولا يعدونها آية ودليلا(1). * * * النتيجة: إن الخوف سواء كان بمعنى الخوف من الله أو من عـذابه أو من الذنب والمعصية (لأن جميعها ترجع الى معنى واحد)، يُعِدُّ الأرضية لـروح الانسـان لتقبل الحقائق والمعارف، لأن الانسان مالم يشـعر بالمسؤولية لا يتجه نحو مصادر المعرفة ولا يبحث في آيات الآفاق والأنفس والتكوين والتشريع. وخلاصة الحديث، ان الحركة نحو العلم والمعرفة كأي حركة اخرى تحتاج الى محرك، والمحرك يمكنه أن يكون احد الامور التالية: 1 ـ جاذبية العلم والعشق للمعرفـة التـي أُودعتْ فـي روح الانسان منذ البداية. 2 ـ الاطلاع على النتـائج المثمـرة والآثـار القيمـة للمعـرفة، ووصول الانسان الى المـراحل الرفيعة تحت ظلها. 3 ـ الشعـور بالمسؤولية والخـوف من العواقب المؤلمة لفقدان المعـرفة والجزاء الترتب عليها. إن كلا من هذه الامور يمكنها أن تهيء الأرضية المناسبة لطيّ هذا الطريق المليء بالتعرجات، واذا ما تعاضدت هذه الامور مع بعضها البعض، فان الحركة ــــــــــــــــــــــــــــ 1 - روح المعاني الجزء 27 الصفحة 13. [431] نحو المعرفة ستكون أسرع وأعمق وأكثر ثماراً. * * * وآخر الحديث: إن أكبـر فخر للانسـان هو العلم والمعرفة، والجاهلون هم موتى الأحياء. إن بلوغ مرحلة المعرفة الكاملة، لا يتم إلاّ مع توفر الأسباب ورفع الموانع والحجب وتهيئة الأرضية المناسبة. وما أجمل ما قاله الشاعر: وفي الجهل قبل الموت وموت لأهله ***** فأجسامهم قبل القبور قبور وانّ امرءاً لم يحيي بالعلم ميتة ***** فليس له حتى النشور نشورٌ * * * ربّنا علّمنا المعارف الحقيقة، والأرفع من ذلك أي معرفة ذاتك المقدسة الطاهرة وصفاتك الجليلة. إلهي! نعلم ان أعظم فخرنا هو علمنا ومعرفتنا، والاطلاع على أسمائك وصفاتك وعالم خلقك أي أفعالك، إلاّ أنه لا يتيسر طيّ هذا الطريق الصعب إلاّ بتوفيقك، فوفقنا وثبت أقدامنا. يا مولانا! إن شياطين الدرب كثيرون، وأوديته خطرة، وموانعه عديدة، ولا يمكن رفع هذه الموانع إلاّ بامداداتك، فزودنا بها وبألطافك الخاصة. آمين يا رب العالمين نهاية المجلد الاول من نفحات القرآن [432] (التفسير الموضوعي) صباح الجمعة ـ 8 رجب 1408 هـ . ق الموافق لـ 7 / 12 / 1366 هـ . ش
سيد أحمد الحسيني